كما هو حال الكثير من المحاربين ، كان لدى دافني أيضًا طائر مخصّص لحمْل الرّسائل.
كانت قد عثرت على فرخ صغير حديث الولادة في عشّ للغربان فقد أمّه ، فاعتنت به بصدق حتّى كَبِر ، و منحته اسم “سكارليت”.
سكارليت ، الأصغر حجمًا من الغربان الأخرى لكنّ ريشه لامع ، كان سريعًا جدًّا و ذكيًّا و مخلصًا.
كان طائرًا يُنفِّذ مهامه بإتقان شديد.
و كان من السّهل على إفريلين أن تُعلِم سكارليت أنّها لا تزال على قيد الحياة.
فييك— فييك— ، كان صفير شفتيها أعلى نبرةً من صوتها الحقيقي لكنّ الإيقاع المميّز بقي كما هو.
و كما توقّعت ، هبط سكارليت على حافة النّافذة يخفق بجناحيه و هو يحدّق بها بثبات.
“إنّها أنا ، دافني”
و كأنّه فهم الكلام ، فأطلق سكارليت صرخة “كاااخ—” ، و كانت تلك الاستجابة باعثة على السّرور الشّديد.
الآن ، صار سكارليت هو عائلتها الوحيدة.
مدّت إصبعها لتلامس ريش سكارليت بخفّة دون أن تلمسه تمامًا ، ثمّ مزّقت قطعة من الورق و بدأت تكتب رسالة.
كانت تلك رسالة موجّهة إلى جيرارد فالينتين ، نائب قائد “الأفعى السّوداء”.
أولئك التابعون الأعزّاء الّذين ارتبطت بهم لأكثر من عشر سنوات كأنّهم جزء من جسدها نفسه ، كان يؤرقها دائمًا أنّها لم تستطع ترك رسالة وداع لهم.
[إلى نائب القائد و أفراد الأفعى السّوداء.
إن وصلت هذه الرّسالة إلى أيديكم ، فحتْمًا أكون قد عدتُ إلى تُراب الأصل.
لا أنوي تقديم أعذارٍ لكم.
فقط … سيكشف الحقُّ يومًا ما عن وجهه الحقيقيّ بنفسه ،
و لن تحتاجوا إلى رفع سيوفكم من أجله.
أعتزّ بأنّني كنتُ أجنحتكم ، و بأنّكم كنتم جسدي.
و الآن ، ستستطيعون المُضيّ قُدمًا من دوني.
لا تُحدّدوا السّيوف ، ولا تُحرقوا أنفسكم بالغضب.
كلوا … و اضحكوا … و عيشوا حياتكم.]
بعد أن أصبحت دافني أغراف متّهمة بالخيانة ، لا شكّ أنّ “الأفعى السّوداء” تمّ تفكيكها ، و أنّ أفرادها تفرّقوا.
لم تكن تحتاج إلى انتقام لهم. فقط أن يعيشوا حياتهم.
و لأنّ هذا يكفي لتوصيل مقصدها ، ربطت إفريلين الرّسالة في قدم سكارليت و أرسلته.
و بعد أيّام ، حين عاد سكارليت ، فتحت الرّسالة المعلّقة بساقه فظهر خَطّ جيرارد فالينتين النّظيف المرتّب.
[أرغب في لقاء من نقل إليّ وصيّة القائدة]
كانت الكتابة ملخّصة بعجلة ، لكنّ الورقة كانت مطويّة بعناية كما لو أنّ صاحبها كبَتَ مشاعره ليطويها معها.
ابتسمت إفريلين بسخرية خفيفة ثمّ مزّقت الرّسالة.
هنا ينتهي أثر دافني أغراف ، ولا نية لها في التحدّث مع تابع سابق.
الانتقام شأنها وحدها. و لن تجرّهم إلى الوحل.
“سكارليت ، تعال كلّ يوم و خذ النّفايات”
ربّتت بخفّة على رأس سكارليت الصّغير و ابتسمت ابتسامة باهتة.
من الآن فصاعدًا ، سيتولّى سكارليت التخلّص من بقايا الطّعام المسموم.
و بديهيٌّ أنّه ، خلافًا لطائر سيدريك الأحمق ، لن يأكلها ، بل سيُخفيها داخل بطانة القماش ثمّ يدفنها في مكان بعيد لا يُكشف.
و بما أنّ هناك جنودًا يراقبونها ، استحالة أن تمتنع تمامًا عن تناول الطّعام المسموم ، لكنّه لا ينتظر عادةً حتّى تنهي دافني وجبتها.
“كاااخ-“
و مع ردّ سكارليت الذكي ، ازدادت ابتسامتها عمقًا.
‘مجرّد تقليل كمّيّة السّم المُتناوَلة كان كافيًا لإبطاء انهيار الجسد.’
**
في شرفةٍ مطلّة في أحد حانات المنطقة النّشطة ، كان ثلاثة رجال يتناقلون قراءة رسالة القائدة دافني.
الشّاب ذو الصّديري الجلديّ البني كان يُدعى جيرارد فالينتين ، و كان يومًا نائب قائد “الأفعى السّوداء” و الآن جنديًا على وشك إنهاء خدمته. أمّا الاثنان الآخران فكانا يخدمان في كتيبة الحراسة الغربيّة للعاصمة.
“إنّه بالفعل خَطّ القائدة”
مدّ يده يلمس الكتابة.
إنّها تحمل تلك الحيويّة و القوّة الّتي تميّزها دائمًا.
“اللعنة …”
الرّجل الآخر ضرب الطّاولة بقبضته بخفّة ، و عيناه تتلألآن بالغضب العميق ، و يده المرتجفة تقول ما لا يقوله لسانه.
“تقول مصادر من القصر الإمبراطوري إنّ جثمان القائدة حُرِق قبل أسبوع”
عضّوا أسنانهم بعنف على كلام جيرارد.
“هذا مستحيل … القائدة خائنة؟”
حين أُخذت ، كانوا لا يزالون يأملون أن تتبيّن براءتها و تُفرَج.
فهي أكثر من قدّم ولاءً للإمبراطوريّة ، و أكثر من ضحّى.
لكن ما عاد إليهم لم يكن إلّا خبر موتها و وصيّتها. بلا أيّ معنى.
“سمعتُ إشاعة خطيرة”
“إشاعة؟”
خفض جيرارد صوته.
فبيتُه ، عائلة “ويلز” ، من أكبر التّجّار و يتداولون أخبار العاصمة و الإمبراطوريّة.
“يُقال إنّهم يجمعون مجرمين محكومين بأحكام مؤبّدة أو أكثر … ليقيموا صيدًا بشريًّا للتّسلية. الإمبراطور ، و بعض كبار النّبلاء … سرًا”
على كلام نائب القائد ، لم يستطع الرّجلان كبح غضبهما.
“هل هذا شيء يفعله إنسان؟”
“حقًّا … حتى لو كانوا مجرمين ، فذلك مخالف للقانون. لو كان صحيحًا ، ستحدث فوضى عظيمة”
تعدّ الكنيسة حياة الإنسان مقدّسة.
و حتى تنفيذ الإعدام يخضع لإجراءات إنسانيّة. صيد بشري؟ مستحيل.
“لو أنّ القائدة كانت ضحيّة لذلك … فلن أبقى ساكنًا”
“اهدأ أوّلًا ، أنا أيضًا أتحقّق من التّفاصيل. لكن ما يهمّنا هو …”
كان في الرّسالة الّتي أعادها جيرارد وصيّة تشبه دافني تمامًا: ألا يعلّقوا حياتهم على الانتقام ، بل يعيشوا.
“… معرفة الحقيقة … و محاسبة من اقترفها”
أفراد “الأفعى السّوداء” ليسوا من النّوع الّذي يلتزم بالأوامر.
ولا جيرارد نفسه كان يختلف كثيرًا.
“سنُكمِل التّحقيق مع آخر من التقاها ، الكونت أغراف”
“حسنًا. أمّا أنا فسأبحث عمّن أوصل الرّسالة. لم يصل ردّ ، لكن يبدو أنّه روّض سكارليت ، فلا بدّ أن له صلة بالقائد”
و تبادلوا النّظر بعيون حازمة ، ثمّ وقفوا.
لكن لمّا همّوا بالدّوران ، استوقفهم منظر رجلٍ دخل الحانة.
“… إنّه …”
كان ذا شعر أسود ، و خطّ فكّ حادّ ، و أنف مرتفع ، و عينين زرقاوين نافذتين لدرجة بثّ الاختناق.
تزيّن بزّته السّوداء العديد من الأوسمة ، و على خصره مسدّس ذو سبطانة راقية يكشف ثلثها تقريبًا.
طوله يتجاوز ستّ أقدام بسهولة ، و عرض كتفيه يجعله يبدو كفارس مدرّع.
و الّذين يتبعونه كانوا من أصحاب أكبر خمس شركات في العاصمة.
“إدوين كرويل بلايز ، دوق الشّمال”
لأنّه في ساحة الحرب دائمًا يرتدي خوذة ، لم يتعرّف إليه سوا جيرارد بفضل يقظته.
و حين شعر الرجل بنظراتهم ، طرفوا بأعينهم و انحنوا قليلًا احترامًا ، فلا داعي لجلب الانتباه.
ثمّ دخل هو و التجّار إلى غرفة في الدّاخل ، و غادر الثلاثة الحانة.
و في طقسٍ جميل لدرجة السّخط ، رفعوا رؤوسهم نحو سرب طيور مهاجرة.
يتذكّرون القائدة الرّاحلة.
دافني أغراف … كانت أقوى و أعظم فارس عرفوه.
**
حين يمرّ المرء في الممرّ المُخصّص للضّيوف المميّزين ، يصل إلى شرفة مستقلّة هادئة.
جلس إدوين كرويل بلايز في المقعد الرّئيس ، ثمّ جلس التّجّار الثّلاثة.
و من بين كبار النّبلاء ، كان دوق بلايز أحد أصعبهم في التّعامل ، فارتسم توتّر طفيف على ظهورهم.
أحد التّجّار الأكبر سنًّا حاول تلطيف الأجواء فضحك و قال: “سمعنا أنّك ستتزوّج قريبًا من سموّ الأميرة ، مبارك لك يا صاحب السّعادة”
“أجل ، مبارك مرّة أخرى”
و انضمّ الآخرون بالتّهاني.
كانت الأميرة ابنة غير معروفة الملامح و الاسم تقريبًا ، لكنّها تبقى الأميرة الوحيدة لبيلنوا.
و سلالة مارشيليس تُعدّ هديّة بشريّة عظيمة يمنحها الإمبراطور لمن يشاء من خاصّته.
“يقولون إنّ جلالتها فائقة الجمال …”
“المظاهر لا قيمة لها”
انطلق من شفتي إدوين صوت بارد كعاصفة شتاء ، جعل الحاجبين المرفوعين لدى التّجّار يجمُدان.
مدّ أصابعه الطّويلة القويّة يلمس بها سبطانة مسدّسه بلطف ، ثمّ أمسكه.
و صوّبه نحو السّماء البعيدة.
طاخ—!
ارتجف التّجّار و اتّسعت أعينهم.
و بعينين تضيقان كعيني وحش ، ظلّ يُحدّق طويلًا في السّماء قبل أن تتحرّك شفتاه: “أخطأتُ الهدف”
لا يعرفون ما الّذي حاول إصابته ، لكنّ نبرة صوته العميقة الخشنة المشبعة بالأسى أثارت خوفًا فطريًّا.
رجلٌ يبدو أنّه سيصطاد شيئًا آخر لو فشل في صيد الطّيور.
أنزل عيناه الباردتين نحو التّجّار و تكلّم بصوت جليديّ: “فلنبدأ الحديث”
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"