حتى إستقبلته حديقة الكلية، في غمرة الضحى بوجهٍ أخر.
كانت الحديقة تعجّ بالحياة، و ازدانت بضحكات الطلاب و همساتهم الممزوجة بعبق القهوة.
فيما إنعكست أشعة الشمس الذهبية على وجه أدريان و هو جالس على العشب الأخضر.
اقتربت كلير منه ، ووضعت يدها على كتفه بملكية مستفزة.
وقالت بهمس مسموع:
«انظر إليهما.. يبدوان متناغمين، أليس كذلك ؟ لولا “تضحيتك” العظيمة يا أدريان ، لكانت الآن تبكي على أطلال منزلها بدلاً من الضحك مع هذا الصعلوك. عليك أن تشكرني، فقد منحتها حياة جديدة.. وإن كانت مع غيرك.»
أطبق أدريان أصابعه على حافة الكتاب حتى تمزقت إحدى صفحاته.
لم ينظر إليها ، بل قال بصوتٍ ميت:
«لقد نفذتُ ما أردتِ، وسرتُ خلفكِ كالمساق إلى حتفه. ألا يكفيكِ هذا؟»
ضحكت كلير بنعومة مخيفة:
«لا يكفيني أن تبتعد بجسدك، أريد لعينيك أن تتوقفا عن ملاحقتها. تذكر.. والدي سيجتمع بوالدك الليلة لتحديد موعد إعلان الخطوبة الرسمي. أي زلة منك، أي نظرة حنين، وستجد وثيقة الأرشيف في صفحات الجرائد الصباحية. وحينها.. يخسر والدك سمعته بين النبلاء ، هل تريد أن ينتهي به الأمر هكذا ؟»
ابتلع أدريان غصته، وشعر بمرارة علقمية في حلقه.
كان محاصراً من كل الجهات ؛ إذا اقترب منها دمر عائلتها، وإذا ابتعد تركت قلبه للغرباء.
في المساء ، وبينما كان يهم بمغادرة الجامعة، رأى تولين تقف وحدها عند البوابة.
تنتظر ليام الذي ذهب لإحضار مظلة بسبب المطر المفاجئ.
كانت الفرصة سانحة.
الشارع شبه خالٍ ، والظلام بدأ يسدل ستائره.
مشى أدريان نحوها بخطوات غير متزنة.
كان قلبه يصرخ به أن يركض إليها، يمسك كتفيها ويخبرها بكل شيء:
‘ أنا أفعل هذا لأجلكِ! أنا لم أتغير!.’
توقف على بُعد خطوات منها.
شعرت تولين بوجوده ، التفتت ببطء ، ونظرت إليه بعينين خاويتين من العتاب، مليئتين فقط بـ “العدم”.
قالت تولين بهدوء قاتل:
«هل ضللتَ طريقك إلى سيارتك الفاخرة يا سيد أدريان ؟ أم أنك جئت لتتأكد أننا لا زلنا نتنفس في حيك الفاخر؟»
فتح أدريان فمه ليقول شيئاً ، أي شيء ، لكنه تذكر الوثيقة في يد كلير.
رأى الخوف على مستقبلها ومستقبل والدها يرتسم أمام عينيه كحبل مشنقة.
تراجع خطوة للخلف ، واستبدل نظرة الحب بقناع من السخرية الباردة
وقال بصوتٍ مرتجف حاول إخفاءه:
«كنتُ أريد فقط أن أحذركِ.. المطر قد يفسد ثيابكِ ، وصديقكِ “ليام” يبدو بطيئاً جداً في حمايتكِ من تقلبات الجو.. تماماً كما هو بطيء في فهم أنكِ مجرد تسلية عابرة لأبناء الطبقة الراقية حين يشعرون بالملل.»
اتسعت عينا تولين بصدمة ، ثم ارتسمت عليها ملامح الاحتقار.
رفعت يدها وكأنها تريد صفعه ، لكنها أنزلتها ببطء وقالت:
«أنت لست بشراً.. أنت مجرد وحش،. اذهب ، اذهب إلى عالمك القبيح.. واتركنا بسلام.»
في تلك اللحظة وصل ليام بالمظلة ، ووضعها فوق رأس تولين بحنان ، ونظر إلى أدريان بتحدٍّ.
رحل أدريان ، سار تحت المطر المنهمر دون مظلة.
تاركاً جسده يبتلّ ببرودة الماء التي لم تكن بشيء أمام برودة الروح التي سكنته.
كانت دموعه تختلط بقطرات المطر لكي لا يراها أحد.
همس لنفسه وهو يبتعد:
«اكرهيني.. هذا هو الثمن الوحيد الذي يمكنني دفعه لتبقي آمنة. من أجلكِ فقط.. سأقبل أن أكون الوحش في حياتكِ.»
في اليوم التالي..
في قاعة المطالعة الكبرى ، لم تكن الأجواء كالعادة.
كانت الصحف اليومية الملقاة على الطاولات الخشبية الطويلة.
تحمل خبراً واحداً بالخط العريض في صفحة المجتمع:
“إعلان الارتباط بين ورثة أكبر العائلات البارزة في البلاد”.
كانت تولين جالسة في ركن بعيد ، تحاول التركيز في كتاب التاريخ.
لكن الكلمات كانت تتراقص أمام عينيها.
سمعت همسات الطالبات في الطاولة المجاورة:
«أرأيتِ صورة كلير ؟ تبدو كالملكة. وأدريان كذلك.. يا له من حظ، سيصبح أقوى رجل في العاصمة بعد هذا التحالف.»
أغلقت تولين الكتاب بقوة أحدثت صوتاً لفت الأنظار.
لم تكن تشعر بالغيرة كحبيبة منكسرة أمام الناس.
بل كانت تشعر بالمهانة كإنسانة وثقت يوماً بصدق عينيه.
بالنسبة للجميع ، هي لا علاقة لها بأدريان.
لذا كان عليها أن تبتلع غصتها وتتصرف وكأن الخبر لا يعنيها.
بينما كانت تهم بالخروج من القاعة ، وجدت أدريان واقفاً عند الباب.
يتبادل حديثاً رسمياً وجافاً مع أحد الأساتذة.
بمجرد أن رآها ، اعتذر من الأستاذ وتحرك ليخرج في نفس اللحظة.
توقفا وجهاً لوجه لثانية واحدة.
لم يقل أحد منهما “مرحباً”، فالعلاقة بينهما رسمياً هي “لا شيء”.
لكن تولين ، وبدافع من ألمها المكتوم ، توقفت.
وقالت بنبرة هادئة وباردة ، وكأنها تتحدث عن حالة طبية:
«سمعتُ أخباراً عن “تحالفكم” الجديد في الصحف اليوم.. تهانينا يا سيد فانديرميل. يبدو أنك وجدت أخيراً القطعة المفقودة في إمبراطوريتك.»
نظر إليها أدريان.
كانت عيناه غائرتين ، تملؤهما سحابة من التعب لم يلحظها أحد غيرها.
كان يود أن يصرخ:
‘ إنها ليست قطعة مفقودة، بل قيد يلتف حول عنقي! ‘
لكنه بدلاً من ذلك ، أزاح نظره عنها ببرود شديد.
وقال بصوتٍ رخيم خافض:
«الحياة قرارات يا آنسة آيلان.. والبعض منا يولد ليقرر ، والبعض الآخر يولد ليتقبل النتائج. أتمنى أن تكوني قد تعلمتِ هذا الدرس جيداً.»
مرّ من جانبها دون أن ينتظر ردها.
في تلك اللحظة ، شعرت تولين بأن الشخص الذي كان يدافع عن منزلها في الأرشيف قد مات.
وحل محله هذا الغريب المتغطرس.
اتجه أدريان إلى الممر المؤدي للمختبرات القديمة حيث لا يوجد أحد.
أسند جبينه إلى الحائط البارد وأغمض عينيه بقوة.
«أحسنت..»
همس لنفسه بسخرية لاذعة.
«لقد جعلتَها تكرهك تماماً. هذا ما تريده ، أليس كذلك؟»
أخرج من جيبه الرسالة التي وصلته من كلير صباحاً، والتي كانت مخبأة داخل باقة زهور رسمية:
«والدك أعدّ كل شيء. في حفل السبت ، تذكر، أي نظرة شفقة لهذه الفتاة في الجامعة ، ستجعلني أرسل “الأدلة” لوالدك.. والدها لا يستحق أن يدفع ثمن طيشك و لا هي ، أليس كذلك؟»
مزق أدريان الرسالة إلى قطع صغيرة ونثرها في سلة المهملات.
كان يشعر أنه يغرق في رمال متحركة.
كلما حاول فعل شيء “من أجلها”، زاد كرهها له ، وزاد الضغط عليه.
في الجهة الأخرى من الممر ، كان ليام يراقب تولين وهي تخرج من القاعة بوجه شاحب.
اقترب منها ببطء وقال:
«تولين.. تبدين متعبة. هل تودين المشي قليلاً في الحديقة الخلفية ؟ الهواء قد يساعدكِ.»
نظرت إليه تولين ، ورأت في عينيه البساطة والصدق الذي يفتقده عالم أدريان المعقد.
أومأت برأسها وقالت:
«نعم يا ليام.. أحتاج إلى بعض هواء النقي .»
من نافذة الممر العالية ، كان أدريان يراقبهما وهما يبتعدان.
رأى ليام وهو يبتسم لها ، ورأى تولين وهي تنظر إليه كأنها لا ترى في هذا المكان غيره .
شعر أدريان بطعنة في صدره ، لكنه لم يتحرك.
تذكر كلمات والده:
«ستكون الضحية دائماً، هي التي تضمن بقاء الجميع أحياء».
لقد كان هو الضحية الحقيقية ، والأسوأ من ذلك.
أنه ضحية لا تملك حق الصراخ أو طلب التعاطف.
دقت أجراس المحاضرة ، ودخلت تولين القاعة الكبرى وهي تشعر بثقل في كل خطوة.
لم يكن هناك مفر ؛ فالمقعد رقم (7) في صف الكيمياء الحيوية هو قدرها اليومي.
وبجانبها يجلس الشاب الذي أصبح حديث الصحف والمدنية بأكملها.
كان أدريان قد وصل قبلها.
كان يجلس بظهره المفرود المعتاد
يرتدي سترة الجامعة الكحلية التي بدت اليوم وكأنها درعٌ حديدي يغلقه عن العالم.
لم يرفع عينه عن كتابه حين جلست، بل اكتفى بإزاحة محبرته بضع سنتيمترات جهته.
وكأنه يرسم حدوداً جغرافية لا يجوز لها اختراقها.
ساد صمتٌ خانق.
كانت رائحة الورق القديم وعطره البارد الذي يختلط برائحة المطر العالق بمعطفها تخلق توتراً لا يُطاق.
بدأ الأستاذ بالشرح ، وكان عليهما تدوين الملاحظات من مرجع واحد وُضع بينهما.
حاولت تولين أن تمد يدها لتقلب الصفحة ، فلامست أصابعها طرف يده بالخطأ.
شعرت بلسعة كهربائية سرت في جسدها ، لكنها سحبت يدها بسرعة وكأنها لمست جمراً.
أدريان لم يتحرك ، لكن فكه انقبض بقوة حتى ظهرت عروق رقبته.
قال بصوتٍ خفيض ، جاف ، وخالٍ من أي عاطفة:
«اقلبي الصفحة إذا انتهيتِ.. لا داعي للتردد.»
نظرت إليه تولين بطرف عينها ، رأت شحوبه وقسوته المصطنعة.
وقالت بنبرة هامسة مليئة بالسم:
«ظننتُ أنك مشغولٌ بترتيب “مستقبلك” الذهبي لدرجة أنك لن تلاحظ وجودي بجانبك.»
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 15"