2
## الفصلُ الثَّاني
ركضتُ فجأةً وبسرعةٍ كبيرةٍ كما يفعلُ الأطفالُ عادةً. وبالطبعِ، كانَ اتجاهي نحو القصرِ المنفصلِ المهجورِ حيثُ يتواجدُ ليونهارت.
“آنسة! إلى أينَ تذهبينَ!”
سمعتُ المربيةَ المذعورةَ وهي تنادي عليَّ، لكنني تجاهلتُها.
‘آسفةٌ يا مربيتي.’
بدأت المربيةُ المرتبكةُ تركضُ خلفي متناسيةً وقارَها، لكنَّ جهودَها ذهبتْ سدىً. فقد كنتُ أعرفُ كلَّ المسالكِ والطرقِ المختصرةِ السّريةِ المؤديةِ إلى القصرِ المهجورِ بفضلِ تردُّدي عليهِ كثيراً في حياتي السابقةِ. ركضتُ بجدٍّ كأرنبٍ يتنقلُ في جُحرهِ.
*فـوو، فـوو.*
وأخيراً، وصلتُ إلى غرفةِ ليونهارت دونَ أن تُمسكَ بي المربيةُ، وفي اللحظةِ التي التقتْ فيها عينايَ بعينيهِ، أدركتُ شيئاً:
‘ماذا؟ لماذا يبدو سعيداً برؤيتي؟’
ألسنا نلتقي للمرةِ الأولى؟ هل يُعقلُ؟
—
مرَّ أسبوعٌ منذُ عودتهِ فجأةً إلى أيامِ طفولتهِ.
كانَ ليونهارت يلوحُ بغصنِ شجرةٍ التقطهُ من الحديقةِ سرّاً وكأنهُ سيفٌ، لكنهُ توقفَ عندما شعرَ بوقعِ أقدامٍ تقتربُ من غرفتهِ.
‘هل الخادمةُ التي تُحضرُ الطعامَ جاءتْ مبكرةً اليومَ؟’
كلا. وقعُ الأقدامِ كانَ أخفَّ وأكثرَ حيويةً من وقعِ أقدامِ الخادمةِ. وكأنَّ طفلاً هو من يركضُ.
‘مَنْ تراهُ يكونُ؟’
رمى ليونهارت غصنَ الشجرةِ في زاويةٍ تحتَ السريرِ، ثمَّ تسلقَ فوقَ السريرِ وجلسَ.
كانَ الصعودُ إلى السريرِ مجهوداً شاقّاً بسببِ قصرِ ساقيهِ. وفي اللحظةِ التي كادَ فيها ليونهارت يزفرُ تنهيدةً عميقةً لا تناسبُ الأطفالَ، فُتحَ البابُ.
‘ميلا؟’
كانت هي ميلا التي لم يَرها منذُ أسبوعٍ. اتسعت عينا ليونهارت من شدةِ الفرحِ.
‘كنتُ أظنُّ أنني لن ألتقيَ بها إلا بعدَ عامينِ على الأقلِ.’
ارتجفَ خداهُ الناعمانِ وارتفعَ طرفا شفتيهِ. ورغمَ أنهُ لا يستطيعُ التظاهرَ بمعرفتها لئلا تُصدمَ، إلا أنَّ مجردَ رؤيةِ ميلا في سنِّ السادسةِ جعلهُ يشعرُ بالسعادةِ.
بالنسبةِ لليونهارت الذي يملكُ عقلَ رجلٍ بالغٍ، كانَ هذا الأسبوعُ مرهقاً للغايةِ، لذا شعرَ وكأنهُ تلقى هديةً. ولكنْ كلما طالتْ مدةُ تلاقي أعينهما، تجمدتْ تعابيرُ ميلا. وكأنها شخصٌ في حالةِ ذهولٍ شديدٍ.
‘أوه، لقد أخطأتُ.’
خفضَ ليونهارت عينيهِ بهدوءٍ. فميلا ذات الثمانِ سنواتٍ لم تكنْ تخافُ من عينيهِ منذُ البدايةِ، لكنَّ ميلا التي أمامهُ الآنَ في السادسةِ.
والأطفالُ في السادسةِ غالباً ما يكونونَ أكثرَ خوفاً مِمَّا يكونونَ عليهِ في الثامنةِ.
‘هل ستذهبُ وتتركُني لأنني أخفتُها؟’
رغمَ أنَّ جسدَهُ أصبحَ في الرابعةِ، إلا أنَّ مشاعرهُ بدتْ وكأنها صغرتْ أيضاً؛ فقد شعرَ بحزنٍ شديدٍ لمجردِ تخيلِ أنها قد تصرخُ خوفاً منهُ.
لدرجةِ أنَّ عينيهِ اغرورقتا بالدموعِ من مجردِ التفكيرِ في الأمرِ.
لكنَّ ليونهارت كبحَ دموعَهُ بكبرياءِ الرجالِ. أو هكذا حاولَ. لكنَّ الدموعَ التي لا تعرفُ الخجلَ بدأتْ تتجمعُ في عينيهِ. كانت تلك هي حدودُ جسدهِ الصغيرِ.
‘سحقاً.’
شتمَ ليونهارت في سرِّهِ بكلماتٍ لم يكنْ يستخدمُها عادةً، ورمشَ بعينيهِ لتسقطَ الدموعُ. حينها، سمعَ صوتَ خطواتٍ قويةٍ تقتربُ.
اقتربت الخطواتُ أكثرَ فأكثرَ حتى ظهرَ حذاءُ “ماري جين” في مجالِ رؤيتهِ.
“يا أنتَ!”
جذبت ميلا خصلةً من شعرهِ بخفةٍ، وكأنها تأمره برفعِ رأسهِ.
“مؤلمٌ…….”
رفعَ ليونهارت رأسهُ مستجيباً للمسةِ ميلا التي بدتْ عابسةً تماماً، وأطلقَ ردةَ فعلٍ متأخرةً. في الحقيقةِ، لم يكن الأمرُ مؤلماً، لكنهُ كانَ يتصنَّعُ الدلالَ؛ لأنهُ كانَ يشعرُ ببعضِ المرارةِ في تلك اللحظةِ.
رسمت المفاجأةُ وجهَ ميلا، وبدأت تمسحُ على شعرهِ الفضيِّ الذي فقدَ بريقهُ وأصبحَ خشناً.
“آسفةٌ.”
عندما رأى ليونهارت عينيها الخضراوينِ المليئتينِ بالشعورِ بالذنبِ، ابتسمَ بوهنٍ وهو يفكرُ أنَّ ميلا كانت عطوفةً حتى وهي في السادسةِ.
حينها، بدأت ميلا تتفحصُ كلَّ ركنٍ في وجهِ ليونهارت بنظراتٍ دقيقةٍ.
احمرَّ وجهُ ليونهارت وهو يفكرُ في مظهرِهِ الرثِّ.
ورغمَ أنهُ حاولَ جهدهُ، إلا أنَّ حدوده الجسديةَ جعلت من المستحيلِ عليهِ أن يغتسلَ جيداً بمفردهِ. ولم يكن هناك من يرعاهُ في هذا القصرِ المهجورِ.
‘لو كنتُ أعلمُ أنَّ ميلا ستأتي، لكنتُ غسلتُ نفسي جيداً بأيِّ طريقةٍ.’
شعرَ بالقلقِ من أن تفوحَ منهُ أيُّ رائحةٍ كريهةٍ. لكنَّ كلماتِ ميلا التاليةَ جعلتْ ندمهُ البسيطَ يتبخرُ فوراً.
“……هل أنتَ أرنبٌ صغيرٌ؟”
لقد كان هذا لقباً سرِّيّاً بينهما، توقفَ عن استخدامهِ بعدَ أن كبرَ لأنهُ كانَ يكرهُهُ. اتسعت عينا ليونهارت من شدةِ المفاجأةِ، بينما لمعت عينا ميلا بنظرةِ اليقينِ.
“ما هو سببُ شجارِنا؟”
سألتْ ميلا وكأنهُ الاختبارُ الأخيرُ.
“لم يكن شجاراً…….”
تمتمَ ليونهارت بضيقٍ بمجردِ سماعِ السؤالِ. كانَ ليونهارت يدركُ جيداً أنهُ لكي تثبتَ سلطةُ ميلا كإمبراطورةٍ، يجبُ عليهِ هو، كإمبراطورٍ، أن يحترمَها. كانَ يرسلُ لها الهدايا بانتظامٍ، ويقتطعُ من وقتهِ ليلتقيَ بها.
وكانت ذكرى زواجهما أحدَ تلك الأيامِ التي يجبُ عليهِ فيها إرسالُ الهدايا واللقاءُ بها. ولكنْ، لسوءِ الحظِّ، في يومِ ذكرى زواجهما، سقطَ مبعوثٌ رفيعُ المستوى من دولةٍ أخرى مغشيّاً عليهِ بعدَ أن ظهرَ طفحٌ جلديٌّ في كاملِ جسدهِ. ضجَّ الوفدُ المرافقُ ادعاءً بأنهُ قد سُمِّمَ.
تبينَ في النهايةِ أنَّ الأمرَ مجردُ حساسيةٍ تجاهَ نوعٍ من التوابلِ موجودٍ في الإمبراطوريةِ فقطْ، لكنهُ ظلَّ مشغولاً طوالَ اليومِ لدرجةِ أنهُ نسيَ للحظةٍ أنَّ ذلك اليومَ هو ذكرى زواجهما. ركضَ إلى ميلا متأخراً، لكنها طردتْهُ قائلةً إنها لا تريدُ رؤيةَ وجههِ.
ظلَّ ليونهارت يحومُ حولَ بابِ غرفةِ النومِ لفترةٍ طويلةٍ، لكنهُ عادَ في النهايةِ إلى مكتبهِ لينهيَ الأعمالَ التي تركَها. ظلَّ يعملُ حتى قبيلَ شروقِ الشمسِ، ثمَّ أغلقَ عينيهِ للحظةٍ، وعندما فتحهما وجدَ نفسه في هذا الحالِ.
وعندما أرادَ ليونهارت سردَ اعتذارهِ المتأخرِ، أصبحتْ نظراتُ ميلا حادةً.
“هل هذا مهمٌّ الآنَ؟ أجبْ بسرعةٍ.”
ارتجفَ ليونهارت وأجابَ بصوتٍ هامسٍ:
“لأنني نسيتُ ذكرى زواجِنا.”
وفي تلك اللحظةِ، أدركَ ليونهارت أيضاً:
“ميلا، أنتِ أيضاً؟”
—
“أجلْ، أنا أيضاً.”
تأكدت ظنوني؛ لقد عدنا معاً إلى الماضي. وبينما كنتُ في حالةِ ذهولٍ من هذا الموقفِ غيرِ المتوقعِ، سمعتُ صوتَ المربيةِ من الخارجِ.
“آنسة! أينَ أنتِ؟”
بدت وكأنها دخلتِ القصرَ المهجورَ بأريحيةٍ ظناً منها أنهُ خالٍ، وكانَ صوتُها الذي يبحثُ عني عالياً تماماً. سيكتشفُ أمري. هززتُ كتفيَّ.
“على أيِّ حالٍ يا ليون، أعتقدُ أنَّ عليَّ الذهابَ الآنَ. سأحاولُ العودةَ مجدداً في أقربِ فرصةٍ، لذا تحملْ قليلاً.”
لم أستطعْ ذكرَ موعدٍ محددٍ لأنَّ احتماليةَ منعي من الخروجِ بعدَ عودتي كانت عاليةً.
ورغمَ ارتباكي من الوضعِ، إلا أنَّ عودةَ ليونهارت أيضاً للماضي كانت خبراً جيداً. فليونهارت ذو الاثنينِ والعشرينَ عاماً الذي أعرفهُ يملكُ قوةً ذهنيةً صلبةً.
بعدَ أن نقلتُ كلامي لليونهارت بسرعةٍ، ناديتُ المربيةَ بصوتِ طفلةٍ بريئةٍ:
“مربيتي-! أنا هنا!”
تعمدتُ تليينَ مخارجِ حروفي حتى بدت طفوليةً جداً، فسمعتُ صوتَ المربيةِ وهي تركضُ في الممرِّ القديمِ. وفُتحَ البابُ بضربةٍ واحدةٍ.
“آنسة!”
رغمَ أنني ركضتُ نحوها بنفسي، إلا أنَّ المربيةَ تصرفتْ وكأنها وجدتْ طفلةً تائهةً بشقِّ الأنفسِ.
“هل تدركينَ كم أخفتِني؟”
وبعدَ أن لامتني بصوتٍ متحشرجٍ بالدموعِ، احتضنتني بقوةٍ.
“ألمْ تُصابي بأيِّ أذىً؟”
“أجلْ.”
أجبتُ وأنا أشعرُ بوخزٍ خفيفٍ في ضميري.
“أنا آسفةٌ يا مربيتي.”
‘لكنْ كانَ عليَّ رؤيةُ ليون.’ فقد كنتُ أظنُّ أنَّ عقلَهُ وجسدَهُ في الرابعةِ تماماً.
رغمَ علمي بأنَّ تصرفي سيخيفُ المربيةَ، إلا أنَّ اعتذاري كان صادقاً. ربتت المربيةُ على ظهري بلطفٍ وأنا أعتذرُ بإحباطٍ.
“لا يجوزُ أن تركضي هكذا بمفردكِ مرةً أخرى. حتى لو كنتِ متحمسةً جداً لزيارةِ القصرِ الإمبراطوريِّ، هل تدركينَ كم أخفتِ مربيتكِ؟”
أصغيتُ لكلامِ المربيةِ وأومأتُ برأسي طواعيةً. وفي تلك اللحظةِ، لاحظت المربيةُ وجودَ ليونهارت.
“لماذا يوجدُ طفلٌ في مكانٍ كهذا……؟”
بدت المفاجأةُ واضحةً في صوتها. صمتت المربيةُ بعدَ ذلك وتفحصت ليونهارت.
“أُحيي سموَّ الأميرِ.”
يبدو أنها عرفت هويته من عينيه الحمراوين المميزتين، فقد حيته باحترامٍ ثمَّ دفعتني خلف ظهرها. ارتجفتُ أنا وليونهارت أمام حذرها الواضحِ. وعندما أظهرت المربيةُ، التي كانت تعامله جيداً في الحياة السابقة، هذا الحذرَ، أصبح تعبير ليونهارت كئيباً مجدداً.
‘لماذا تبدو كئيباً هكذا باستمرارٍ؟ هذا يجعل قلبي يؤلمني.’
ولكسر حالة المواجهة هذهِ، أمسكت بطرف فستان المربية وأخرجت رأسي قليلاً.
“مربيتي!”
—
المترجمة:«Яєяє✨»
التعليقات لهذا الفصل " 2"