لم يكن قبول تولين في كلية مجرد نجاح أكاديمي ، بل كان بمثابة “راية نصر” تُرفع في قلب حي الأسياد.
جلس الدكتور بلير على مائدة الإفطار، وأمامه طردٌ مغلف بعناية يحمل شعار الجامعة.
قال وعيناه تلمعان بالفخر:
«تولين، لقد وصل زيكِ الموحد. اليوم تبدأ الحكاية التي انتظرناها طويلًا.»
فتحت تولين الطرد بيدين ترتجفان.
كان الزي عبارة عن سترة كحلية داكنة محلاة بخيوط فضية عند الأكمام ، وقميص أبيض بياقة رسمية ، وتنورة مستقيمة بنفس لون السترة.
قامت هيلين بكيّ الزي بعناية فائقة قالت وهي تمرر يدها على القماش:
«هذا الزي يا ابنتي يجعل الجميع متساوين في المظهر.»
في الليلة التي سبقت اليوم الأول ، كانت تولين تجهز أغراضها.
وبينما كانت فتيات القصور المجاورة يجهزن حقائب وساعات “فاخرة” لتكملة الزي الموحد.
كانت تولين تلمع حذاءها الجلدي الأسود البسيط.
أخرجت من صندوق صغير “دبوس صدر” نحاسياً قديماً كان لجدها الطبيب ، وضعته على ياقة السترة الكحلية.
كان هذا الدبوس هو “علامتها الفارقة”، القطعة الوحيدة التي لا تملكها أي طالبة أخرى في الجامعة.
من نافذتها، لمحت أدريان في شرفته.
كان يراقب ضوء غرفتها ، وفي يده قلمٌ يحركه بين أصابعه بتفكير عميق.
في صباح اليوم التالي ، خرجت تولين من منزلها بخطى واثقة.
الزي الموحد جعلها تبدو كأنها جزءٌ من نخبة حقيقية ؛ السترة الكحلية حددت قوامها الصغير بهيبة لم تعهدها.
وحقيبة والدتها الجلدية القديمة أضافت لمسة من الوقار التاريخي على مظهرها العصري.
عند بوابة الجامعة ، كان المشهد مهيباً.
مئات الطلاب بالزي الكحلي الموحد ، ما خلق بحراً من اللون الأزرق الداكن.
لكن الفوارق كانت تبرز في السيارات التي تنزلهم ، وفي العطور الفاخرة التي تسبق خطواتهم.
أثناء سيرها في الممر المؤدي للقاعة الكبرى ، تعمدت مجموعة من الطالبات الوقوف في طريقها.
إحداهن ، وتدعى كلير ، نظرت إلى “دبوس الجد” النحاسي على ياقة تولين وقالت بسخرية:
«انظروا.. الزي الموحد لم يمنع البعض من إضافة لمسات “الأنتيكات” الرخيصة. هل هذا الدبوس من مخلفات الحرب يا عزيزتي؟»
ضحكت الفتيات ، لكن تولين لم تطأطئ رأسها. لمست الدبوس برقة وقالت بهدوء:
«هذا الدبوس شهد عمليات جراحية أنقذت أرواحاً، بينما دبابيسكِ الماسية لم تشهد سوى مرايا صالونات التجميل. هناك فرق بين القيمة.. وبين الثمن.»
تركتهن مذهولات ، و غادرت بخطوات هادئة..
في قاعة المحاضرات، كان الأستاذ “فيكتور” يوزع الطلاب على المختبرات لإجراء التجربة الأولى.
«كل طالبين في مقعد واحد ، سيكونان شريكين طوال الفصل الدراسي.»
تجمدت الدماء في عروق تولين حين نطق الأستاذ:
«أدريان فانديرميل.. وتولين آيلان. المقعد رقم 7.»
سارت تولين نحو المقعد ببطء.
كان أدريان جالساً هناك بالفعل.
وقد ارتدى “المعطف المختبري” الأبيض فوق زيه الموحد ، وبدا غارقاً في قراءة البروتوكول العلمي.
لم ينظر إليها ، بل قال وهو يقلب الصفحة:
«تأخرتِ دقيقتين عن بدء التحضير. في الكيمياء، دقيقتان قد تعني انفجار المحلول.»
أجابت تولين وهي ترتدي معطفها الأبيض بسرعة:
«والتسرع في الحكم قد يعني نتائج خاطئة يا سيد أدريان. لنبدأ العمل.»
بدآ العمل بصمت محترف.
كانت يدا تولين تتحركان بخفة ودقة ، بينما كان أدريان يراقبها بذهول مكتوم.
وفجأة ، وعندما كانا ينقلان محلولاً حساساً ، تلامست أصابعهما فوق الأنبوب الزجاجي.
تراجعت تولين كأنها لُسعت ، وفي تلك اللحظة ، رأت بوضوح بقعة الحبر الأزرق المتبقية على طرف سبابته.
سكنت الحركة تماماً…
نظرت تولين إلى الحبر ، ثم إلى عيني أدريان اللتين ارتبكتا لأول مرة.
همست تولين بصوت مخنوق:
«هذا الحبر.. لا يوجد إلا في مكاتب الأرشيف الوطني القديم. ماذا كنت تفعل هناك ؟»
أطبق أدريان يده بسرعة ، وعاد لبروده القاسي:
«كنت أبحث عن تاريخ عائلتي.. لستِ الوحيدة التي تهتم بالماضي. ركزي في التجربة ، المحلول بدأ يتغير لونه.»
لكن تولين لم تعد ترى المحلول…..
رأت فقط ذلك الشاب الذي يرتدي زي “الأسياد”، ويخفي في أصابعه أسرار “الغرباء”.
استمر التوتر سيد الموقف في المختبر رقم (7).
كان الهواء مشبعاً برائحة الكيماويات والشكوك.
حاولت تولين أن تستعيد توازنها ، لكن صورة الحبر على أصابع أدريان كانت تطارد مخيلتها.
انحنت تولين على المجهر، متظاهرة بفحص العينة، لكن عينيها كانت تراقب تحركات أدريان من طرف خفي.
كان يعمل بهدوء مريب ، يسكب المحاليل بدقة متناهية.
وكأن أصابعه لم تكن يوماً ملوثة بغبار الأوراق القديمة.
قالت تولين بصوتٍ خفيض ، وهي تحاول أن تبدو غير مبالية:
«الحبر الأزرق من نوع “إنديجو 1920” نادر جداً هذه الأيام. والدي يقول إنه لا يوجد إلا في السجلات التي لم تتم رقمنتها بعد.. السجلات التي تُحفظ في الأقبية.»
توقفت يد أدريان للحظة عن تحريك المخبار، لكنه لم ينظر إليها.
أجاب بنبرة رخيمة:
«والدكِ طبيب بارع إذن ، حتى في معرفة أنواع الحبر. ربما يجدر بكِ التركيز على “التفاعل” الذي أمامنا ، بدلاً من تحليل كيمياء أصابعي.»
في تلك اللحظة ، تعمدت كلير التي كانت تعمل في المقعد المجاور.
المرور بسرعة فائقة بجانب طاولة تولين ، مصطدمةً بها “عن طريق الخطأ”.
«أوه ! اعتذاري لم أركِ من خلف كل هذا الزجاج.»
تأرجح حامل الأنابيب ، وكاد محلول حمضي حارق أن ينسكب على يد تولين العارية.
لكن ، قبل أن يصل السائل للجلد ، امتدت يد أدريان بسرعة البرق.
لم يدفع المحلول بعيداً فحسب ، بل جذب يد تولين نحوه بقوة ، ليصطدم جسدها بصدره للحظة خاطفة.
ساد الصمت في المختبر.
نظر الجميع نحو المقعد رقم (7).
أدريان ، وهو لا يزال يمسك بمعصم تولين ، التفت نحو كلير بعينين تشتعلان غضباً صامتاً:
«كلير.. ما هذا التصرف الوقح ؟»
انسحبت كلير وهي ترتجف من نبرته ، بينما ظلت تولين متجمدة.
كانت تشعر بحرارة يده على معصمها ، وفي تلك المسافة القريبة جداً ، رأت شيئاً آخر..
رأت تعباً حقيقياً في عينيه ، سواداً تحت جفنيه يحكي قصة ليالٍ طويلة من السهر.
ليس خلف الكتب ، بل خلف “شيءٍ ما” آخر.
أفلت أدريان يدها ببطء ، وعاد لترتيب الأدوات وكأن شيئاً لم يكن.
همست تولين وهي تحاول التقاط أنفاسها:
«لماذا فعلت ذلك ؟ ولماذا دافعت عني أمامها ؟ أنت فانديرميل.. من المفترض أن تكون في صفهم.»
توقف أدريان ، ونظر إليها مباشرة هذه المرة.
كانت نظرةً مجردة من كل الأقنعة ، نظرةً جعلت قلب تولين يخفق بطريقة لم تعهدها من قبل.
قال بصوتٍ كأنه قادم من أعماق بئر سحيق:
«أحياناً ، نرتدي الملابس التي تُفرض علينا ، ونسكن القصور التي وُرثت لنا.. لكننا لا نختار القلوب التي تسكن صدورنا يا تولين. كفي عن البحث عن الأجوبة في أصابعي ، وابحثي عنها في أفعالي.. إذا كنتِ تملكين الشجاعة لتصديق ما ترينه ، لا ما تسمعينه.»
عندما انتهت المحاضرة ، غادر أدريان القاعة بسرعة ، تاركاً خلفه رائحة عطر الغموض وسؤالاً ينهش عقل تولين.
بينما كانت تولين تلملم أغراضها ، وجدت ورقة صغيرة مطوية سقطت من كتاب أدريان “عن قصد أو دون قصد”.
فتحتها بفضول ، لتجد فيها عنواناً مكتوباً بخط يده الأنيق:
“المكتبة المركزية – الجناح الشرقي – الساعة الرابعة مساءً. إذا كنتِ تريدين معرفة سر الحبر.”
نظرت تولين إلى الساعة..
كانت الثالثة والنصف.!
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 10"