أشرقت شمس اليوم التالي باردة ، ودخلت تولين القاعة الكبرى وهي تحمل هدوءاً غريباً.
هدوءاً يشبه السكون الذي يعقب العاصفة.
كانت قد قررت أن لا تسمح لمشاعرها بأن تكون مادة للسخرية أو الشفقة.
عندما وصلت إلى المقعد رقم (7)، كان أدريان جالساً بالفعل.
لم تكن هناك نظرات عتاب ، ولا كلمات حادة.
جلست بجانبه بهدوء ، وأخرجت كتبها دون أن تُحدث ضجيجاً.
مال ليام من خلفها وقال بهمس:
«تولين ، هل أنتِ بخير اليوم ؟»
التفتت إليه بابتسامة باهتة لكنها رقيقة.
وأجابت بصوتٍ خفيض:
«أنا بخير يا ليام.. نحتاج فقط للتركيز في محاضرة اليوم. »
أدريان ، الذي كان يراقب حركاتها من طرف خفي.
شعر بأن هذا “الهدوء” أصعب بكثير من الغضب.
كانت تعامله بـ “رسمية مهذبة” كأنها لم تعرفه يوماً.
كأنه مجرد زميل مقعد عابر.
حاول أن يفتح كتابه بيده الجريحة ، فصدرت منه أنّة ألم مكتومة.
تولين سمعت الأنة ، وتوقفت يدها عن الكتابة للحظة.
شعرت برغبة فطرية في الالتفات وسؤاله إن كان الجرح قد تلوث.
لكنها كبحت نفسها وتذكرت “الحاجز” الذي بناه هو بنفسه.
لم تسخر منه ، بل اكتفت بالنظر إلى صفحتها ، وشعرت بحزنٍ عميق يغمر قلبها على ما آل إليه حالهما.
في نهاية المحاضرة ، ظهرت كلير عند الباب.
كانت كعادتها، تخطف الأنظار بأناقتها المتكلفة.
اقتربت من المقعد رقم (7)، ووضعت يدها على كتف أدريان
وعيناها تتفحصان الضمادة البيضاء المتسخة بآثار الدم.
قالت كلير بدلالٍ يحمل في طياته تهديداً:
«أدريان عزيزي.. الجرح لا يبدو جيداً. يجب أن تهتم بنفسك ، “الإهمال” صفة لا تليق بوريث فانديرميل.. خصوصاً ونحن على أعتاب حفل الخطوبة.»
نظرت كلير إلى تولين ، وتوقعت منها رد فعلٍ غاضب أو نظرة غيرة.
لكن تولين فاجأتها.
وقفت تولين بهدوء ، وجمعت أوراقها بوقار.
وقالت بصوتٍ نقي وواضح:
« ليام ، هل نذهب للمكتبة لمراجعة المراجع ؟»
لم تكن نبرتها حادة ، بل كانت نبرة طالبة طب مهتمة.
وهو ما جعل كلير تشعر بالضآلة رغم فخامة ثيابها.
رحلت تولين مع ليام ، تاركةً خلفها عطر الكرامة الذي لا يُشترى بالمال.
بمجرد أن ابتعدت تولين ، همست كلير :
«أرأيت ؟ إنها لا تهتم بك أصلاً، هي فقط تمارس دور “الحكيمة”. تذكر يا أدريان ، ستكون يدي هي التي تمسك بيدك أمام العالم ، لا تجعل برود هذه الفتاة يغريك بالضعف.»
أغلق أدريان عينيه بقوة ، وشعر بمرارة تفوق الوصف.
كان يرى تولين وهي تبتعد مع ليام ، وشعر بالفزع؛ فقد بدأت “تتعافى” منه حقاً.
بدأت تراه كغريب ، وهذا هو الثمن الذي دفعه ليحميها.
«لقد نجحتُ..»
قال لنفسه بحطام روح.
«لقد جعلتُها تترفع عني. هي الآن آمنة في كبريائها ، وأنا غارق في وحل هذا الابتزاز. سأقبل أن أكون ذلك الغريب الذي تداوين جراحه ببرودكِ.»
أخرج أدريان من جيبه قطعة قماش صغيرة كان قد استعملها لمسح دمه بالأمس.
ونظر إليها بحسرة ، ثم أطبق عليها يده بقوة وكأنه يمسك بآخر خيط يربطه بتولين.
كانت الممرات العالية في الجامعة، بجدرانها الحجرية الباردة وسقوفها المزخرفة.
تعكس صدى الكلمات القاسية التي كانت كلير تلقيها كسهامٍ مسمومة.
وقفت كلير في منتصف الرواق ، ممسكةً بذراع أدريان بإحكام.
وعيناها تلمعان بانتصارٍ خبيث وهي تنظر إلى تولين.
لم تنتظر كلير رداً.
بل استمرت في نبرتها الاستعلائية أمام حشد الطلاب الذين بدأوا يتهامسون في الخلفية:
«انظروا جميعاً.. “تلك العامية” تظن أن الجلوس في قاعاتنا سيجعل دمها أزرق كدمائنا. هل تعتقدين يا تولين أن هذا الزي الفاخر سيخفي حقيقتكِ ؟ مهما حاولتِ ، ستبقين دائماً تلك الفتاة البائسة. أنتِ هنا مجرد “ضيفة ثقيلة” على موائد النبلاء.»
ارتفع همس الطلاب كفحيح الأفاعي خلفها:
« أرأيتِ حذاءها ؟ إنه قديم جداً.»
«كيف تجرؤ على الوقوف هكذا أمام وريث فانديرميل ؟»
كانت كلير تراقب ملامح تولين بتمتع، ثم مالت نحو أدريان وقالت بصوتٍ مسموع:
«أليس كذلك يا أدريان ؟ أخبر هذه الفتاة أن وجودها بجانبك في المختبر ليس سوى عبءٍ تفرضه القوانين ، وأنها بالنسبة لك لا تتعدى كونها “ظلاً” باهتاً لا يستحق حتى الالتفات.»
في تلك اللحظة ، اتجهت أنظار الجميع نحو أدريان.
كان واقفاً كعمود من الرخام الأسود، عيناه مثبتتان على الفراغ خلف كتف تولين.
لم ينطق بحرف ، لم يرمش ، ولم يحاول حتى الدفاع عنها بكلمة واحدة.
كان صمته ثقيلاً ، خانقاً ، وكأنه يوافق بجموده على كل إهانة وجهتها كلير.
شعرت تولين بوخزةٍ في أعماق قلبها، وخزة لم تعرف مثلها من قبل.
كانت دائماً تترفع عن كلام النبلاء، وتعتبر نظراتهم المتعالية مجرد غبار تنفضه عن ثيابها.
لكن اليوم..
أمام صمت أدريان ، شعرت وكأن خنجراً من الجليد انغرس في صدرها.
استدارت تولين ببطء ، دون أن تنطق بكلمة ، ومشيت بخطواتٍ مسرعة.
تهرب من تلك الهمسات التي بدأت تلاحق ظهرها كالرجم.
بمجرد أن ابتعدا عن الحشد ودخلا الرواق المؤدي إلى القاعات الخارجية
نفض أدريان يد كلير عنه بعنفٍ جعلها تترنح وتصطدم بالحائط.
استدار إليها وعيناه تفيضان بجنونٍ مكبوت.
وصوته خرج كفحيحٍ مرعب:
«إياكِ.. إياكِ أن تفعلي ذلك ثانيةً!»
تغيرت ملامح كلير من الغرور إلى الذعر أمام ثورته المفاجئة، لكنها حاولت التماسك وهي تلهث:
«أدريان ! أنت تؤلمني ! ماذا دهاك ؟ لقد كنتُ أضعها في حجمها الحقيقي!»
صرخ أدريان بوجهها ، ويده الجريحة ترتجف بعنف:
«أنتِ لا تملكين حق تقييم أحد ! لقد كنتِ قبيحة.. قبيحة لدرجة مقززة ! رؤيتكِ تنهشين كرامتها وأنا أقف كالأبله صامتاً كانت أقسى لحظة تمر عليّ في حياتي. هل تظنين أنكِ انتصرتِ ؟ لقد جعلتِني أحتقر نفسي وأحتقركِ أكثر من أي وقتٍ مضى!»
انفجرت كلير بالبكاء من هول قسوته ، لكن سرعان ما تحول بكاؤها إلى حقد.
وقالت بصوتٍ مرتعش بالتهديد:
«إذن هذا هو السبب ؟ لا تزال تهتم بها ! تذكر يا أدريان.. تلك الورقة في يدي. كلمة واحدة مني ستكون في ورطة مع والدك. اذهب خلفها إن شئت، لكنك ستكون السبب في ضياع عائلتك تماماً. هل هذا ما تريده؟»
توقف أدريان ، وشعر وكأن قلبه يتمزق بين أضلعه.
صورة تولين وهي تحبس دموعها بقوة جعلت مقلتيها تلمعان كزجاج مكسور كانت تنهش روحه.
لقد أراد أن يصرخ بالعالم كله أنه يفعل هذا لأجلها.
لكنه كان مقيداً بسلاسل من ذهبٍ ونار.
في الزاوية القصية من حديقة الجامعة ، خلف شجيرات الصفصاف الكثيفة.
كانت تولين تجلس على الأرض، وقد أسندت رأسها إلى جذع شجرة قديمة.
هناك ، في العزلة التي لا يراها فيها أحد ، انهارت الحصون.
انفجرت بالبكاء لأول مرة، بكاءً مريراً مكتوماً.
لم تكن تفهم لماذا يؤلمها كلام كلير الآن ؟
لطالما سمعت الأسوأ ولم تهتم.
لماذا شعرت بأن كرامتها قد سُحقت تحت أقدامهم اليوم ؟
«لماذا؟»
همست لنفسها وهي تمسح دموعها التي لا تتوقف.
«لماذا شعرت بتلك الوخزة ؟ لقد كان صمته.. تلك اللامبالاة في عينيه كانت أقسى من كل ما قالته كلير. لماذا انتظرت منه شيئاً ؟ هو ليس لي.. هو لم يكن لي أبداً.»
كانت تشعر بتخبطٍ في مشاعرها ؛ كبرياؤها يرفض هذا الضعف
وقلبها يتمزق لأن الشخص الذي ظنت أنه “مختلف” أثبت أنه “منهم” تماماً.
«ليام.. ارجوك ، اذهب. أريد أن أبقى وحدي.. عد إلى القاعة.»
لم يتحرك ليام ، بل اقترب وجلس على العشب بجانبها.
تاركاً مسافة تحترم حزنها.
قال بصوتٍ دافئ وهادئ:
«لن أترككِ هكذا يا تولين. يمكنكِ أن تطلبي مني الذهاب ألف مرة ، لكنني لن أفعل. الصديق لا يترك صديقه حين تمطر السماء فوق رأسه وحده.»
نظرت إليه تولين بعينين محمرتين:
«لقد رأيتَ ما حدث.. لقد كنتُ أضحوكة الجميع.»
هز ليام رأسه ببطء:
«بل رأيتُ فتاةً أثبتت أنها أرقى منهم بصمتها. أنتِ أقوى من هذا يا تولين.. أنتِ “تولين آيلان”، التي لا يحتاج جمالها لذهبهم ليلمع.»
شعرت تولين بغصةٍ في حلقها ، لكن مواساة ليام الصادقة كانت كبلسمٍ بارد على حرقٍ مشتعل.
بقيت صامتة ، تنظر إلى الأفق ، بينما ظل ليام بجوارها.
يحرس حزنها بهدوء..
غير عالمة أن هناك عيناً تراقب هذا المشهد من بعيد ، خلف نافذة القاعة في الطابق العلوي.
وهي تحترق بصمتٍ أشد قسوة.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 18"