1
الفصل 1
المقدّمة
“أخبرينـي يا إيفلين. لماذا تخلّيتِ عني؟”
دوّى صوت الدوق المتألم في أرجاء المكان.
كان صوته مبالغًا فيه بما يكفي ليسمعه الجميع، أشبه بممثلٍ مسرحي في دورٍ مأساويّ.
شهق كل من كان جالسًا.
إنه دوق آشـفورد، الذي لم يكن مكترثًا لا بالمنطق، ولا حتى بالبشر.
لكنَّ هيئته الآن لم تكن سوى هيئة رجلٍ محطمٍ بعد حبٍّ خائب.
كانت إيفلين في غاية الحرج.
لماذا أتيتَ باحثًا عني أصلًا!
اتّسعت عيناه كما لو أنه أدرك شيئًا.
“لا تقولي إنكِ… منذ البداية، كنتِ تطمعين في جسدي فقط…!”
لا، هذا لا يُحتمل! إنه أكثر جنونًا مما توقعت!
كانت إيفلين مختبئةً منه، لكنها خرجت مسرعةً من خلف خزانة الكتب.
إن بقيتْ هكذا فستنتشر شائعة أكبر بلا شك.
تجهم وجهها وهي تفكر أن كل الوقت الذي بذلته لتُنهي الأمر معه قد راحَ هباءً.
وحين اندفعت نحوه، طوى الدوق عينيه بابتسامة لطيفة كأن شيئًا لم يكن.
اختفت لمعة الضحك من عينيه في لحظة، ولم يبقَ سوى رجلٍ مظلوم.
همست إيفلين على عجل محاولةً كتم فمه.
“ما الذي تفعلُه حقًا! أتيتَ حتى هذا المكان…!”
“لا بأس، فمن الطبيعي أن يتشبث الرجل بالمرأة التي يحبُّها.”
“حتى لو كان الأمر كذلك، لكلِّ مقامٍ مقال!”
صحيح.
هذا المكان هو أول وظيفة لإيفلين: معهد أبحاث التاريخ الإمبراطوري.
كان رؤساؤها يخشون ظهور دوق آشـفورد، لكنهم كانوا يرمقون المكان بنظرات فضولية.
أجاب الدوق بوجهٍ يفيض مرارة.
“أأبقى صامتًا؟ وأنتِ تتهربين مني منذُ نصفِ شهرٍ كامل؟”
“ذ، ذلك…”
“أنا حقًا… في تلك الليلة، منحتكِ كلَّ ما أملكُ…”
وضع الدوق يده على صدره.
من يراه قد يسيء الفهم ويظن أن أمرًا جللًا قد وقع.
تظاهر الباحثون بالانشغال بعملهم، لكن آذانهم كانت مصغية.
تبادلوا الإشارات بالنظر مع زملائهم وركزوا على كل كلمة ينطق بها الدوق.
المعهد الذي كان هادئًا دائمًا أصبح فجأة حديثَ الساعة.
تفقدت إيفلين المكان حولها بارتباك، وقد صارت في لحظة ‘قمامة’ هربت بعدما جعلت رجلًا يبكي.
“لنخرج ونتحدث، من فضلك!”
“يمكنُنَا التفاهمُ أخيرًا.”
ابتسم الدوق وأمسك بيد إيفلين.
كانت لمستُه حنونةً على نحوٍ غريب، رغم أنه ورَّطها بهذا المأزق.
تمتم بلحنٍ خفيف وكأن الوقت الذي سيقضيه معها على انفراد قد طال انتظاره.
المتألمة الوحيدة كانت إيفلين.
‘ماذا سأقول للباحثين الأكبرِ لاحقًا…’
كانت القبلة التي انجرفا إليها بفعل الأجواء شديدة العذوبة.
لكن الخطأ يظل خطأً.
فارق المكانة الاجتماعية كان مشكلة، كما أنها لم ترغب في التورط في الشائعات التي تحيط بالدوق.
ظنّت أنّه يفكر بالطريقة ذاتها، وأنَّه لن يكون بينهما لقاء آخر.
لكن منذ ذلك اليوم، أخذ الدوق يبحث عنها بإصرار.
‘ماذا أفعل…’
وفي تلك الأثناء، خيّم الصمت على المعهد.
حتى بعد مضي وقت طويل على اختفائهما، ظل الجميع واقفين بوجوهٍ شاردة.
من كسرت الصمت كانت الباحثة الرئيسية، كاثرين.
“الذي رأيناه للتو… كان دوق آشفورد، صحيح؟”
“نعم، ذلك المجنون…”
كان الأمر لا يُصدّق.
“لكن لماذا يفعل هذا مع موظفتنا الجديدة…؟”
“لماذا يتصرف هكذا مع إيفلين؟ أحقًا كانت تطمع في جسد الدوق؟”
“مستحيل. أهي من هذا النوع من الناس؟”
مهما فكَّروا، لم يجدوا جوابًا.
ما الذي حدث بين الباحثة الجديدة القادمة من الريف، وأعظم سيافٍ سحري في القارة؟
***
كانت حياةُ إيفلين هادئةً ومسـالمة.
وُلدت في إقطاعية أدريان البعيدة عن العاصمة، وتخرجت من أكاديمية هناك.
وإن سُمّيت أكاديمية، فحجمها كان أقرب إلى ديرٍ صغير.
لم يكن فيها سكن داخلي، وكانت تذهب وتعود من منزلها يوميًا، كما كان الأساتذة يتبعون أسلوبًا حرًا في التدريس.
كان والد إيفلين بارونًا بلا إقطاعية فعلية، ولم يكن حولهم سوى الجبال والسهول.
كانت أقرب إلى الطبيعة من آداب المجتمع الأرستقراطي.
ومنذ صغرها كانت تركض مع أصدقائها، وشعرها الوردي المنسدلُ يتطاير مع النسيم العليل.
وعندما بلغت سن الرشد، كانت تمضي أيامها تراقب المزرعة التي يملكها والداها، وتدرس تخصصها في اللغات القديمة.
وذات يوم، عرض عليها أستاذها — الذي رأى في موهبتها ما لا ينبغي إضاعته — اقتراحًا.
‘إن أصبحتِ باحثة في القصر الإمبراطوري، فستتمكنين من دراسة اللغات القديمة كما تشائين!’
كانت مساعدات التدريس الأكبر سنًا، بعيونٍ مرهقة، قد قلن لها يومًا إنَّ كلماتِ الأساتذة المعسولة يجب الحذر منها دائمًا.
لكنّ إيفلين، وقد أغراها العرض، تقدمت للامتحان، وأصبحت باحثة في التاريخ الإمبراطوري.
قبل مغادرتها إلى العاصمة، أوصتها والدتُها بوجهٍ بالغ الجدية.
‘أنا شديدةُ القلق عليكِ جدًا.’
‘لا تقلقي، سأدبّرُ أموري وأبقى سالمةً معافاة.’
‘ليس هذا ما أقصده… أخشى أن تصادفي وسيمًا ما في مكانٍ ما فتُفتَني به تمامًا.’
تنهدت والدة إيفلين وهي تنظر إلى زوجها.
‘ولِمَ ذلك يا عزيزتي؟’
تلألأت ملامح الأب وهو ينظر إلى زوجته بوجهٍ لا يدري شيئًا.
قالت إيفلين ضاحكة.
‘أنا لست مثل أمي. لن أنهار أمام وسامة رجل وأتزوجه فورًا.’
حتى والدة إيفلين، المعروفة بدقتها في كل شيء، لم تستطع مقاومة الحُبّ.
ففي شبابها وقعت في حب والد إيفلين من النظرة الأولى، وأقامت حفل الزفاف على الفور.
لحسن الحظ كان زوجها رجلًا طيب القلب، إلّا أنَّه لا يمكن الحكم على حظّ إيفلين.
‘أخشى أنكِ قد تشبهينني.’
‘اطمئني. لم يحدث شيء حتى الآن، أليس كذلك؟’
ابتلعت الأم كلماتها: لأنه لا يوجد من هو أوسم من أبيكِ…
ثم ابتسمت بصعوبة وودّعت ابنتها.
الجهة التي انضمت إليها كانت قسم تفسير اللغات القديمة التابع لمعهد أبحاث التاريخ الإمبراطوري.
وعلى عكس ما قاله والداها عن أن العاصمة مكانٌ فوضوي وخطر، فقد أحسن الجميع معاملتها.
فاللغات القديمة لم تكن تخصصًا محبوبًا، ولذلك لم ينضم موظف جديد منذ سنوات.
لهذا السبب، عاملها جميع من هم أكبر منها بتقدير.
وفوق ذلك، لم يكن هناك رجلٌ يلفت النظر كما كانت تخشى والدتها.
كان أهل العاصمة أكثر أناقة، لكن هذا كل ما في الأمر.
‘يبدو أنني لا أشبه أمي!’
وكان من حسن حظها أنها استطاعت التركيز في عملها.
أيامٌ متتابعة من الهدوء والسلام، كما في مسقط رأسها.
وهكذا مرّ شهرٌ تقريبًا، واقتربت أول مهمة ميدانية لإيفلين.
ربّتت الباحثة الرئيسية كاثرين على كتفها وابتسمت بلطف.
“لا تبذلي جهدًا فوق طاقتكِ. كونكِ مستجدّة، فما أنتِ هنا إلاَّ لاكتساب الخبرة فقط.”
“نعم، سأبذل جهدي!”
فضحك الجميع من حماسة الموظفة الجديدة.
“إذا ظهر وحشٌ سحري فابتعدي فورًا. لن نضطر للاقتراب منه غالبًا.”
كانت مهمة الباحثين بسيطة.
التوجه إلى الشمال وفكّ ختم اللوح الحجري الذي سُجنَ به وحشٌ سحري مؤقتًا.
يفسّرون النص القديم، ويُزال الختم عن اللوح، فتخرج الوحوش المحتجزة، ويتولى فرسان القصر الإمبراطوري القضاء عليها.
فبسبب القوة السحرية الهائلة المنبعثة من جبل الوحوش، تزداد قوة الوحوش المختومة تدريجيًا.
وقد يؤدي تضخم قوّتها إلى تحطم اللوح الحجري، لذا تُنفَّذ حملة القضاء عليها كل ربيع.
كان الفريق المرافق يتكوّن من ثلاثة أشخاص، كاثرين، أوليفر وإيفلين.
حملوا أمتعةً خفيفة، وتوجهوا إلى البوابة الموجودة في الطابق السفلي لوزارة السحر.
“إنها أول مرة أنتقلُ فيها عبر البوابة!”
تلألأت عينا إيفلين الزرقاوان، فابتسمت كاثرين ابتسامة دافئة.
تلك النضارة التي لا تُرى إلاَّ في الموظفين الجدد.
‘ستصبح مثل أوليفر في النهاية…’
نظرت لحظةً إلى أوليفر؛ كانت عيناه فارغتين تمامًا.
لم يكن فيهما سوى رغبةٍ واحدة: انتهاء الدوام.
وبينما ظنت كاثرين أن المهمة ستكون كسابقاتها، دوّى خبرٌ كالصاعقة.
ركض باحثٌ من قسمهم ذاته نحوهم.
“سيدتي الباحثة الرئيسية، حدث أمرٌ خطير!”
“ما الأمر؟”
“الطاقة المحيطة بجبل الوحوش هذه المرة غير اعتيادية! لذلك، بدلًا من فرسان القصر الإمبراطوري، طُلبت مساعدة خارجية…”
“خارجية… مثل المرة السابقة؟”
شحُب وجه كاثرين.
وحتى عينا أوليفر الخاليتان امتلأتا بالخوف.
وخلف إيفلين، التي ارتسمت على وجهها علامات الحيرة، دوّى صوت خطواتٍ ثقيلة.
كان فرسانٌ مدرّعون يتقدمون. بدوا نحو خمسة أو ستة.
لكن اللافت كان الرجل الذي يقودهم.
قوامٌ طويل ضخم، يضطر المرء لرفع رأسه طويلًا لينظر إليه، وهيبة فطرية تشد الأنظار.
شعرٌ أسود ناعم ينسدل فوق عينين باردتين، يتناقض مع انحناء شفتيه الناعم.
أما عيناه البنفسجيتان فأضفتا إليه غموضًا جذّابًا.
“……”
ولأول مرة، فهمتْ معنى أن ينجرف المرء دون مقاومة.
إيفلين، التي لم يكن لها نوعٌ مفضل في الرجال، اكتشفت فجأة ذوقها.
‘أمي…!’
لقد وقعتُ في ورطة! كنتِ على حق!
كان شعورًا جديدًا وغريبًا.
مجرد النظر إليه كان يمنحها إحساسًا بالاكتفاء.
وفوق ذلك، لم يتجنب الرجل نظراتها، بل قابلها مباشرة.
“يالهُ من نوعٍ جديدٍ مِن التّحية.”
قال ذلك لإيفلين التي كانت تقف في طريقه.
“مرحبًا.”
ثم انحنت عيناه بابتسامة لطيفة.
وعند ابتسامته المشرقة، تجمد جسدُ إيفلين تمامًا.
التعليقات لهذا الفصل " 1"