[إلى صديقتي راشيل التي تَقضي أفضلَ أوقاتها في الحياة.
يا إلهي!
هل ما رأيتُه حقيقي؟ هل من الممكن أن تكونَ راشيل هوارد قد قالت “إنه وسيمٌ حقًا”؟
يا للعجب، أنتِ تشبِّهينَهُ بسيِّدِ قلعةِ الجليد! إذا كنتِ تقولين ذلك،
فكم يكون الابنُ الأكبرُ لعائلةِ أوتيسَ وسيمًا؟ وماذا عن معلمِه المنزلي؟
بمجرد أن قرأتُ رسالتَكِ، سألتُ روبي إذا كان يعرفُ عمرَ الابنِ الأكبرِ لعائلةِ أوتيس.
فقال لي إنه ربما يكون في الثامنةَ عشرة، هل هذا صحيح؟
إنه لا يزالُ فتىً يافعًا ولم يبلُغْ سنَّ الرشدِ بعدُ، ولكنه ليس سيئًا على الإطلاق. إنه مثيرٌ جدًا للاهتمام. على أي حال، سيبلغُ سنَّ الرشدِ قريبًا.
والمعلمُ الآخرُ الوسيم… إذا كان معلِّمًا للابنِ الأكبرِ لعائلةِ أوتيس، فلا أعتقدُ أنَّ عائلتهُ سيئةٌ للغاية. هل يمكنكِ أن تُخبريني باسمِه؟ سأتحققُ منه بنفسي.
أنا متأكدةٌ أنكِ تقرأينَ هذه الرسالةَ وتقولين لنفسكِ، “ما الذي تتحدثُ عنه؟” ولكن يا راشيل، الرجالُ الذين يجذبونَ اهتمامكِ نادرونَ للغاية. لذا استمتعي بالحاضرِ قليلًا.
لقد كنتِ تدرسينَ في مدرسةٍ تعُجُّ بالفتياتِ ولم تكنْ لكِ أيُّ علاقةٍ بالرجال،
لذا أنا قلقةٌ من أن تدَعي هذه الفرصةَ تمرُّ دون استغلالِها.
بالحديثِ عن هارييت، ذهبتُ مؤخرًا إلى ديمبلين. رغمَ أنكِ لم تكوني معي،
فقد كان ذلك في طريقي إلى لينتون، وقررتُ زيارةَ السيدة كورتيس بعدَ فترةٍ طويلة.
لكنني التقيتُ بأمكِ في هارييت. بدتْ قلقةً للغاية، وأمسكتْ بي فجأةً وسألتني عن مكانِكِ.
بالطبع قلتُ لها إنني لا أعرف.
غضبتِ السيدةُ هوارد وقالتْ لي ألا أكذب. لكنني تمسكتُ بموقفي ولم أبحْ بشيء.
بدتْ متوترةً للغاية. هل من الممكنِ أن تذهبَ للبحثِ عنكِ في سيلفستر؟
ديمبلين ليست قريبةً من سيلفستر،
لكنها ليست بعيدةً جدًا لدرجة أنها لا تستطيعُ الذهابَ هناك.
هل يعرف أحدٌ غيري مكانَكِ؟ هل تعرفُ المربيةُ أو الخادمةُ؟
أتمنى ألا يحدثَ شيءٌ سيء. وإذا اضطررتِ، يمكنني أن أطلبَ من والدتي أن تُبقي والدتكِ مشغولة. أخبريني إذا كنتِ بحاجةٍ إلى ذلك.
أتمنى أن تنعمي بالسعادةِ المطلقة بعدَ هروبِكِ المثالي،
مِن صديقتكِ المُحبَّة مارغريت تشيستر.]
******
[إلى صديقتي مارغريت التي لا تزال تحبُّ الرومانسية.
ماذا تقولين يا ميغ؟ لماذا عمرُ الابنِ الأكبرِ لعائلةِ أوتيسَ مثيرٌ للاهتمامِ؟
ولماذا تحتاجين إلى معرفةِ عائلةِ المعلم؟
لقد وصلتُ إلى برتراند لأتولى مهامي كمعلمةٍ منزليةٍ،
دون أنَ تحمِلني الظروفُ أو النوايا إلى الانغماسِ في أي علاقةٍ رومانسية،
سواءٌ مع السيدِ أو مع ابنِ صاحبِ العمل.
لقد جئتُ لأؤدي واجبي بكل تفانٍ وإخلاص، وأمضي عامًا يكللهُ العملُ الجاد.
لا أرغبُ في أي تشتيتٍ،
بل عزمتُ على التركيزِ التامِّ على الغاية التي دفعتني للمجيءِ إلى برتراند.
وهذا هو اختياري، وعليهِ فيجب أن أبذلَ كلَّ ما في وسعي لتحقيقِه بأسمى صورة.
بالحديثِ عن والدتي، لم أكن أعتقد أنها ستكونُ نشطةً في البحثِ عني بهذا الشكل…
الشخص الوحيدُ الذي يعلمُ أنني في سيلفستر هو آنا،
أعني حفيدةَ المربية. إنها تساعد في شؤونِ المنزل.
آنا لن تخبرَ والدتي عن مكاني أبدًا.
إذا فعلتْ ذلك، فهذا يعني أن هناك مشكلةً كبيرةً قد حدثتْ.
أقدرُ عرضَكِ لإبقاءِ والدتي مشغولةً، لكنني سأرفضه.
لا أريدُ أن أسببَ المزيدَ من المتاعبِ للسيدة أليسون.
أنا أيضًا أعلم أن والدتي ليست صديقةً جيدة.
لا تقلقي، ميغ. حتى لو علمتْ والدتي أنني في سيلفستر،
فهي لن تأتيَ بنفسِها بل سترسلُ رسالة. فهي تكرهُ كلَّ ما هو متعبٌ ومرهِقٌ لحدِّ الإزعاج.
لذا استمتعي بوقتِكِ في لينتون، ولا تقلقي. سأكتب لكِ رسالة أخرى قريبًا.
مِن راشيل هوارد، التي ستبذلُ قصارى جهدها.]
***
في النهاية، لم يُصَبْ توأمُ أوتيسَ بالزكام.
في الواقع، بدا أنهم لم يفهموا حتى ما يعنيه المرض.
عند سؤالِ راشيل لهما عن حالتِهم الصحية، كانوا يبتسمونَ فقط.
‘لا يوجدُ مرضى في بيرتراند.’
أثناء مشاهدتِها للتوأمِ النشيطِ والمتجولِ في أرجاءِ المكان،
تذكرتْ راشيل العبارةَ التي سمعتْها مرارًا وتكرارًا.
“لا يوجدُ مرضى في بيرتراند…”
يعني ذلك أن أيَّ شخصٍ يعيش في القصر، إذا كان كائنًا حيًا،
لن يُصابَ بأيِّ مرضٍ سواءٌ كان كبيرًا أو صغيرًا.
أو ربما، حتى لو ظهر مرضٌ ما، فسوف يختفي بطريقةٍ ما…
“آه.”
تجعدَ المغلفُ في يدِها. تنهدتْ راشيل وأخرجتْ مغلفًا جديدًا.
من خلال هذا الحادث، تأكدتْ أن هناك أمورًا غيرَ طبيعيةٍ تحدث في قصرِ برتراند.
إذن، ماذا يجب أن تفعلَ الآن؟
كانت الرسالةُ التي تحتوي على قوانينِ برتراند ليستْ مجردَ مزحة.
إذا حاولتْ الهروبَ دونَ تفكيرٍ، فلن يحدثَ شيءٌ جيد.
“ما الذي يمكنني فعلُه…”
ربما عليها الالتزامُ بالقوانينِ بشكلٍ صارم، وتجاهلُ ما يجري.
ربما عليها أن تتصرفَ بشكلٍ طبيعي، بغضِّ النظرِ عن مدى غرابةِ الأمور.
كما نصحتها الرسالة، يجب ألا تكونَ فضولية. وكما نصحَها آلان أوتيس، يجب أن تتخلى عن “فضولِ الأغنياءِ” الذي تتمتع به.
هيا فكري فقط فيما أنتِ مسؤولةٌ عنه راشيل.
بينما كانت تفركُ يديها الباردتين، وضعتْ راشيل الرسالةَ في المغلف.
لقد كان يومَ الثلاثاءِ بالفعل.
إذا لم تُسلم الرسالةَ اليوم، فسوف يتأخرُ الردُّ على مارغريت أسبوعًا كاملًا.
بعد أن أغلقتْ راشيل الرسالةَ، قامتْ بسرعةٍ بترتيبِ المكان.
عندما فتحتْ الدرجَ لإرجاعِ الحبر. فجأةً، اتجهتْ نظرةُ راشيل إلى زاويةٍ في الدرج.
كان هناك زجاجتانِ من الدواءِ موضوعتانِ بعناية.
رفعتْ الزجاجةَ بحذرٍ. كانت تحدقُ بالحبوبِ البيضاءِ التي كانت تتدحرجُ داخلها،
تحول بريقُ عينيها الخضراوين إلى ظلامٍ قاتم.
في اليومِ الذي استلمتْ فيه الدواءَ من آلان أوتيس،
غادرَ بسرعةٍ بعد أن ترك لها تحيةً مخيفة.
بقيتْ راشيل وحدَها، ممسكةً بمعصمها المتخدر، تتبع خيالَ الفتى فقط.
كان تأثيرُ الدواءِ كبيرًا جدًا، فقد انخفضتِ الحرارةُ بسرعةٍ بعد فترةٍ وجيزة.
وعندما استعادتْ راشيل وعيَها، واجهتْها موجةٌ من الخجلِ العارم.
لقد قامتْ بعملٍ غيرِ لائق.
كان هذا التفكيرُ هو الوحيدُ الذي يدور في ذهنِها.
راشيل هوارد لا تعرف الكثيرَ عن عائلةِ أوتيس.
هي لا تعرف لماذا لم يعد السيدُ أوتيس إلى القصر،
هي لا تعرف لماذا تعاملُ السيدةُ أوتيس أطفالَها بجفاءٍ لدرجةِ الإيذاء،
ولا تعرف لماذا يرفضُ آلان أوتيس إخوتَه الصغار.
هي فقط لم تكنْ تعرفُ شيئًا.
وكان من غيرِ اللائقِ أن تنتقدَهم على نحوٍ طائش.
خاصةً أن آلان أوتيس كان ضحيةً للإيذاءِ الجسديِّ والنفسي.
لم يكن يجب أن تحمِّله مسؤوليةَ ذلك.
لقد قامتْ بفعلٍ قاسٍ.
مع أنها كانت تعرفُ جيدًا كيف يمكن أن تؤذي الكلماتُ القاسيةُ التي تُلقى بلا مبالاة.
ولكن الشيءَ المخجلُ حقًا هو أن ما فعلته لم يكنْ بدافعِ التعاطفِ مع التوأمِ فقط.
هيا لنكنْ صادقين. لقد رأت راشيل نفسها في التوأم.
مظهرُ الأطفالِ الذين يتوقونَ لحبِّ أمٍّ غيرِ مباليةٍ
كان يبدو مثل مظهرِها في الماضيِ والحاضرِ وربما حتى في المستقبلِ المجهول.
لذلك، صبَّتْ حزنَها على آلان أوتيس المسكين.
‘حتى الآن لم أتمكنْ من قولِ شيءٍ لأمي….’
ابتسمتْ راشيل بمرارةٍ وهي تمررُ يدها على سطحِ زجاجةِ الدواء.
شعرتْ بألمٍ في صدرِها.
هل سيكون مقبولًا أن تعتذر…؟
تذكرتِ العداءَ والغضبَ اللذانِ انعكسا في عيني الفتى الزرقاوتينِ.
بدأتِ الفكرةُ في الذهابِ إلى آلان تفقدُ قوتَها وتضمحل.
‘ربما يكون الاقترابُ مني مصدرَ ضغطٍ له.’
لذلك، من الأفضلِ أن أحافظَ على هذه المسافة…
“……”
هاه كم أنتِ مسكينةٌ يا راشيل هوارد.
أيُّ عذرٍ تظنينَ أنكِ تقدمين؟
إنكِ ببساطة ترزحينَ تحت وطأةِ الخوفِ من احتقارِ آلان أوتيس لكِ.
أنتِ تخشينَ مواجهةَ الحقيقةِ وما يخفيه قلبُه عنكِ، وتهابينَ الاعترافَ بخطأكِ.
إنكِ خائفةٌ من حقيقةٍ ستصبحُ جليةً ولا يمكنُ تجاهلُها كلما اقتربتِ منه.
عضتْ راشيل شفتيها وهي تمسكُ بزجاجةِ الدواء.
شعرتْ بالكراهيةِ تجاهَ نفسها تتصاعدُ ببطئ.
نعم، كانت على درايةٍ تامةٍ بذلك.
جبنُها العميقُ المتأصل، الذي استقرَّ في أعماقِها كظلٍّ لا يفارقُها.
ورغم كلِّ ذلك، لن تجدَ سبيلًا للمضيِّ قدمًا. ستفِرُّ مرةً أخرى،
وربما ستقضي حياتَها هاربةً تحت سماءٍ مُلبدةٍ بالغيوم.
فالهربُ كان دائمًا الخيارَ الأسهل.
ومهما سعتْ لتغليفِه بمبرراتٍ كالبحثِ عن السلامِ أو تجنبِ الصراعِ،
فإن الحقيقةَ ستبقى ثابتةً، لا تتغير ولا تتبدل.
لقد كانت جبانةً، بكل ما تحمله الكلمةُ من معنى.
***
كان الأطفال لا يزالون نائمين.
بدأت راشيل تنزل الدرجَ إلى الطابقِ الأول بهدوء.
كان القصر هادئًا كأنه غارقٌ في نومٍ عميق.
بدا الممرُّ الذي كانت تمرُّ فيه بلا مبالاةٍ في العادةِ مخيفًا.
كانت رائحةُ الورودِ القويةِ التي تملأ المكانَ تجعلها تشعرُ بالدوار.
حاولتْ راشيل أن تبتعدَ عن الأفكارِ التي تملأ رأسَها، وحولتِ انتباهَها إلى شيءٍ آخر.
‘لقد أرسلتُ نفقاتِ المعيشةِ والراتبَ إلى آنا الأسبوعَ الماضي. هل وصلتها بشكلٍ جيد؟’
إذا تمَّ تسليمُها بشكلٍ صحيح، ربما يصلُ الردُّ غدًا.
كانت تشعرُ بالقلقِ إزاء كيفيةِ تصرُّفِ آنا في وجهِ هستيريا والدتها.
حتى وصلتْ إلى الطابقِ الثاني.
“آه، آنسةُ هوارد.”
سمعت صوتًا مرحبًا مليئًا بالدفءِ.
كان روجر والتر يصعد الدرجَ بابتسامةٍ ناعمة.
التعليقات لهذا الفصل " 19"