4
الفصل 4
ارتبكت إيفلين، لكنها رسمت ابتسامة اجتماعية بصعوبة.
“هل هو اجتماعٌ بين الجميع في قاعة الاجتماعات؟”
“لا، سيكون بيننا نحن الاثنين فقط.”
كان يحتفظ بابتسامة خفيفة طوال الوقت، فلم تستطع تمييز إن كان يمزح أم يتحدث بجدية.
“على الأقل… رئيسة الباحثين لدينا—”
“سينتهي الأمر وهي ترتجف، وسيتباطأ التقدم.”
“….”
“لن يستغرق الأمر طويلًا على أي حال. أنا المسؤول العام، فلا داعي للقلق.”
“إذًا… دوري هو تلخيص كلامكَ ونقله؟”
“فهمُكِ سريع.”
شرب رشفة ماءٍ ثم قال ببطء.
“الجدول ثلاثة أيام، أليس كذلك؟”
“نعم.”
أعجبه ردّها الفوري؛ لم يكن يحتمل البطء.
“في اليوم الأول، نقضي على الوحوش. واليومان المتبقيان وقت حر.”
أي أنه سينهي الوحوش الخطيرة في اليوم الأول.
يبدو أن هذا اليوم لن يكون سهلًا.
استحضرت إيفلين سجل المهمة الذي قرأته صباحًا وسألت.
“علينا أيضًا تدوين الطريقة التي ستستخدمونها للقضاء عليها.”
“أيجب تدوين شيء كهذا؟”
مال برأسه قليلًا.
“أنتم تفسرون النقوش الحجرية، وإذا انكسر الختم تختبئون خلف الفرسان. أنا أتخلص من الوحوش، ورجالي يتولون الباقي من الخلف.”
“هل تقصد أنَّ سموك ستهاجم في المقدمة بنفسك؟”
أرادت مزيدًا من التفصيل.
كان الأمر مزعجًا له، لكنه تحلّى بالصبر؛ فقد أثارت اهتمامه خلال هذا الوقت القصير.
“إذا خرج وحش من الكهف، أتولى أنا أمره. أهاجم نقاطه القاتلة أو أُصيبه إصابة بالغة. بعدها يتكفل رجالي بإنهاء البقية.”
مهما بلغت كفاءة فرسان آشفورد، لم يبلغ أحدهم نصف قدرته.
كان تقدمه للهجوم في المقدمة، أكثر فعالية. ورجاله اعتادوا ذلك.
“الأمر دائمًا نفسه.”
قالها بنبرة ملل.
صحيح أن الجميع يعتمد عليه، لكن ذلك الاعتماد بات يُثقِل عليه.
نظرت إليه إيفلين بصمت. كانت نبرته خالية من أي توقع تجاه الآخرين.
بدت عيناه… فارغة قليلًا.
ومن دون قصد، ألقت حجرًا في سكون قلبه.
“هذا قاسٍ.”
رفع نظره إليها بلا اكتراث.
لكن ما عاد إليه كان نظرة مستقيمة ثابتة. لم يستطع إبعاد عينيه عن زرقة عينيها.
“أنتَ تقوم بمعظم العمل وحدك. من الطبيعي أن يُرهق جسدك.”
“أتقلقين عليّ؟”
كان صوتها الصافي غير متوقع. وتعبيرها الصادق راق له.
ولسبب ما، راوده خاطر أن يستدرج مزيدًا من قلقها، رغم علمِه بأنه قلق عابر.
تنهد.
“لا مفر. هذا دوري.”
لو رآه رجاله بهذا الشكل لثاروا ساخرين. كان دائمًا ينجذب إلى الجديد، لكن دون أن يغرق فيه.
وما يشعر به الآن تجاهها…
مجرد فضول مؤقت.
كقط يمدّ مخلبه ليلمس كرة خيط لأول مرة.
صحيح أن حديثهما على انفراد كان ممتعًا على نحو مفاجئ،
لكنه يعرف نفسه جيدًا.
الاهتمام يتحول إلى لا مبالاة، ثم يعود الملل من جديد.
‘لا تثق بأحد… الشيء الوحيد الذي يمكنك منحه قلبك هو—’
قطع أفكاره حين عادت ذكرى قديمة تطفو.
كانت المرأة أمامه بارعة في إيقاظ ما دفنه.
أما إيفلين، فشعرت بشيء من الشفقة نحوه. ربما بسبب ملامحه التي حملت مسحةً من الحزن.
بدا أن عبء كونِه دوقًا ثقيل حقًا.
“فرسان القصر الإمبراطوري يوزّعون المهام بينهم أيضًا. لا ينبغي لك أن تتحمل كل شيء وحدك لمجرد أنك الدوق.”
“….”
لم تكن تقلق عليه بصفته دوقًا، بل بصفته إنسانًا.
كان هذا شيئاً لم يختبره منذ ولادته.
وفي اللحظة التي أدرك فيها ذلك، اتخذت إيفلين مكانًا صغيرًا في قلبه.
شعر أنه إن كان معها، فلن تكون هذه المهمة القصيرة مملّة.
فتحت إيفلين فمها بحذر.
“……أعلم أن مهارة سموّ الدوق في المبارزة عظيمة.”
‘ما بالها تتردّد هكذا؟’
أرهف الدوق سمعه، وسرعان ما تابعت حديثها.
“لديّ دواءً احتياطيًا صنعه القصر الإمبراطوري. وهناك مرهم يُطبّقُ على الجروح أيضًا.”
“وماذا بعد؟”
سأل الدوق وهو يكتم ضحكته.
“فكرت أنك قد تحتاجها. هذا هو كل ما يمكنني فعله.”
في تلك اللحظة القصيرة، بدا أنها فكّرت بطريقة لمساعدته.
وفي خضمّ ذلك، راحت تتحدث حتى عن مهارته في المبارزة خشية أن يُمسّ كبرياؤه.
“إنها المرة الأولى التي أتلقى فيها مثل هذا الاهتمام.”
بدت كلماته وكأنه متأثر حقًا، حتى إن إيفلين شكّت في سمعها.
‘أحقًا هذا هو الدوق؟ أحقًا لم يهتمّ به أحد من قبل؟’
لكن ملامحه جعلت كل شيء يبدو حقيقيًا.
تذكّرت إيفلين حكاية بطولية سمعتها في طفولتها—
قصة فارس أخفى إصابته القاتلة حفاظًا على معنويات جنوده.
ولما رأى الدوق وجهها يزداد قتامة، سألها.
“قلتِ إنك جاهلة بمجتمع العاصمة، أليس كذلك؟”
“نوعًا ما.”
“إذن أنتِ لا تعرفينني أنا أيضاً؟”
“لا، فأنت دوق آشـفورد. سمعتُ أنك أعظم فارس سحري في القارة.”
“أتعرِفين اسمي غير اسم العائلة؟”
لم تكن تعرف.
كانت في الأصل غارقةً في أبحاثها، وكان يكفي عند مخاطبة النبلاء أن يُذكر لقبهم مع اسم العائلة.
‘وهل يجب أن أعرفه من الأساس……؟’
“تتساءلين إن كان عليكِ أن تعرفيه؟”
شهقت! غطّت إيفلين فمها بيدها.
خشيت أن يكون صوت أفكارها قد خرج إلى العلن.
كانت من النوع الذي تُكتَبُ أفكاره على وجهه فورًا.
“عليكِ اكتشاف الاسم. قبل حلول المساء.”
“أهذا أيضًا من ضمن العمل؟”
“نعم، هذا واجب أُكلفكِ به بصفتي المسؤول العام.”
وما علاقة هذا بمهمة السفر؟
قرأ الدوق أفكارها، فانحنت عيناه بابتسامة لطيفة.
“ما الأمر؟ أليس هذا ممتعًا؟”
“…….”
تسارع قلب إيفلين عند ابتسامته المفاجئة.
فسرعان ما استعادت جديّتها—كانت تلك وسيلتها الدفاعية الخاصة.
ابتسم الدوق بخفّة ثم نهض ودخل إلى مقرّ الإقامة.
كان الطابق الأول، الذي عمّهُ الضجيج سابقًا، هادئًا الآن. وُضعت قطعُ أثاث احتياطية بدل الطاولة المنشقّة.
ارتسمت بوضوح صورة المرؤوسين وهم يتذمّرون حاملين الطاولة الخشبية الكبيرة.
تذكّر الدوق، ثيو آشـفورد، مائدة الطعام قبل قليل.
لم تكن جلسته مع الباحثة الجديدة، إيفلين، سيئة.
بقيت عيناها الزرقاوان اللامعتان عالقتين في ذاكرته كأثرٍ باقٍ،
وكذلك صوتها الصافي القلق عليه بصدق.
***
بعد انتهاء وقت الغداء، بدأت حملة إبادة الوحوش على نحوٍ جاد.
صعد ثيو، برفقة فرسانه وثلاثة باحثين، جبل الوحوش.
كلما اقتربوا من القمة، تكاثف الضباب. وكانت الأرض تهتزّ أحيانًا اهتزازًا خفيفًا.
تذكّرت إيفلين ما ورد في التقرير عن اضطراب طاقة الجبل.
“غريب… لم يكن الجو كئيبًا إلى هذا الحد من قبل.”
أمال أحد الفرسان رأسه حيرةً.
لكن بالنسبة للباحثين الذين يجدون صعوبة حتى في المشي، لم يكن الطقس يهمهم بقدر التعب.
فشتّان بين لياقة الفرسان الذين يتدرّبون جسديًا يوميًا، ولياقة الباحثين المنغمسين طوال اليوم على العمل في الداخل.
كانت إيفلين، التي اعتادت الركض في الحقول، أفضل حالًا نسبيًا.
لكن مع اشتداد الانحدار، انزلقت قدمها.
“انتبهي.”
أسندها ثيو بخفّة من ظهرها.
ومع اقتراب المسافة بينهما، شدّت إيفلين ملامحها من جديد.
‘الجدّية… الجدّية…!’
اتسعت عيون الفرسان الذين كانوا يراقبون.
“هل كان يعرف كيف يبدي اهتماماً كهذا؟”
تجاهل ثيو تعليقهم وهمس لإيفلين.
“ألن تقلقي عليّ اليوم؟”
“المعذرة؟”
رفعت إيفلين عينيها بدهشة وهي توشك أن تشكره.
أليس من المفترض أن يفعل الفرسان ذلك؟
ثم أدركت فجأة أنه، بصفته قائدًا، لا يستطيع إظهار ضعفه أمام مرؤوسيه.
ترددت قليلًا، ثم همست.
“لا تُرهق نفسك.”
خفضت صوتها خشية أن يسمعها أحد.
“سآخذ كلامكِ بعين الاعتبار.”
ارتسمت ابتسامة على شفتي ثيو، وخطف بريق عينيه المبتسمتين أنظارها.
ثم ترك إيفلين الشاردة وسار متقدمًا.
توقفت إيفلين لحظة تنظر إلى ظهره.
منذ لقائهما الأول، كان شخصًا يخلّف أثرًا غريبًا في النفس.
يختفي دائمًا أولًا، لكنه يترك أثرًا عميقًا خلفه…
‘كفى، لا داعي للتفكير أكثر. لن يجمعنا شيء بعد الآن!’
هزّت رأسها بخفّة.
فمصير علاقتِها بالدوق أن تنتهي مع نهاية هذه المهمة.