ابتلعت راشيل لعابًا بصعوبةٍ. لقد بدت أصغرَ بكثيرٍ من أن يكون لها ابنٌ على وشكِ البلوغ.
بعد لحظة من الحيرة، قالت السيدة التي افترضت أنها السيدة أوتيس.
“أوه، كم هو جميل رؤيتكِ يا آنسة هوارد!”
ثم، بحركةِ زاهية، جذبت راشيل إلى عناقٍ كبير.
“لقد كنتُ أنتظركِ منذ وقتٍ طويل.”
“أوه، سيدة أوتيس!”
صرخت راشيل. لقد كان عناقًا كبيرًا جدًا بالنسبةِ لمجرد تحيةٍ. حتى أنها شعرت بشيء صغير وقاسٍ يضغط على أضلاعها في الجزء الصغير من ظهرها.
ولحسن الحظ، لم يدم العناقُ طويلاً، حيث قامت راشيل بالإبتعادِ مباشرةً عن السيدة أوتيس بعد العناق، و تفحصت يدي السيدة أوتيس بشكلٍ انعكاسي. كانت هناك خواتمٌ كبيرة وسميكة على جميع أصابعها العشرة. بدت وكأنها امرأةٌ كانت مفلسةٌ قد أغتنت و أصبحت تتوق إلى التباهي بثروتها.
كان الأنتقاد الداخلي لشخصٍ ما من أولِ لقاء هو أحد الأمور التي تكرهها راشيل، ولكنها لم تستطع لمرةٍ واحدةٍ أن تمنع نفسها من التعليقِ على مظهر السيدة أوتيس.
كانت السيدة أوتيس أكثر تألقاً وجمالاً من التماثيل الذهبية التي تزينُ القاعةَ المركزية. فقد كان شعرها البلاتيني المبهر منسدلاً حتى خصرها، وكانت ترتدي تاجاً مرصعاً بالياقوت بحجم أظافر إبهامها.
وتحت كلِ ذلك، كان هناك زوجٌ من العيونِ الزرقاء الفاتحة على وجهٍ ناصعِ البياضِ وفمٌ ناعم.
كانت تعريفَ الجمالِ المثالي. باستثناءِ طريقة لبسها.
كانت ترتدي فستانًا مصنوعًا من الحريرِ البنفسجي الباهظ الثمن، مع عدةِ طبقاتٍ من شالات الدانتيل المتقنة فوقه.
كانت أطراف الشال مُرصعةٌ بالأحجارِ الكريمة التي كانت تتوهجُ بلونٍ قرمزي خفي في ضوءِ المدفأة.
وكان حول عنقها خمسُ أو ست قلائدٍ تبدأ بقلادةٍ ماسية قصيرة وتنتهي بقلادةٍ طويلة متدلية من اللؤلؤ، وأقراطٌ كبيرة من الزمرد في أذنيها، وأساورُ ذهبية في ذراعيها. كانت الخواتمُ، كما قلت ، في جميعِ أصابعها العشرة.
باختصار، بدت كطفلةٍ داهمت للتو غرفة ملابسِ والدتها. حتى جمال السيدة أوتيس المذهل، الذي يمكن أن يطيح ببلدٍ ما بسهولةٍ، كان مدفوناً تحت موكبٍ من المجوهرات.
تساءلت راشيل بطبيعة الحال عن سبب المبالغة في ملابسها، ولكن كان من الواضح أن هذا ليس من شأنها.
أُجبرت راشيل على الابتسام، محاولةً ألا تلفت الانتباه أكثر إلى مظهر السيدة أوتيس. كان ذلك النوع من الابتسامة التي كان لا بد أن تجعل الشخص الآخر يحبها.
“إنه لمن دواعي سروري أن ألتقي بكِ، سيدة أوتيس.”
“إنه لمن دواعي سروري أيضًا. لقد سمعت أنكِ معلمةٌ بارعة جدًا. تبدين أكثر حكمة.”
كانت السيدة أوتيس شخصًا مرحًا ولطيفًا. كانت تعامل راشيل كما لو كانت ضيفة، أو حتى صديقةُ مقربة.
“أنا سعيدة لأنكِ أحببتيني، هذا كل ما يهمني.”
فكرت ريتشل في نفسها وهي تتبع خطى المرأة وتجلس على الأريكة.
“كما سمعتِ أن جميع المعلمات اللاتي استأجرتهن قد استقلن قبل أن يستمروا لمدة شهر، وكان ذلك بمثابة صداعٍ حقيقي.”
“لا بد أن ذلك كان محزناً جداً يا سيدتي.”
“ولكنني سعيدة بوجود شخصٍ لطيفٍ مثلكِ هنا الآن. والآن، هل تودين التوقيع على عقدِ العمل؟”
أحضرت أمرأةٌ في منتصف العمر يبدو أنها خادمة قطعةً من الورق. أخذت راشيل الورقة بشيءٍ من الخوف. لم تكن قد سمعت بعقدِ عملٍ من قبل.
“لا يوجد الكثير فيه، فقط بند السرية…… مدة توظيفكِ.”
عدم الحديث عن القصر في الخارج. العقد لمدة عام واحد، ويجب أن تطلب الإذن لمغادرة القصر.
لم يبدو الأمر سيئًا للغاية، لذا وقعت راشيل بسعادة. وبمجرد أن تركت القلم، أخذت الخادمة العقد منها.
“الآن أنتِ الآن حقاً فردٌ من العائلة، يسعدني أن أرى ذلك.”
قدمت السيدة أوتيس المرطبات. أكلت راشيل بسعادة السندويشات وشربت الشاي، حيث كانت معدتها فارغة في الوقت الحالي. كما حرصت أيضًا على الرد بشكلٍ مناسب على حكايات السيدة أوتيس عن مدى روعة وثراء قصر برتراند.
عندما كانت راضية عن وجبتها، تطرقت ريتشل إلى الموضوع بحذر.
“إذا كنتِ لا تمانعين، هل لي أن أسمع عن أطفالكِ؟”
“آه.”
كان من المتوقع أن يُطرح الموضوع أثناء تناول المرطبات ولكن لم يتم ذكره حتى الآن.
ثم اسودت عينا السيدة أوتيس فجأة. كان الأمرُ مختلفًا تمامًا عن الطريقة كانت تتحدث بها القصر والأعمال الفنية لدرجة أن راشيل لم تستطع إلا أن تشعر بالحيرة.
وضعت السيدة أوتيس فنجان الشاي بعدَ برهة.
“هما توأمان، فتاةٌ وصبي.”
“آه……. توأمان، لا بد أنهما جميلان جداً.”
“لا يُمكن أن تكوني جادة!”
ارتعشت زوايا فم السيدة أوتيس بسخرية.
شعرت راشيل بالحرج هل كانت تمتلكُ فكرةً عن أن التوأم يجلبُ الشؤوم؟
ابتسمت راشيل ابتسامةٌ تقول أنا في صفكِ، أنا فقط لدي شغف بالأطفال، وانتقلت بسرعة إلى السؤال التالي.
“كم عمرُ أطفالكِ؟”
“لا أعرف، ربما ستُ سنوات……؟ همم ثمانِ سنوات.”
“هل لديكِ موضوع معين تريدين أن أعلمهم إياه؟”
“سأترك ذلك لتقدير المربية.”
أدارت السيدة أوتيس فنجان الشاي. تناثر الشاي على شال الدانتيل الأبيض، لكن يبدو أنها لم تمانع.
“فقط…”
“نعم، سيدتي؟”
“لا تعلميهم أمام عيني ، من فضلكِ.”
فهمت راشيل سبب ردِ السيدة أوتيس الحاد. لقد كانت أماً نموذجية نبيلة، من ذلك النوع من الآباء الذين يهملون أطفالهم لأنها مزعجين للغاية.
مع هذا الإدراك، تبخرت رغبتها في الحديث فأيُّ أسئلةٍ أخرى لن تجلب أيًٍ شيءٍ ذي معنى.
وضعت راشيلل فنجان الشاي والكتاب الذي كانت تحمله وشبكت يديها أمامها.
“سأضع ذلك في الاعتبار يا سيدتي، لكن هل لي أن أرى أطفالكِ الآن؟”
عاد النور إلى عيني السيدة أوتيس، كما لو أنها شعرت أنه لن يطرح موضوع الأطفال بعد الآن. ابتسمت وعيناها مشرقةٌ وواسعة.
“يمكنكِ مقابلتهم غدًا. لا فرق بين أن تقابليهم اليوم أو غداً، ستكونين متعبة جداً.”
“سيدتي، أقدّر لكِ مراعاتكِ، ولكن…….”
“سأصطحبكِ إلى غرفتكِ، ثم يمكنكِ أن ترتاحي قليلاً ثم تنضمي إلينا على العشاء، جوزفين!”
“نعم، سيدتي”
” أرشدي الآنسة إلي غرفتها.”
قبل أن تتمكن من الإحتجاج، كانت الأمور تسير بسرعة، كانت راشيل خارج الصالون مع الخادمة.
الخادمة انحنت لها برفق.
“أنا جوزفين أندري، الخادمة الرئيسية لهذا القصر. يمكنكِ مناداتي جوزفين.”
“أنا في رعايتكِ يا جوزفين.”
انحنت راشيل بعصبية. كان هذا التهذيب، من السيدة إلى الخادمة وكبير الخدم، مفاجأةً وراحة لراشيل، التي كانت قد جاءت مستعدة للطرد القاسي.
“تقع غرفة نومكِ في الطابق الثالث، بجوار غرفة الأطفال، وقد زودتكِ بكل ما تحتاجينه لإقامتكِ.”
وبينما كانت تستمع إلى شرح جوزفين صعدت الدرج. ألقت نظرة على درابزين الدرج وارتجفت. كان الجزء العلوي من الدرابزين مزيناً بأحجار كريمة زرقاء رقيقة مقطوعة.
تبعت راشيل جوزفين وهي حريصة على عدم إحداث أدنى خدش على هذا العمل الفني.
كان الطابق الثالث بلون الجوز بشكل غير متوقع وفخم.
قادت جوزفين راشيل إلى باب في الركن البعيد من الممر، ثم ربتت على ظهرها بحسرة.
“لا، المفتاح مهم جداً، والباب في غاية الأهمية. انتظرِ لحظة من فضلكِ.”
وبدون كلمة أخرى، اختفت جوزفين في الممر. تُرِكت راشيل وحدها أمام الباب، فركت مؤخرة عنقها ونظرت حولها.
كان بجانب بابها بابين منحوتٌ عليها كرمةُ ورد.
‘يبدو أن هذه هي غرفة الأطفال.’
تمكنت من سماعِ صوتِ خبطٍ صغير قادم من الداخل.
هل يمكن أن يكون الأطفال يلعبون؟
انتظرت راشيل ، على أملِ أن يُفتح البابُ في الوقت المناسب لتلقي التحية، لكن لم يكن هناك أيُّ أثرٍ لخروج ألاطفال فاستسلمت واستدارت.
في نهاية الردهة كانت هناك صورةٌ عائلية كبيرة تحتلُ حائطاً كاملاً. كانت هناك سيدةٌ جميلة تجلس على كرسيٍ، وخلفها رجلٌ حاد المظهر، و طفلةٌ صغيرة تتدلى ببراءة في حضنها، وجميعهم يبدون في غاية الانسجام.
فركت راشيل ذقنها وفحصتُ اللوحة.
“لا أعتقد أن هذه هي عائلة أوتيس الحالية…….”
“إنها صورة للورد أوتيس الأول.”
كان صوتاً ناعمًا وغنائيًا تقريبًا.
نظرت إلى الوراء كما لو كانت مفتونةً.
في ضوءِ الشمس الذي كان يتدفقُ عبر النافذةِ الزجاجية الشفافة، وقف رجلٌ غريب.
التعليقات لهذا الفصل " 6"