4
“ماذا؟”
“كونكِ تحرزين المركز الأوّل في الأكاديمية في كلّ مرّة. قلتُ هذا لأنّي أخشى أن يُشكّل ذلك عبئًا على شارلوت خاصتي.”
“آه…….”
“لم يُجبركِ أحد على فعل ذلك، لذا أتمنّى أن تدرسي بهدوء وعلى مهل.”
منذ دخول شارلوت إلى الأكاديمية، وحتّى هذا العام الذي أصبحت فيه في الصفّ الثالث، لم تُفوّت المركز الأوّل ولا مرّة واحدة.
في البداية، ظنّت سيريَا أنّ السبب هو أنّ شارلوت نابغة، أو أنّ لديها موهبة في السحر.
لكن عند التفكير في شخصيّة شارلوت، كان هذا يعني أيضًا أنّها تبذل جهدًا مضنيًا خلف الكواليس بقدر ذلك.
‘لا يجوز أن تتدهور صحّتها بسبب هذا.’
وبينما غرقت سيريَا في أفكارها للحظة، كانت شارلوت قد قلّصت كتفيها وخفضت رأسها بوجهٍ معقّد.
لم تنتبه سيريَا إلى هذا التغيّر، فارتشفت رشفةً من الشاي وقالت.
“ما أعنيه هو ألّا تُجهدي نفسكِ بالدراسة، بل اذهبي وتجوّلي مع أصدقائكِ. من الجيّد أن تجتهدي، لكن المبالغة في أيّ شيء سُمّ. لذلك…….”
“أنا، حقًّا بخير، أختي.”
رفعت سيريَا بصرها بدهشةٍ خفيفة. كان من النادر جدًّا أن تقاطعها شارلوت.
انحنت شارلوت برأسها، ثمّ نهضت سريعًا من مكانها.
“……أنا آسفة. ظننتُ أنّني بخير، لكن يبدو أنّ جسدي متعب. سأصعد لأرتاح قليلًا.”
“أه؟ حسنًا.”
وتركت شارلوت سيريَا، التي بقيت تحدّق بوجهٍ شارد وهي تمسك فنجان الشاي، ثمّ صعدت إلى غرفتها.
بدت كتفاها منسدلتين بفتور.
وبقيت سيريَا وحدها في الشرفة، تحكّ رأسها بإحراج.
“……هل قلتُ شيئًا خاطئًا؟”
* * *
قرّرت سيريَا أن تذهب إلى مأدبة العشاء مع شارلوت.
كانت شارلوت قد قالت إنّه لا داعي لتناول الطعام مع العائلة، لكن موقف سيريَا كان حازمًا.
إنّها الأخت الصغرى التي عادت بعد نصف عام.
ومهما تجاهل أفراد العائلة شارلوت أو ألقوا عليها نظرات ضاغطة، فلا سبب يجعل شارلوت تراقب مزاجهم وتتناول الطعام وحدها في غرفتها.
استدعت سيريَا شارلوت إلى غرفتها، وضفرت شعرها بشريطٍ أحمر.
وبعد أن ثبّتت مشبك شعر مرصّعًا بياقوتٍ على شكل بتلات زهور، انتهى التزيين.
كانت شارلوت، التي اعتادت المظهر البسيط في الأكاديمية، تنظر إلى انعكاسها المزدان في المرآة بابتسامةٍ خجولة، كأنّها تشعر بالغرابة.
“أليس هذا مبالغًا فيه بالنسبة لي؟ هذا المشبك أيضًا…….”
“أبدًا. شارلوت، الياقوت يليق بكِ.”
كان المشبك المرصّع بالياقوت يتناغم بشكلٍ جميل مع عينيها الحمراوين الصافيتين.
‘لقد كنتُ أعدّ الأيّام لأهديها هذا المشبك منذ قبل أن تأتي شارلوت.’
بعد تزيينٍ خفيف، أمسكت الاثنتان بأيدي بعضهما ونزلتا إلى قاعة الطعام.
وحين فتح الخدم باب قاعة المأدبة، كان الكونت وسيدريك قد وصلا وجلسا منذ وقتٍ مبكّر.
تجهّمت ملامح سيريَا عندما رأت سيدريك.
‘متى جاء هذا مجدّدًا؟’
كانت تظنّ أنّها لن تراه اليوم، لكن يبدو أنّه عاد متأخّرًا، إذ جلس من دون أن يبدّل ملابسه.
دخلت سيريَا قاعة الطعام وهي تشبك ذراعها بذراع شارلوت عن قصد.
“لم أتأخّر كثيرًا، أليس كذلك؟”
رغم الأجواء الثقيلة، ابتسمت بسلاسة، فالتزم الكونت وسيدريك الصمت بوجوهٍ منزعجة.
أجلست سيريَا شارلوت أوّلًا، ثمّ جلست إلى جوارها.
وفي تلك اللحظة، وُضع طبق المقدّمات على المائدة.
وكان من المقرّر أن يليها طبق رئيسي من لحم البطّ، ثمّ حلوى تحتوي على توت العليق.
وكان توت العليق من الفواكه المفضّلة لدى شارلوت.
قالت سيريَا مبتسمةً.
“بما أنّ اليوم هو يوم عودة شارلوت، أوصيتُ الطاهي أن يولي الأمر عنايةً خاصّة.”
“تصرفٌ لا داعي له.”
ردّ الكونت ببرود.
……من قال إنّ المرء لا يبصق في وجهٍ مبتسم؟ فها هو مثال حيّ.
وبالطبع، تجاهلت سيريَا كلمات الكونت الباردة تمامًا.
كان جوّ المائدة خانقًا.
لم يفتح أحد موضوعًا غير ضروري، ولم يُسمع سوى صليل أدوات المائدة.
وعندما أُزيل الطبق الرئيسي وحان وقت الحلوى، همّ سيدريك، الذي لا يحبّ الحلويات، بالوقوف، ففتح الكونت فمه.
“سمعتُ أنّ القصر الملكي سيقيم مأدبة. وقد أرسلوا دعوة أيضًا.”
“نعم، هذا صحيح.”
“وأنتَ الآن تجاوزت سنّ الزواج، أفلا يجدر بكٕ أن تحضر المناسبات الاجتماعيّة لتبحث عن زوجةٍ مناسبةٍ؟”
لم يُجب سيدريك.
ففي الثالثة والعشرين من عمره، لم يكن يُعدّ صغيرًا في هذا العالم.
وكان أغلب النبلاء يعقدون زيجاتٍ سياسيّة لترتيب شؤون العائلة.
بل إنّ عدم وجود خطبةٍ لسيدريك وسيريَا كان هو الأمر الغريب.
‘أنا مفهوم أمري، لكن لماذا لا يواعد هذا شخصًا ما؟’
ألقت سيريَا نظرةً جانبيّة على وجه سيدريك الجامد.
غالبًا ما كان يفضّل العمل على النساء، لكن رغم ذلك، لم يكن من المعقول أن يبقى وريث العائلة بلا زوجة إلى الأبد.
وبعد تفكيرٍ قصير، وكأنّه أدرك أنّ لا مفرّ، أومأ سيدريك على مضض.
“سأخصّص وقتًا وأحضر المأدبة.”
“هذا هو الصواب. فمن الآن فصاعدًا ستكون وجه أسرة الكونت.”
نظر الكونت إلى سيدريك برضا، ثمّ حوّل بصره إلى سيريَا.
“وأنتِ أيضًا احضري مأدبة القصر الملكي، سيريَا.”
“ماذا؟”
“بلغتِ العشرين، إلى متى ستؤجّلين حفل ظهورك الاجتماعي؟”
“لا أريد، يا أبي.”
“وما السبب؟”
“لأنّي لا أريد، فحسب.”
حتى نظرات الكونت الغاضبة لم تحرّك سيريَا قيد أنملة.
قال الكونت وهو يكبح غضبه.
“فتيات النبلاء في سنّكِ كلّهنّ حضرن المآدب وتزوّجن برجالٍ لائقين. أما آن لكِ أن تتزوّجي؟”
“هل عليّ أن أفعل ذلك فقط لأنّ الجميع يفعل؟ إن عشتُ مقلّدةً الآخرين فلن أعيش عمرًا طبيعيًّا. أنا أفضل العيش مرتاحةً في الإقطاعيّة.”
“أهذا ما يُقال أمام أبيكِ؟”
“ولِمَ لا؟”
كما قال الكونت، فإنّ عدم المشاركة في المجتمع الأرستقراطي كان أمرًا قاتلًا لآنسةٍ نبيلة.
فالمجتمع هو سوق الزواج، ومن تجاوزت العشرين دون خطيب عُدّت شخصًا به عيب.
وباستثناء تغيّر طبعها في السنوات الأخيرة، لم تكن سيريَا أقلّ شأنًا من أيّ فتاة، لا مظهرًا ولا نسبًا. ولهذا ازداد قلق الكونت.
تنهد كونت ميهاتيل تنهدًا عميقًا، وظنّت سيريَا أنّه سيستسلم.
لكنّها كانت مخطئة.
“سيريَا ميهاتيل. ابقي أنتِ فقط، وليغادر الجميع.”
“……ماذا؟”
كان أمرًا مفاجئًا بالطرد.
نهض سيدريك من دون اعتراض، إذ كان ينوي المغادرة أصلًا.
أمّا شارلوت فنهضت مرتبكة، لكنّها تردّدت قبل أن تخرج.
نظرت سيريَا إلى الكونت بنظرةٍ غامضةٍ.
‘……ما الذي يفكّر فيه؟’
ولتهدئةِ شارلوت القلقة، قالت.
“يبدو أنّ لدى أبي ما يقوله لي. عودي إلى غرفتي.”
ولمّا ابتسمت سيريَا بهدوء، انسحب سيدريك وشارلوت وجميع الخدم من القاعة.
وساد الصمت المكان، كأنّ ماءً باردًا سُكب عليه.
فتح الكونت فمه بثقل.
“……سيريَا، كيف تنوين إقامة حفل الظهور الاجتماعي؟ ألم تقولي إنّكِ بلغتِ السنّ؟”
“لا أدري. أنتَ تعلم أنّي أكره ما يزعجني، يا أبي.”
قالت ذلك وهي تبتسم ابتسامةً ماكرة وتجعّد أنفها.
حاول الكونت تهدئة ما يغلي في صدره.
لم يكن الأمر أنّها ترفض الذهاب إلى المآدب مهما كان الثمن، لكنّ الحفلات كانت مرهقة حقًّا.
فالسفر إلى العاصمة يستغرق أيّامًا، ومعارك النبلاء النفسيّة قد تستنزف طاقتها في أقلّ من ساعة.
وبينما أبعدت سيريَا طبق الحلوى الفارغ، قال الكونت وكأنّه حسم أمره.
“سأعطيكِ مصروفًا.”
“ماذا تقصد؟”
“إن ذهبتِ إلى مأدبة العاصمة وأقمتِ حفل الظهور، فسأعطي تلك الطفلة…… مصروفًا تستخدمه خلال الفصل الدراسي.”
تعمّد الكونت أن يقول “تلك الطفلة” وهو يقصد شارلوت.
أي أنّه لن يكتفي برسوم الدراسة، بل سيمنحها مصروفًا أيضًا.
لمعت عينا سيريَا باهتمام.
“وكم سيكون المبلغ؟”
“مئتا ذهب.”
“اجعلها خمسمئة.”
“…….”
حدّق الكونت بها مذهولًا، فقالت من دون تراجع.
“إنّه مبلغ تنفقه فتاة نبيلة في الغربة لمدّة نصف عام. كن كريمًا واجعلها خمسمئة، يا أبي.”
وقالت ذلك وهي تبتسم بعينين ضيّقتين كقطةٍ.
كانت خمسمئة قطعة ذهب تكفي أسرةً من العامّة لسنوات، لكنها لم تكن مبلغًا هائلًا لأسرة الكونت.
انتظرت سيريَا الجواب بابتسامةٍ واثقة.
نظر الكونت إليها طويلًا بنظرة توبيخٍ عاجزة.
لم يستطع أن يفهم سبب إحاطتها بتلك الفتاة…… ولا التحوّل الذي طرأ على قلبها.
وبينما كان يكره فكرة إعطاء شارلوت المال، كان الأهمّ بالنسبة إليه إرسال ابنته الكبرى إلى المجتمع.
فرفع الراية البيضاء أخيرًا.
“حسنًا. لكن اصعدي مع سيدريك. لقد أعددتُ العربة.”
“صفقة.”
“ماذا قلتِ؟”
“قلتُ إنّي تأثّرتُ بإخلاص والدي ولا أدري كيف أردّ الجميل.”
“يبدو أنّكِ قلتِها باختصار شديد.”
رمقها الكونت بنظرةٍ منزعجة، أمّا هي فتظاهرت بالبراءة وأخفت فمها بيدها، وأرتسمتَ على شفتيها ابتسامة نصر.
* * *
تمّ الاستعداد للذهاب إلى العاصمة بسرعةٍ خاطفة.
وبعد اختيار الفساتين والحُليّ التي سترتديها خلال المآدب، وتحديد الخادمات المرافقات، جاء يوم الانطلاق.
وقفت سيريَا تراقب الخدم وهم يحمّلون الأمتعة في العربة، ثمّ التفتت إلى الخلف ونظرت إلى شارلوت.
كانت شارلوت تقف هناك ومعها حقيبة أمتعتها الخاصّة.
Chapters
Comments
- 4 منذ 9 ساعات
- 3 منذ 23 ساعة
- 2 منذ يومين
- 1 - أُخْتُ تلكَ الشِّرّيرة منذ يومين
- 0 - المقدمة منذ يومين
التعليقات لهذا الفصل " 4"