استمتعوا
“أظنها فعّالة أكثر مما حسبنا، أليس كذلك؟“
تمتمت إليان وهي تتأمل الكرة البلورية المُسجّلة التي نُصبت لمراقبة ردود أتيس.
“أكان مذعورًا لهذا الحد؟“
“ليس إلى تلك الدرجة.”
ردّت لاسيل الجالسة بالقرب منها.
كان جوابًا لا يمكن أن تُفضي به إلا لكونها تجهل أن جسارتها تفوق عامة البشر بمراحل.
“آه، يبدو أنه أُغمي عليه فسقط.”
“أحقًا؟ إنه أجبن مما ظننتِ.”
للإشارة، كان قد انقضى نحو أسبوع منذ زيارة أتيس.
أعلن منزل ماركيز ريمين قبل يومين عن وفاة ابنه الثاني، واعترف أتيس بإثمه طوعًا.
يُقال إنه، بعد أن عذّبته الكوابيس ليلةً تلو ليلة، اختار هذا السبيل ليتحرر منها بأية وسيلة.
من ناحية أخرى، وقع حادث ما في منزل الكونت الذي كان يسعى للبحث عن إليان، فانقلب المنزل رأسًا على عقب.
“…لا أحسب أن لوي قد ذهب إلى هناك.”
في هذه الأثناء، توثّقت صلة إليان كثيرًا بلوي، ابن الماركيز الثاني، الذي كان يأتيها كل ليلة.
قيل إنهما يتراسلان كتابةً تقريبًا كل مساء بعد غروب الشمس.
وأحيانًا، حين تأوي إلى الفراش مبكرًا، تكتب رسالة وتتركها قبل النوم، فتجد الرد في صبيحة اليوم التالي.
كما اكتشفت لاسيل، بعد أن شاهدت لوي بالمصادفة، أنه يبدو أنه استمر في النمو حتى بعد أن أصبح شبحًا.
رأت لاسيل أن ذلك رومانسي للغاية، لكن يوجيريا بدت وكأن مزاجها غريب تمامًا.
أما رد فعل إيرينيس فكان أشد غرابة.
“أتُفضّلين الأشباح؟“
“أنا؟ كلا.”
“…آه، يا لحسن الحظ.”
كان موقفًا غريبًا بجلاء مهما تأمله المرء.
كثيرًا ما شعرت لاسيل بالأسف على إيرينيس في مثل هذه اللحظات.
‘ليس ثمة حاجة لمخاطبتي بهذا الشكل.’
لأن ذلك يعني أنه ليس لديه ما يقوله لها لدرجة أن يضطر لطرح مواضيع غريبة كهذه.
كانت ممتنة لمراعاته، لكن الأمر كان محرجًا أحيانًا بشكل مُفرط.
إلا أن يوجيريا لم تتفهم مشاعر لاسيل هذه.
“أليست إجازتك لا تزال ممتدة بعض الشيء؟ سير جاين، ألا تصطحبينه في جولة؟“
بل إنها أوكلت جولة الإقطاع إلى لاسيل.
تألقت حدقتا إيرينيس حين بلغه هذا الكلام.
‘…لو كان مسرورًا لهذا الحد، فليعترف فحسب.’
كانت نظراته تتبدل كلما سمع حديث يوجيريا، وهو ما لاحظته حتى لاسيل الغافلة.
ومع ذلك، تصرّفت يوجيريا وكأنها لم تفطن للأمر.
‘لا، حتى لو اعترف، فلن تقبله الآنسة على أي حال.’
بدا أنها استطاعت تخمين سبب عدم اعترافه تقريبًا.
رتّبت لاسيل أفكارها باعتدال واستعدت للخروج، ثم خرجت من القصر برفقة إيرينيس.
“أثمة موضع تود زيارته؟“
“أينما شئتِ!”
“قد تفتقر الجولة بعض الشيء للاتساق… حسنًا، لننطلق أولًا؟“
قررت لاسيل أن تأخذه أولًا إلى الموضع الذي أثار إعجابها أكثر حين جاءت إلى الإقطاع لأول مرة.
كانت شجرة ظلت راسخة في قلب هذا الإقطاع لمئات السنين.
رغم أننا في أوائل الخريف، كانت أوراقها قد احمرّت بالفعل، فكان منظرها بديعًا.
وبفعل الرياح الشديدة، تراكمت أوراقها على الأرض حتى بدت كسجادة قرمزية.
“أليست جميلة؟ إنه الموضع الأكثر ازدحامًا في الإقطاع.”
“حقًا.”
ذُهل إيرينيس للحظة، ثم فوجئ حين داس على ورقة متساقطة.
كانت الأوراق المتراكمة على الأرض كثيرة، فكان الصوت أعلى مما توقع.
“لكن لماذا ذاك الغصن…”
أحرجه الصوت المُباغت الذي أحدثه، فسارع لتحويل الحديث.
وصارت تعابير لاسيل غريبة بعض الشيء.
كانت قد سمعت السبب من قبل، لكنه لم يكن موضوعًا يليق بمحادثة عابرة.
“ذاك، حسنًا. قد يكون من الأفضل ألا تسمع. أتريد أن نمضي إلى موضع آخر؟“
لكن إيرينيس لم يُفوّت فرصة التحدث مطوّلًا مع لاسيل.
لو كان صوت لاسيل، فحتى لو كان دعوة لطائفة غريبة، لأحسّ أنه يستطيع الإصغاء طويلًا.
“كلا! آه، أعتذر. لقد اعتراني الفضول بعض الشيء. أنا أهوى سماع الحكايات المرتبطة بمثل هذه المواضع.”
أنهى إيرينيس، الذي أراد سماع الحكاية بأي ثمن، كلامه مُتلعثمًا.
شرعت لاسيل، التي صارت تعابيرها أغرب قليلًا من ذي قبل، تروي الحكاية مُتمهلة.
“في الماضي، كان يُنفّذ الإعدام شنقًا في قلب الإقطاعية مرارًا.”
“حقًا؟“
سأل إيرينيس مُتبلّدًا بعد أن سمع البداية، ثم استفاق.
لم يكن بوسعه تفويت هذه الفرصة النادرة حيث تقصّ عليه لاسيل حكاية مطوّلة.
“لا، أعتذر. إنها مُثيرة للغاية! هل يمكنكِ إتمام الحكاية؟“
“…؟ نعم.”
وتفاقم سوء فهم لاسيل مجددًا.
بدا أن إيرينيس يُغرم بهذه الحكايات المرعبة أشد الغرام.
إن كان يحبها لهذا الحد، فيبدو أنه يمكنها أن تُحدّثه حتى بالحكايات التي كانت تنوي التحفظ عليها.
فتحت لاسيل، بعد أن رتّبت ما ستقوله ثانيةً، فاها.
“لذا كان هناك أناس كُثر مُعلّقون بهذا الشكل في وسط القرية.”
حتى هذا الحد، لم تكن حكاية استثنائية بشكل خاص.
المُعضلة كانت فيما حدث بعد ذلك.
لسبب ما، كلما لقي أحدهم حتفه شنقًا، كانت أوراق الشجرة تحمرّ أكثر فأكثر.
تلك الأوراق، التي كان من المُفترض أن تظل خضراء في كل الفصول، تحولت شيئًا فشيئًا من قرمزية إلى حمراء.
وحين رأى الناس ذلك غريبًا وشرّحوا الذين أُعدموا شنقًا…
“…كانت كل دمائهم قد تسرّبت من أجسادهم، هل أنت بخير؟“
“نعم، نعم. إنها مُمتعة جدًا.”
أجاب إيرينيس، الذي كان وجهه قد ابيضّ كالثلج.
لم يتوقع أن تكون الحكاية بهذا القدر من البشاعة والإزعاج.
ولم يتوقع أن نبرة لاسيل أثناء سرد الحكاية ستكون بهذا الجمال.
كان صوتها عذبًا لكن المحتوى كان فظيعًا لا نظير له.
“هل هذه النهاية؟“
لو كان شرح لاسيل سينتهي، فقد كان ذلك مُؤسفًا بعض الشيء.
لكنه شعر بالارتياح لأن هذه الحكاية ستُختم.
حتى إيرينيس نفسه لم يكن يُدرك بالضبط ما الذي يبتغيه.
المُشكلة أن إيرينيس كان بارعًا جدًا في ضبط تعابيره، لدرجة أنه بدا مُتحمسًا للغاية في الظاهر.
“آه، هناك المزيد.”
من ناحيتها، لاسيل، التي لا تعلم شيئًا عن حال إيرينيس، كانت مُتحمسة بشكل مُفرط بعض الشيء.
لأن هذه كانت المرة الأولى التي يُصغي فيها أحدهم لشرحها بهذا التشويق.
كان الآخرون جميعًا إما ينامون أو يُغادرون أو يمضون لاحتساء الشاي قبل أن تُتم لاسيل حكايتها.
“على أي حال، مال الغصن بسبب ثقل الأشخاص… فتبدّل موضع الإعدام شنقًا.”
انتشرت الحكايات الغريبة المرتبطة بالشجرة بعد ذلك.
فكلما مرّ أحدهم بالقرب من الشجرة ليلًا، كان يسمع أنين بشر.
وأحيانًا كان حبل، لا ينبغي أن يكون موجودًا، مُعلّقًا على الغصن ويتأرجح.
وفي الحالات الشديدة، كان هناك من رأى قدمي شخص مجهول بينما كان واقفًا تحت الشجرة.
بفضل ذلك، أصبحت الشجرة، التي كانت معلمًا وفخر القرية، موضعًا لا يقصده أحد…
“هل أنتَ بخير؟“
سألت لاسيل مجددًا، وقد حملتها بعض الحماسة وهي تُكمل الحكاية.
كان وجه إيرينيس قد ابيضّ بشكل لا يُقارن بما كان عليه قُبيل قليل.
“أتشعر بتوعك؟ قد يكون من الأفضل أن ندخل لتستريح…”
“كلا، إنها مُمتعةٌ حقًا.”
أجاب إيرينيس مُسرعًا في الكلام.
لم يُرد أن يُضيّع فرصة الخروج مع لاسيل بهذه الطريقة.
فضلًا عن أن لاسيل بدت مسرورة بوضوح.
لأن الفرص لرؤية لاسيل بمزاج طيب هكذا كانت نادرة.
“لو كانت لديكِ حكايات أخرى من هذا الطراز، فأرجو أن تُخبريني حتمًا!”
انتهى به الأمر لحفر قبره بيديه بهذا التصريح.
ندم إيرينيس على ما نطق به، لكن حين تأمل وجه لاسيل، لم يعد الأمر يعنيه.
“آه، إذن بما أننا شهدنا الشجرة… علينا أن نمضي نحو الغابة. إنها قريبة من هنا.”
تحركت لاسيل، التي شعرت ببعض الفخر لأن إيرينيس يبدو أنه يستمتع كثيرًا.
سرعان ما ظهرت أمامهما غابة تبدو مُظلمة وقارسة.
“تلك هي الغابة. في النهار، يمضي بعض الناس أحيانًا للتنزه هناك.”
“هناك؟“
سأل إيرينيس. مهما تأملها، لم تبدُ كمساحة مُلائمة لنزهة أو ما شابه.
كانت الأشجار كثيفة، والداخل مُظلم تمامًا، وكانت هناك ظلمات لا نهاية لها في كل صوب.
حتى صوت أوراق الشجر المُتمايلة مع كل نسمة ريح، الذي كان يُشبه صوت الأمواج، كان مُقشعرًا.
بل كانت هناك أصواتٌ لا ينبغي أن تنبعث من الأشجار تُسمع بين الفينة والأخرى.
ورغم أنه مساء وما زالت الشمس مُشرقة، إلا أنه بهذه الهيئة، لم يُرد حتى تخيّل كيف ستبدو ليلًا.
وحتى في النهار، لم يبدُ أنها ستكون سوية بشكل خاص.
“هل ثمة حكاية مرتبطة بذاك الموضع أيضًا؟“
سأل إيرينيس بصوت مُرتعش. وبلا تلكؤ، جاء الشرح من لاسيل.
“إن دخلت الغابة ليلًا، فستتوه حتمًا.”
كان كل منهم يتجول في مساحات مختلفة، لذا كانت التجارب المُحددة مُتباينة للجميع.
لكن كانت هناك نقطتان مُشتركتان فقط.
“شجرة البتولا، وشخص يُلوّح من بعيد.”
“آه، يا للعجب.”
استجمع إيرينيس، الذي بذل قصارى جهده لإظهار استجابة إيجابية، شجاعته النفسية.
لم يُرد هذه المرة أن تُباغته الحكاية وهو غافل كما حدث من قبل.
“طبعًا، لا وجود لأشجار بتولا داخل تلك الغابة.”
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━━━━━━O━O━━━━━━
– تَـرجّمـة: شاد.
~~~~~~
End of the chapter
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"