لقد كانت أواخر شهر كانون الاول، انتقلت ملينور من باريس طوال الطريق قاطعتا للبحر لتصل اليه فقط ليحتفلا بحلول رأس السنة.
كانت العربة الملكية بانتظارها عند الميناء. نزلت بهدوء، وتبعتها مجموعة من الخادمات المرافقات من موطنها بينما تولى حراسها مهمة حمل الحقائب والأمتعة التي جلبتها معها.
انحنى فيكتور باحترام فور رؤيته لها مؤديا تحية رسمية.
«اتمنى الا تكون فترة الطريق اتعبت عليك ياسمو الأميرة».
«على العكس كانت الرحلة مريحة يسعدني وجودي هنا».
فتح فكتور باب العربة فدخلت ملينور وتبعتها خادمتها. وبعد لحظات شرعت العربة في التحرك متجهة نحو القصر.
قالت ملينور وهي تراقب المشهد من النافذة.
«يا له من منظر جميل… إنه مختلف تماما عن شوارعنا، أليس كذلك؟».
قاطع كلامها سعال حاد باغتها فجأة.
«كح… كح… كح…».
قالت خادمتها بقلق. «آنستي، هل أنت بخير؟».
مدت لها منديلا، فتناولته بصعوبة وهي لا تزال تسعل بقوة.
«سأطلب إيقاف العربة…».
أمسكت بها من ذراعها لتستوقفها بينما هزت برأسها طالبا عدم القيام بذلك.
«هل أنت بخير الأن؟».
أكملت بعدما لم تتلقى إيجابة. «أنستي انا قلقة عليكي لا أحد يعلم بأمر سفرك الجميع يعتقد أنكي بقصر الأم».
« أعلم سأتحمل عواقب ذلك لذا لا تقلقي،
لو أنني طلبت الإذن من والدي لم يكن ليوافق».
«لكن انستي هذا هو الأصح صحتك ليست بخير والطبيب طلب منك الاستراحة!».
«لاداعي للقلق نحن هنا وانظري انا بخير».
اقتنعت خادمتها، رغم القلق الذي لم يفارقها على سيدتها. فقد خرجت ملينور من قصرها دون علم أحد، ولا بد أن الجميع قد علم الآن باختفائها وربما وجدوا الرسالة التي أخبرتهم فيها بأمر سفرها.
ظلت ملينور ساكنة وهي تضغط بقوة على المنديل بين أصابعها. نظرت إليه ثم فتحت كف يدها بتردد وكما توقعت… كان ملطخا بالدم تماما.
أعادت قبضتها عليه بإحكام متزامنا ذلك مع وصولهم إلى وجهتهم. فتحت بوابة القصر الخارجية على يد الحراس، وتقدمت العربة إلى الداخل.
«لا يوجد أحد لاستقبالك!». تفوهت الخادمة بدهشة بعدما لاحظت الساحة الخالية التي لم تضم سوى الحراس.
استدارت ملينور نحوها قائلة بهدوء.
«لا بد أن جلالته مشغول لقد تولى منصبه منذ مدة قصيرة».
كان توليه العرش قد تم قبل أشهر قليلة، مباشرة بعد وفاة والده، وهو ما أشعل سخط الملكة فانيسا. فابنها فيليب كان أكبر الأمراء ومع ذلك وعلى عكس المتوقع توج الأمير الأصغر سنا ملكا بدلا منه.
كبحت فانيسا غصتها وهي تستمع إلى تلاوة وصية الملك الراحل وسط صدمة الجميع غير أن صدمتها كانت الأشد.
لكن وكما هو معروف كانت والدة ويليام هي الملكة المفضلة. ورغم أن زواجه منها كان بدافع المصالح السياسية للمملكة، إلا أنها استطاعت بطريقة أو بأخرى أن تحصد لنفسها مكانة راسخة، وقد نجحت في ذلك.
فتح فيكتور باب العربة لتنزل ملينور بمساعدته وقدحمل الخدم حقائبها متجهين نحو المدخل.
كلما كانت تخطو قد كانت قدماها تغوصان في الثلوج الكثيفة أمام الممر الخارجي لكن ذلك الشعور قد استهوته فقد كانت تبتسم بينما تراقب خطواتها.
مع دخولها إستقبلتها مجموعة من الخادمات ليقدنها نحو غرفتها التي تم تجهيزها سابقا.
فتحت الخادمة الخاصة بها الباب لتدخل وهي متأثرة لجمال الغرفة وشساعتها وكل الأثاث الذي بها رغم أنه لم يكن فاخر بشكل مبالغ فقد كان في الحسبان أن الأميرة ملينور كانت ذا ذوق خاص يغلب عليه الطابع البسيط.
فور دخولها لغرفتها تقدمت من الشرفة فتحت الباب لتتطاير خصلات شعرها العسلي بفعل الرياح الباردة المنعشة.
«إن المنظر جميل جدا من هنا».
«اوافقك الأمر آنستي». ردت عليها خادمتها وهي ترتب أغراض الحقيبة في الخزانة.
لكن ملينور لم تكن منتبهة لحديث خادمتها فقد شد انتباهها شيء آخر.
كان ويليام يقف في الباحة التي تطل عليها شرفتها برفقة فرقة من الجنود، تلاقت أعينهما فتسللت حمرة خفيفة إلى وجنتيها ورفعت يدها ملوحة له بتردد.
لم يبادلها التحية واكتفى بابتسامة طفيفة ارتسمت على محياه.
لم تحتمل ذلك، فهذه أول مرة تراه بعد فراق دام سنتين. رغم تواصلهما ولقاءاتهما القليلة في بلاط اجتماعات العائلتين إلا أن أيا منها لم يكن لقاء حقيقيا يعترف به.
تراجعت خطوة إلى الخلف وأغلقت الباب ثم أسدلت الستائر قائلة.
«سآخذ قسطا من الراحة فقد أرهقتني الرحلة الطويلة».
«حسنا…».
خرجت الخادمة وأغلقت الباب خلفها تاركة ملينور وحدها في الغرفة.
تأملت غرفتها بنظرة شاردة ثم جلست على ذلك السرير الشاسع، تحدق في الفراغ قبل أن تغمض عينيها ببطء.
أخيرا استسلمت لنوم الذي طغى عليها لتغوص في بحر من الأحلام التي لن تتذكرها كالعادة فور استيقاظها.
كان قد حل المساء دخلت خادمتها لتتفقد حالها وإن كانت قد إنتهت من تجهيز نفسها فقد طلبتها الملكة إليزابيث لمأدبة عشاء.
لقد انتهت بالفعل وهاهي الأن تسدل شعرها الطويل الذي يغطي كامل ظهرها وصولا لخصرها، مموج ذا لون عسلي. وضعت أخر زينة بشعرها لتخرج من غرفتها.
إصطحبتها رئيسة الخدم نحو القاعة. دخلت بعد ان فتح لها الحراسان الباب، لتنحني بينما ردت الأخرى عليها بالوقوف.
«تفضلي بالدخول».
«شكرا جلالتك».
جلست الملكة إليزابيث لتجلس بعدها الأميرة ملينور كانتا متقابلتان على السفرة رغم بعدهما بقليل لكبر تلك الطاولة.
«لقد غاب عني أن أستقبلكي اليوم فقد كنت مشغولة بالعديد من الاشغال…».
«كلا لا عليك لقد تم إستقبالي وهذا كافي».
ردت عليها الملكة بابتسامة لتشير للأكل. «لتتناول رجاءا لقد خصصنا أكلا فرنسيا بهذه المناسبة».
لم يكن لملينور محادثة طويلة مع الملكة على وجه الخصوص، اقتصر الأمر على التحيات المتبادلة وبعض الخطابات الرسمية، ويبدو أنها كانت المرة الأولى التي يجتمعان فيها على مائدة عشاء واحدة.
شرعتا في الأكل لتتوقف بعد لحظة الملكة إليزابيث.
«هل حالتكي الصحية جيدة؟».
قالت بينما لاتزال مشغولة بالنظر لصحنها وهي تقطع شريحة اللحم بهدوء.
رفعت ملينور نظرها سريعل لتعيده لصحنها بينما توقفت للحظة عن التقطيع بسكينها للخظة.
«أجل …».
قاطعتها الملكة اليزابيث. «لقد سمعت انك كنت طريحة الفراش الشهر الفائت».
ترددت باللإجابة بينما غصة علقت بحلقها لكنها اجابت. «… أجل لقد كنت مريضة منذ فترة».
حل الصمت لوهلة بينما صوت الشوكة والصحن هو الوحيد قبل ان تقطعه الملكة اليزابيث مجددا بإمساكها ليدها فجأة لتنظر لها ملينور باندهاش لتكمل.
«أعلم أن ابني قد وقع لكي منذ أن إلتقيتما …».
كانت كلمتها كالسكين التي تنغرز بروحها لملينور فقد فهمت تقريبا إلى ما ترتمي إليه الملكة.
«أنا اريد منك أن تبتعدي عنه، أنا أعلم أن هذا صعب عليك لكن إن كنت تحبينه فسوف تفهمين ما أقوله لابد أنك تعين مرضك لذا ستسببيز له فقط ألام …».
«أنا والدته لذا تفهمي شعوري حتى قبل أن يكون إبني هو ملك لهذه الدولة لذا فكري بالمصلحة العامة».
سحبت ملينور يدها وواقفت. «اعتذر لكن يجب علي الذهاب، أستأذنك…».
أبعدت كرسيها للخلف لتخرج بخطوات مسرعة كأنها تريد الوصول لغرفتها بسرعة لكن أوقفها إرتطامها بأحدهم تحاشت النظر لمن إصطدمت به لتمر لكنه أوقفها بامساكه لرسغها ليعيدها للخلف.
«ملينور هل انت بخير؟».
رفعت نظرها نحوه وأعينها كانت محمرة من الدموع التي خذلتها فور أن رأت وجهه لتنساح على وجهها.
«ماذا حدث؟». سأل مجددا بتوتر.
سحبت يدها من قبضته لتجفف عيناها لتجيب مع ابتسامة. «لا شيء…».
من الجيد انه لا يعلم عن أمر إلتقائي بالملكة.
لم يقتنع بإجابتها فهو يعرف حقا أنه لا يمكن لها أن تبكي دون سبب وجيه إنه يعرفها جيدا.
«تعالي معي».
سحبها من يدها دون أن تعترض ليمشي نحو أحد افضل أماكنه منذ فترة بعد ان جهز كل شيئ بالتفاصيل وقد كان متحمسا لأن يريها ذلك.
فتح له الحارسان الباب ليدخل لتقابله قاعة شاسعة بها العديد من الرفوف والطاولات وكان هناك أرائك حمراء ومنضدة تتوسطهم أمامها مكتبة عملاقة جدرنها كلها بكتب لحد سقفها المرتفع.
تحت دهشتها وضعت يدها على فمها.
«انها اكبر مكتبة رأيتها!».
دلف لداخل بينما لحقت به ليجلسا على أحد الأرائك لتقابله هي بجلستها، اشار بيده نحو ارجاء المكان.
«لقد جهزتها لك فأنا اعلم حبك الشديد للقرأة».
وقفت غير مصدقة لتجيبه. «حقا ماتقوله!».
نست لوهلة كل ماكان يزعجها لتتجه لما أشار له على انه ركن مميز، تتصفح كتبه بيدها باصبعها السبابة ممرتا نظرها على كل تلك الكتب لتتوقف يدها الانسيابية عند أحد الكتب ذات الغلاف الأحمر اخذته بينما لمعت عيناها لتستدير ناحية ويليام الذي قابلها بابتسامة.
«انه نفس الكتاب الذي اردت قرأته ؟!».
وقف ليتجه نحوها بينما هي إنشغلت بتفقد كتابها لتفتحه وفور قيامها بذلك سقط من بين أوراقه شيئ، تعجبت من ذلك لتنحني وتأخذ ماسقط منه.
«ماهذا؟».
اجابها وكان يعلم بالفعل مايحتويه.
«افتاحيها».
بفضول بدأت بفتح الورقة، وجدت بداخلها قصاصة ورقية لتديرها ولقد كانت صورة لأحد الجبال مصحوبة بتلك الورقة التي كان مكتوبا عليها (مارأيك؟).
«ويليام هل هذه…،هل يعقل انك…».
«أجل لقد أخبرتيني أنكي تودين الذهاب سابقا».
تلاشت إبتسمتها فور تذكرها لما قالته لها الملكة الإليزابيث.
«ألم تعجبك هديتي؟».
نفت سريعا. «كلا انها تعجبني».
«سنذهب غدا». قال وهو يلامس خصلات شعهرها المنسدل.
«غدا؟».
«اجل انه يوم ليس لي به مهام لكن هل لاتودين الذهاب؟».
حركت رأسها تنفي ذلك ليمسك بيدها ليقبلها بكل لطف،لكنها يحبت يدها سريعا وابتعدت عنه.
«يجب عليا الذهاب لنوم بعد هذه المفاجأة».
تقدمت أولا لتخرج بينما هي تعتصر الكتاب الذي تحمله بين يديها.
أعلم بالفعل أنه ليس علي قبول هذه الدعوة لكن رغبتي الأنانية تدفعني للبقاء معه رغم معرفتي جيدا ماهو مصيري … يجب ان أضع حدا لهذا غدا. لا أريد خداعه اكثر يجب أن يعلم بحقيقة مرضي التي أخفيتها عنه منذ أن علمت بها.
دخلت غرفتها لتقابلها خادمتها.
«لقد جهزت الحمام…».
«هل قالت الملكة إليزابيث أي شيئ قد يزعج سمو الأميرة؟».
«لا لقد تناولت العشاء بصجبتها بهدوء».
انسابت داخل مياه الحوض الذي كان ممتلئ بالزهور والعطور والبخور الذي اضاف جو لحمماها لترخي أعصابها وربما تغتسل أفكارها برغوة هذا الصابون.
اخرجت جسدها المنهك لتلفه بمنشفة، تقدمت من المرآة وبيدها ازاحات الضباب لتقابل نفسها التي كانت انعكاسا لصورتها.
لقد كنت مريضة دوما، عائلتي هي الوحيدة التي تعلم بذلك ولكن لابد أن الملكة اليزابيث بحثت حولي بعد أن علمت بأمر علاقتي بإبنها لا ألومها على ذلك … لم أخبر أحدا بعلتي حتى ويليام لقد خشيت أن يبتعد عني …
دخلت الخادمة بسرعة للحمام بعد أن سمعت إرتطاما قويا. «آنستي يدك !».
هلعت بسرعة لتمسك بيد ملينور التي كانت مغطاة بالدماء.
«من حسن الحض لم يكن جرحا عميقا لقد ضمدته لك لذا من الأولى الا تعرضيه لرطوبة». كان صوت طبيبها الذي طالما رافقها أينما ذهبت.
«انا جبانة حقا!».
تعجب الطبيب مما تقوله لتقف خادمتها بسرعة من مجلسها لتطلب منه الخروج وأنها ستهتم بالباقي.
«آنستي هل كل شيئ على مايرام؟، انت على هذه الحال منذ أن عدت من سفرة العشاء هل حدث شيئ ما بالصدفة؟».
«كلا كل شيئ بخير انه مجرد تعب سأخلد لنوم غدا كما تعلمين لدي رحلة». ابتسمت بصدق لتسحب غطاء سريرها.
إنحنت لها خادمتها لتطفئ الإنارة و تخرج من بعدها.
-يتبع-
التعليقات لهذا الفصل " 18"