⚠️تحذير الفصل يحتوي على مشاهد إساءة⚠️
“ما هذه الحُمّى…؟”
أرتسمت نظرةٌ حادَّةٌ على وجهِ آلان بينما كان يبدو مُستاءً.
جمعت راشيل كلَّ قُوَّتِها لتقفَ بثباتٍ.
“آسفة…”
“لا داعيَ للاعتذار. اتبعيني.”
على الرغم من أنه طلب منها أن تتبعه، إلا إنَّ آلان أوتيس أمسكَ بذراعِ راشيل وقادها.
على الرُغمِ من كلماتهِ القاسَيةِ، كانت لمسَتهُ ناعمةً للغاية،
لم تستطع راشيل أن تفكِّرَ في الاعتراض وبدأت تتمشى معه بذهولٍ.
لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى توقفت خطواتُهما.
فتحَ آلان بابًا وأدخلَ راشيل إلى الداخلِ.
“أجلسي هناك.”
دفع آلان راشيل. لم يكن الدفع بقوةٍ، لكنها تمايلت لِتَسقطَ على الأريكةِ.
بدا وكأن الدُّوارَ قد بدأ يخفُّ قليلًا بعد أن استندت على شيءٍ.
قامت بتعديلِ وضعِها ونظرت حولَها.
كانت الغرفةُ صغيرةً تتسعُ فقط لأريكةٍ واحدةٍ وطاولةٍ صغيرةٍ وخزانةٍ.
فتح آلان الخزانةَ وبدأ يبحثُ عن شيءٍ.
بعد لحظاتٍ، اقترب حاملاً صندوقًا مربعًا.
“هذا دواءٌ خافضٌ للحرارةِ. وهذا دواءٌ للسعال.”
“ماذا؟”
“لستُ طبيبًا، لذا لستُ متأكدًا، لكن يبدو أنها حُمّى بسببِ البرد،
لذا ابدئي بخفض الحرارة.”
ملأت القنينتان الصغيرتان يديها الضئيلتين. أحسَّت بالبرودة انبعثة من الزجاج،
ممَّا ساعدها قليلًا على استعادة وعيها.
أمسكت راشيل القنينتينِ بعنايةٍ وأخفضت رأسها.
“شكرًا… شكرًا على المُساعدةِ، وعلى الدَواءِ…”
لم يردَّ آلان. بدلاً من ذلك، أخرج مرهمًا وضماداتٍ من الصندوق.
“ذراعُكِ.”
تساءلت لماذا طلب منها ذراعها فجأةً، لكن آلان أمسك بيسراها ورفع كمَّها بلا ترددٍ.
“ما هذا…!”
حاولت أن تسحبَ يدَّها بخجلٍ، لكنها رأت كدمةً زرقاء تحتَ الكمِّ.
توقفت عن المقاومة. بدا أن هذه الكدمة قد تكوَّنت
عندما أمسكت بها الخادمة منذ قليلٍ.
خفض آلان رموشه الطويلة وبدأ بدقةٍ في وضع المرهم على الكدمة.
بدا وكأنه معتادٌ على لفِّ الضمادات بعنايةٍ حول الجرح.
“الأدويةُ موجودةٌ فقط في هذه الغرفة.”
قالَ بهدوءٍ بينما كان يُنظِمُ الصندوقَ.
“لا يُوجدُ مرضى في بيرتراند.”
لا يُوجدُ مرضى في بيرتراند.
كانت هذه العبارةُ التي كررَّها الخادمُ فريدريك ثلاثَ مراتٍ.
الفرقُ هو أنَّه، بينما لم يُظهِر فريدريك أيَّ عاطفةٍ وهو يردد المعلومةَ،
بدا أنَّ آلان أوتيس كان يُضمِرُ بعضَ الاستسلامِ في صوته.
‘هل كان يعالجُ جروحَهُ هنا بمفردهِ…؟’
حرَّكت راشيل شفتيها بحذرٍ، وحاولت أن تجمعَ شجاعتها.
“الآنسةُ بيني و السيدُ نيرو أيضًا قد تعرضوا للمطرِ. إذا كنتُ أنا كشخصٍ بالغ،
أُعاني من حُمّى بسبب البردِ، فمن المُحتَملِ أن يعانوا أيضًا…”
“هاه!”
خرجت ضحكةٌ ساخرةٌ واضحةٌ من فمِ آلان أوتيس.
تغيرت الأجواءُ الهادئةُ للشابِ فجأةً.
“استمعي يا معلِّمة. ألم أخبركِ؟ إذا كنتِ تريدينَ أن تبقي على قيد الحياة،
فاتركي هذا التدخلَ السخيفَ.”
“هذا ليس تدخلاً، بل واجبًا كمعلمةٍ للآنسة بيني والسيد نيرو…!”
“أجل، معلِّمة، ذلك اللقبُ الفخمُ.”
اقترب آلان من وجهها. كانت عيناهُ الزرقاوانِ تحملانِ غضبًا غريبًا.
“يبدو أنكِ تولينَ اهتمامًا كبيرًا لأولئك، ولكن رُبما يَجِبُ عليكِ التوقف.”
استخدم كلمة “أولئك” للإشارة إلى أشقائه.
لفترةٍ وجيزةٍ، تشابه وجه آلان أوتيس مع وجه والدته السيدة أوتيس.
رفعت راشيل نبرةَ صوتِها دونَ وعيٍ.
“إن هذا يتعلقُ بأشقائكَ! كيف يمكنكَ أن تكون باردَ القلبِ هكذا؟”
في هذا المنزلِ الغريب، تحتً إساءة الوالدينِ،
لم يكن لديهم إلا شقيقهُم الأكبر ليعتمدوا عليهِ.
كان يجبُ أن يكون الوضعُ نفسه بالنسبة له أيضاً.
“أشقائي؟”
وفي اللحظة التالية، أمسكَ آلان أوتيس بمعصمِ راشيل المجروحِ وضَغَطَ علَيهِ بقوةٍ.
تسببَ الألمُ في أن تُطلِق راشيل صرخةً حادةً.
“آه!”
“أنتِ حتى لا تهتمين بنفسكِ.”
“سيد أوتيس…”
“ما الذي تعتقدينَ أنكِ تعرفينه لتتحدثي هكذا؟
أو ربما تريدينَ لعِبَ لُعبةِ العائلة؟”
“توقف عن ذلك…”
“لكن ألم تقولي أنكِ معلِّمة؟ إذًا، قومي بعملكِ كمعلمةٍ.
أوه، بالمناسبة، يبدو أنكِ قريبةٌ جدًّا من روجر.”
ازدادت الابتسامةُ الساخرةُ على شفتيهِ.
“هل أتيتِ هنا فقط لتبحثي عن زوجٍ؟”
“هذا مؤلم!”
ترك آلان معصمَ راشيل بعنفٍ. تراجعت راشيل، وهي تلهثُ بسرعةٍ.
نظر إليها الصبيُّ بعينينِ زرقاوينِ ساطعتينِ، مليئتينِ بكراهيةٍ لا يمكن إنكارها.
اختفت الحُمّى فجأةً كما لو كانت كذبةً، وشعرت ببرودةٍ شديدةٍ في مؤخرة عنقها.
ضغطت راشيل على الزجاجة التي كانت تُمسِكُ بها.
“هل ارتكبتُ خطأً بحقك، سيد أوتيس…؟”
“إذا كنتِ تبحثين عن خطأ، فخطؤكِ كان المجيء إلى هذا المنزل.”
وقف آلان أوتيس. كان وجهه كقطعةٍ من الجليد،
مخفيًا في الظلال، مما جعل تعابيره غير مرئية.
“إذا كنتِ تتساءلين لماذا أفعل هذا، فماذا توقعتِ؟ هل كنتِ تتوقعينَ أن أتصرف كرجلٍ نبيل؟ إذا كان الأمر كذلك، فهذا ليس مُستحيلاً.”
انحنى الصبي. كانت حركاته، التي كانت تُشبه تصرفات المتمرد،
الآن رقيقةً وأنيقةً كالبجعة.
“مرحبًا بكِ في أجملِ قبرٍ على وجه الأرض، الآنسة راشيل هوارد.
دعينا نصبح جثتين سعيدتين معًا.”
هكذا قدَّم لها ترحيبًا أشبه باللعنة.
***
داخل الغرفةِ المظلمةِ، لم يكن يُسمعُ سوى صوتِ الأنفاسِ المُتقطعةِ
التي توحي بأنها على وشكِ الانطفاءِ.
“آه، آه. آسف، أنا آسف…”
تداخلت التأوهاتُ والتوسلاتُ بين الأنفاسِ المُتقطعةِ.
كان وجهُ الصبيِّ الشاحبِ مشوهًا بالألمِ.
لم يكن ذلك مكانًا مريحًا للنومِ بأي حالٍ من الأحوال.
خاصَّةً عندما كان يتقوقعُ على نفسهِ مثلَ الروبيانِ في سريرٍ
يمكنُ أن يتسعَ لخمسةِ أشخاصٍ بالغين.
في تلك اللحظةِ، فُتِح البابُ بصمتٍ.
الضيفُ غيرُ المتوقعِ استمعَ بهدوءٍ إلى تأوهاتِ الصبيِّ قبلَ أن يتجهَ ببطءٍ نحو السريرِ.
ثم أمسكَ بكتفِ الصبيِّ بخشونةٍ.
“هاه!”
ارتعشَ الصبيُّ عندما استيقظَ فجأةً من نومهِ.
دونَ أن يهتمَّ الضيفُ، أدخلَ أصابعَهُ في فمِ الصبيِّ المفتوحِ.
“هاك! كاه.”
تسللَ الأصابعُ في حلقِ الصبيِّ، كما لو كان يبحثُ عن شيءٍ ما، متلمسًا وفاحصًا بعنايةٍ.
رفعَ الصبيُّ يدَهُ المرتعشةَ ليمسكَ بمعصمِ الضيفِ،
محاولًا بكلِّ ما لديهِ من قوةٍ أن يُبعده، لكن الذراعَ القويةَ لم تتحركْ.
“هيك، آه.”
كانت التأوهاتُ والقيءُ واللعابُ تتدفقُ بلا توقفٍ.
رفعَ الصبيُّ جفونهُ المبللةَ بشق الأنفسِ ليرى مهاجمَه.
في الظلامِ، كانت عينانِ حمراوانِ متوهجتانِ تراقبانهُ باهتمامٍ.
“رو..جر…”
عند سماعِ النداءِ المليءِ بالكراهيةِ، ابتسمَ روجر بخبثٍ.
سحبَ روجر أصابعَهُ من حلقِ الشابِّ وأمسكَ بوجهِهِ.
“آلان العزيزُ، يبدو أن كلَّ دواءِ السعالِ قد اختفى.”
انطلقَ سعالٌ جافٌ من فمِ آلان، وانهمرتْ الدموعُ التي كانت تملأ عينيهِ.
عندما لم يتلقَّ روجر أيَّ إجابةٍ من تلميذِهِ، زادَ من قوةِ قبضتهِ.
“هل ترغبُ في لعبِ محاولةِ انتحارٍ جديدة؟ عندما ابتلعتَ كلَّ الحبوبِ المنومةِ التي أحضرتها المعلمةُ الخصوصيةُ الثالثةُ وسقطتَ مغشيًا عليكَ، كان ذلك ممتعًا للغايةِ.”
“دعني… أيها اللعينُ…”
بسببِ قبضتِهِ، كانت كلماتُهُ غير واضحةٍ.
تمتمَ روجر بصوتٍ منخفضٍ، ثم أطلقَ سراحَ آلان.
“لا أعتقدُ أنك تناولتَ الدواءَ… أين وضعتهُ؟”
“آه، لماذا تريدُ أن تعرفَ؟”
“لقد أصبحتَ مدللًا حقًا في الآونةِ الأخيرةِ، أليس كذلك، آلان؟ هل تودُّ أن تُربطَ مجددًا إلى عمودِ السريرِ؟ لديَّ طوقٌ ورديٌ فاتحٌ جديدٌ، خصيصًا لكَ.”
“اذهبْ إلى الجحيمِ.”
“بالإضافةِ إلى أن هناكَ الكثيرَ من اللحمِ المفضلِ لديكَ ما زال في المطبخِ.
ما رأيك؟ سأطعمكَ بنفسي حتى تشبعَ.”
“إذا كان ذلك عنقكَ، فسأمزقهُ بأسناني بسرورٍ.”
لم يهدأِ الغضبُ في عيني آلان. تنهدَ روجر بتنهيدةٍ وكأنهُ فقدَ اهتمامَهُ بحيوانٍ أليفٍ.
“حسنًا، فهمتُ.”
ثم أخرجَ منديلاً من جيبِهِ وبدأ يمسحُ يديه بعنايةٍ.
“أظنكَ أعطيتهُ للسيدةِ هوارد، أليس كذلكَ؟”
“ماذا؟”
“بدتِ السيدةُ هوارد وكأنها مصابةٌ بحمى،
لكن بدا أن حرارتَها انخفضتْ بشكلٍ أسرعَ مما كنتُ أتوقعُ.
لقد أعطيتَها الدواءَ، أليس كذلكَ؟”
بدأ عقلُ آلان المشتتُ في تحليلِ كلامِ روجر ببطءٍ. وسرعانَ ما احمرَّ وجههُ بالغضبِ.
“أنت تعلم… أيها المجنونُ…!”
“هل أعجبتكَ طريقتي الجديدةُ لإيقاظِكَ، آلان؟”
تركَ المنديلَ المستعملَ على رأسِ آلان.
بينما كان آلان يلتقطُهُ بعصبيةٍ ويلقيهِ بعيدًا، ضحكَ روجر بسخريةٍ.
“أقدرُ لطفكَ تجاهَ السيدةِ هوارد. استمرَّ في بذلِ قصارى جهدكَ.”
“اذهبْ إلى الجحيمِ.”
“لماذا؟ إنها مهارتُكَ آلان. أنتَ تدعي اللامبالاةَ من الخارجِ،
بينما تساعدُ الخدمَ الجددَ في السرِّ دوماً.”
اهتزتْ عينا آلان كقاربٍ في عاصفةٍ.
وكأنَّ هذا المنظرَ كان محببًا إلى روجر، فقد مدَّ يدهُ ليربتَ على خدِّ آلان.
“هل ظننتَ أنني لن أعرفَ.”
“……”
“آلان خاصتنا اللطيفُ والرقيقُ. مهما حاولتَ ومهما كافحتَ، لن يكونَ لجهودِكَ أيُّ قيمةٍ.
لم تستطعْ حمايةَ أحدٍ ولن تستطيعَ إنقاذَ أحدٍ، ولم تفدْ أحدًا بشكلٍ حقيقي.”
اللمسةُ الناعمةُ سرعانَ ما تحولتْ إلى قبضةٍ على رقبةِ الصبيِّ.
شعرَ بنبضِهِ الضعيفِ وهو يرتجفُ تحت راحةِ يدهِ.
“لكن لا بأس… فجدواكَ الوحيدُ هو استمرارُ نسلِ أوتيس.
فمنذُ ولادتكَ، كان هذا هو قدركَ الوحيدُ.”
ارتعشَ فمُ آلان المغلقُ بإحكامٍ. وبوجهٍ مشرقٍ مبتسمٍ،
ضغطَ روجر بقوةٍ على عنقِ الصبيِّ وخنقهُ.
“لذا، أيها الحشرةُ الحقيرةُ، عليكَ فقط أن تنحني لي وتفعلَ ما آمركَ بهِ.”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 18"