4
## الفصل الرابع
“بالطبعِ، يمكنُكِ المجيءُ لاحقاً عندما تصلُكِ دعوةٌ رسميةٌ.”
أجابت المربيةُ بهذا الردِّ الدبلوماسيِّ فقط لتهدئتي، خوفاً من أن ينعكرَ مزاجي الذي طابَ بصعوبةٍ.
“سأطلبُ من إخوتي أن يرافقوني!”
تظاهرتُ بالبراءةِ وأنا أقولُ ذلكَ، فلاحظتُ ارتعاشَ الخادمةِ من حولي.
ربما تظنُّ أنَّني طفلةٌ لا تفقهُ شيئاً، لكنَّها تعلمُ أنَّ النبلاءَ الشبابَ قد يأتونَ إلى هنا فعلاً إذا ألحتْ عليهم شقيقتُهم الصغرى، وغالباً ما تتحولُ تلكَ “الظنونُ” إلى حقيقةٍ ومشاكلَ كبيرةٍ.
أنا في السادسةِ، ومربيتي من طبقةِ النبلاءِ الدنيا، لذا لا يمكنُنا محاسبةُ خدمِ القصرِ المهجورِ رسمياً على إهمالِهم. لكنْ، إذا علمَ إخوتي الذين بدأوا يتدخلونَ في شؤونِ العائلةِ، فستكبرُ المشكلةُ جداً.
‘الإمبراطورُ رجلٌ ضعيفٌ.’
ضعيفٌ لدرجةِ أنَّهُ لم يستطعْ احتضانَ ابنهِ الذي ظنَّ أنَّهُ ملعونٌ، ولم يستطعْ أيضاً التخلصَ منهُ.
كانَ كلُّ ما يرجوهُ هو أن يعيشَ ليونهارت بهدوءٍ وكأنَّهُ غيرُ موجودٍ، ولم يكنْ يرغبُ أبداً في أن يُعاملَ ابنهُ بكلِّ هذا الإزدراءِ.
“متى سيأتونَ؟ غداً؟ أم الأسبوعَ القادمَ؟”
تظاهرتُ بالتفكيرِ في اليومِ الذي سيكونُ فيهِ إخوتي متفرغينَ، بينما كانت الخادمةُ تتفحصُ غرفةَ ليونهارت الفوضويةَ بقلقٍ وتعضُّ شفتها السفلى بتوترٍ. الآن، سيعملُ خدمُ هذا القصرِ بحذرٍ لفترةٍ من الوقتِ، سيقومونَ بالتنظيفِ وسيقدمونَ وجباتٍ لائقةً.
بما أنَّني لا أزالُ في السادسةِ، كانَ هذا أقصى ما يمكنني فعلُهُ.
‘ومع ذلكَ، فقد جئتُ لإنقاذِكَ أبكرَ من المرةِ السابقةِ، لذا عليكَ أن تشكرني.’
غمزتُ لليونهارت غزةً خفيفةً لا يراها غيرُهُ، لكنَّهُ رمشَ بعينيهِ وكأنَّهُ لم يفهمْ قصدي. يبدو أنَّهُ عندما صغرَ في السنِّ، فقدَ قدرتهُ على فهمِ الإشاراتِ أيضاً. شعرتُ بضيقٍ طفيفٍ لكنني حافظتُ على ابتسامتي حتى النهايةِ، لأنَّ رؤيتهُ مجدداً قد تستغرقُ وقتاً طويلاً.
وبينما كنتُ أغادرُ القصرَ، شعرتُ بنظراتٍ مألوفةٍ تتبعُ أثري من الخلفِ.
—
بمجردِ أن ابتعدنا عن قصرِ ليونهارت، بدأت المربيةُ في إلقاءِ النصائحِ. حافظتْ على ابتسامتِها الرقيقةِ والأنيقةِ، لكنَّ صوتَها كانَ منخفضاً لا يسمعهُ غيري وأنا أمسكُ يدَها.
“آنستي، إذا ركضتِ وحدَكِ هكذا مرةً أخرى، فقد تبكي مربيتُكِ من شدةِ الحزنِ.”
لو رآنا شخصٌ من بعيدٍ لا يسمعُ صوتَنا، لظنَّ أنَّنا نتبادلُ حديثاً دافئاً للغايةِ. كانت المربيةُ تشبهُ السيداتِ الرقيقاتِ ذواتِ الحسِّ المرهفِ، لكنَّها في الحقيقةِ كانت امرأةً قويةً وذاتَ عزيمةٍ.
‘في حياتي السابقةِ، لم أرَها تبكي إلا مرةً واحدةً.’
كانَ تهديدُها بالبكاءِ مجردَ وسيلةِ توبيخٍ تناسبُ عقلي كطفلةٍ في السادسةِ، لذا اكتفيتُ بالوعدِ بهدوءٍ بأنني لن أفعلَ ذلكَ ثانيةً.
“لقد كانتْ مرةً واحدةً فقط. لن أفعلَها مجدداً، أعدُكِ. هذا عهدٌ!”
المرةُ الوحيدةُ التي رأيتُ فيها دموعَ المربيةِ في حياتي السابقةِ، كانت عندما وقعتُ في مكيدةِ وليِّ العهدِ وكنتُ على وشكِ الموتِ، فضحَّت بنفسِها لإنقاذي، وكانت دموعُها حينَها دموعَ راحةٍ لأنني نجوتُ.
عندما رأتني المربيةُ وقد انكسرَ خاطري، رقَّ قلبُها. جلستْ على ركبتيها لتكونَ في مستوى نظري، ثمَّ ضمتني وهي تبتسمُ.
“آنستي الصغيرةُ، كم أصبحتِ رصينةً.”
“هل بدوتُ مثلَ الأختِ الكبرى؟”
“نعم، يبدو أنَّكِ مستعدةٌ للذهابِ إلى الأكاديميةِ قريباً.”
استمتعتُ بدفءِ حضنِ المربيةِ وكأنني لم أعانقْها منذُ زمنٍ طويلٍ، وظللتُ أتدللُ عليها حتى شعرتْ هي بالتعبِ في ساقيها وحاولتْ إبعادي بلطفٍ.
ضمتتُها بقوةٍ أخيرةٍ قبلَ أن أتركَها.
“مربيتي، استمعي إليَّ.”
همستُ في أذنِها:
“أعتقدُ أنَّ من الجيدِ حقاً أنني في السادسةِ.”
لأنني استطعتُ إنقاذَكِ، واستطعتُ أيضاً إنقاذَ ليونهارت في وقتٍ أبكرَ. ضحكت المربيةُ من كلامي المفاجئِ، لكنَّني كنتُ صادقةً تماماً.
—
يبدو أنَّ وليَّ العهدِ كانَ مشغولاً بأمرٍ آخرَ، لذا استطعتُ أنا والمربيةُ التجولَ في حديقةِ البحيرةِ بهدوءٍ دونَ أن نقابلَ أحداً.
“أزهارُ الهيدرانجيا جميلةٌ حقاً.”
“معكِ حقٌّ.”
‘هذا المكانُ جميلٌ فعلاً.’
الحديقةُ لا ذنبَ لها. وبما أنَّ المربيةَ بدتْ معجبةً بالمكانِ، فقد أطلتُ التنزهَ هناكَ قليلاً كنوعٍ من الإعتذارِ لها.
“يا إلهي، آنستي. ألم تتعبي؟”
سألت المربيةُ عندما لاحظتْ أنني مشيتُ لفترةٍ أطولَ من المعتادِ، فأنا لم أكنْ طفلةً نشيطةً جداً.
“لا! لستُ متعبةً أبداً.”
هززتُ رأسي بقوةٍ مؤكدةً أنني بخيرٍ.
“حقاً؟ إذا تعبتِ، عليكِ أن تخبري مربيتَكِ فوراً.”
“أنا بخيرٍ حقاً حقاً!”
في الواقعِ، لم تكنْ لياقتي البدنيةُ عاليةً جداً وكنتُ أصابُ بوعكاتٍ صحيةٍ بسيطةٍ، لكنني كنتُ بصحةٍ جيدةٍ إجمالاً.
ومع ذلكَ، في حياتي السابقةِ، كنتُ أتظاهرُ بالنومِ أو التعبِ كلما أردتُ البقاءَ وحدي، مما أعطى الجميعَ انطباعاً بأنني ضعيفةُ البنيةِ، وجعلَ عائلتي تفرطُ في حمايتي.
‘هذهِ المرةُ، سأكونُ طفلةً متمتعةً بصحةٍ جيدةٍ.’
“أنا سعيدةٌ جداً، لذا لستُ متعبةً على الإطلاقِ!”
قلتُ ذلكَ بنشاطٍ وأنا أخططُ لتغييرِ صورتي أمامَ الجميعِ. ابتسمت المربيةُ وهي ترى حماسي الزائدَ.
“ولكنني أشعرُ ببعضِ التعبِ. هل يمكنُنا العودةُ الآنَ؟”
اقترحت المربيةُ العودةَ وهي تدلكُ ساقيها بلطفٍ.
في الحقيقةِ، كنتُ أنا أيضاً قد بدأتُ أشعرُ بالتعبِ. فرغمَ أنني عشتُ في القصرِ وزرتُ هذا المكانَ عشراتِ المراتِ، إلا أنَّ التظاهرَ بأنني أراهُ لأولِ مرةٍ وبكلِّ هذا الذهولِ كانَ يستهلكُ طاقتي.
“ممم…… حسناً، هيا بنا!”
تظاهرتُ بالتفكيرِ لبرهةٍ كي أتقنَ دورَ ابنةِ الستِّ سنواتِ، ثمَّ أجبتُ:
“سنعودُ فقط لأنَّ مربيتي متعبةٌ!”
أمسكتُ بيدِها وظللتُ أتحدثُ بزهوٍ وهي تضحكُ وتجاريني في الحديثِ.
“آنستي هي الأفضلُ دائماً.”
ظللتُ أتحدثُ مع المربيةِ طوالَ طريقِ العودةِ.
‘التظاهرُ بأنني في السادسةِ أمرٌ مرهقٌ حقاً.’
عندما وصلنا إلى المنزلِ، كنتُ أنا ومربيتي في غايةِ الإرهاقِ. شعرتُ بتعبٍ شديدٍ، وقررتُ تأجيلَ خطةِ “الطفلةِ الصحيحةِ” إلى الغدِ.
“أشعرُ بالنعاسِ، يا مربيتي.”
لم يكن من السهلِ على جسدِ ابنةِ الستِّ سنواتِ مقاومةُ النومِ. وبمجردِ أن أدركتُ رغبتي في النومِ، بدأت عينايَ تنغلقانِ تلقائياً.
“لا يزالُ هناكَ وقتٌ قبلَ العشاءِ. ما رأيُكِ في الإغتسالِ ثمَّ أخذِ قيلولةٍ؟”
رغمَ أنَّ الإغتسالَ كانَ أمراً مزعجاً، إلا أنني أومأتُ برأسي. استدعت المربيةُ الخادماتِ المسؤولاتِ عني.
“آنستي، الإغتسالُ بالماءِ الدافئِ سيجعلُ مزاجَكِ أفضلَ.”
“هل أصنعُ لكِ بعضَ الفقاعاتِ؟”
بعدَ أن انتهت الخادماتُ من تنظيفي وهنَّ يحاولنَ تدليلي، شعرتُ بخمولٍ أكبرَ. كانَ يكفي أن يلمسَ رأسي الوسادةَ لأنامَ فوراً. حملتني المربيةُ وهي تراني أمشي وأنا أترنحُ من النعاسِ.
“قد تتعثرينَ وتسقطينَ.”
لو لم تحملني المربيةُ، لكانَ السقوطُ هو النتيجةَ الحتميةَ. حملتني إلى غرفةِ النومِ ووضعتني على السريرِ وغطتني بلحافٍ ناعمٍ، وكانَ هذا آخرَ ما أتذكرُهُ.
عندما رأت المربيةُ أنني غرقتُ في النومِ، تركتني بعهدةِ الخادماتِ واختفتْ. شعرتُ بحدسٍ سيءٍ لكنني كنتُ غارقةً في النعاسِ، وهذا ما أدى إلى فشلي.
—
“آنستي، هل استيقظتِ؟”
كنتُ أتقلبُ في فراشي وأنا أحاولُ الإستيقاظَ بصعوبةٍ، عندما سألتني “آنا”، خادمتي الخاصةُ، بلطفٍ.
“أجل.”
أجبتُ بصوتٍ لا يزالُ يغلبُ عليهِ النعاسُ، فضحكت آنا بهدوءٍ، ثمَّ ألقت عليَّ خبراً كالصاعقةِ:
“آنستي، هل يمكنكِ البقاءُ وحدَكِ لبرهةٍ؟”
“أجل، ولكنْ لماذا؟”
“لقد طلبت السيدةُ إخبارَها بمجردِ أن تستيقظي.”
يبدو أنَّ قدرتي على استشعارِ الخطرِ قد استيقظتْ هي الأخرى. نهضتُ فجأةً وجلستُ على السريرِ وقد طارَ النومُ من عينيَّ.
“أمي؟ لماذا؟”
“لا أعلمُ، لم تخبرني بشيءٍ محددٍ.”
سألتُ بقلقٍ، فهزت آنا رأسَها بعدمِ معرفةٍ. لكنَّ حدسي كانَ يصرخُ بداخلي: المربيةُ لابدَّ وأنَّها أبلغت أمي بكلِّ ما حدثَ اليومَ.
خلافاً لوالدي الذي كانَ يتساهلُ معي دائماً، كانت أمي صارمةً جداً وتوبخني كلما أخطأتُ. ورغمَ أنَّ أسلوبَ تربيتِها كانَ صحيحاً لبناءِ شخصيتي، إلا أنني حتى بعقلِ ابنةِ الأربعِ والعشرينَ، كنتُ أكرهُ التعرضَ للتوبيخِ.
‘ليتني لم أنمْ.’
كانَ عليَّ أن أبقى ملتصقةً بالمربيةِ. لكنَّ الندمَ لا ينفعُ عندما يفوتُ الأوانُ.
‘الحرمانُ من الوجباتِ الخفيفةِ لبضعةِ أيامٍ مقابلَ رؤيةِ ليونهارت قبلَ عامينِ من موعدِنا الأصليِّ، هي مقايضةٌ ليستْ سيئةً.’
حاولتُ تهدئةَ نفسي ونهضتُ ببطءٍ من السريرِ.
“سأذهبُ إلى أمي بنفسي.”
أردتُ إنهاءَ الأمرِ بسرعةٍ والحصولَ على التوبيخِ الموعودِ.
“هل ستفعلينَ ذلكَ؟”
رتبت آنا شعري الذي تبعثرَ بسببِ النومِ وربطتْهُ بشكلٍ جميلٍ.
“أجل.”
كانت خطواتي ثقيلةً جداً.
—
المترجمة:«Яєяє✨»
التعليقات لهذا الفصل " 4"