استمتعوا
“أراكَ قد جئتَ باكرًا؟“
“أجل، لأنكِ استدعيتني.”
كانت يوجيريا واقفةً أمام الدائرة السحرية مباشرة.
حاول أتيس جاهدًا ضبط ملامحه وألقى التحية.
“يُسعدني اللقاء بكِ على هذا النحو.”
لم تُبادله يوجيريا التحية.
كان موقفها يقول. لستُ مسرورة برؤيتك على وجه الخصوص، فلنسرع لمعالجة الأمر العاجل.
“آه، حسنًا.”
بعد مُضيّ وقتٍ قليل، ردّت يوجيريا ببرودٍ وانصرفت ماضيةً أمامه.
ابتلع أتيس الشتائم التي تصاعدت إلى حلقه وتبعها.
“ها هو المنزل….مضى على اختفائها نحو أربعة أيام. هل تجد فيه ما يُثير الريبة؟“
أجال أتيس نظرةً فاحصة على المنزل.
كان كوخًا وديعًا أصغر حتى مما توقّع.
أحسّ أنه يبدو بائسًا حقًا، لكنه لم يستشعر انطباعًا آخر سوى ذلك.
“لستُ متيقنًا.”
“أتعتزم الدخول؟ آه، ها هو المفتاح.”
“……”
صمت أتيس مجددًا بعد أن تسلّم المفتاح.
لم يسمع قط أن سيّدة إقطاعٍ تحمل مفتاح منزل أحد رعاياها.
كان جليًّا دون أن يرى كيف تتصرف يوجيريا كطاغيةٍ في هذا الإقطاع.
“ألم تكوني ستدخلين معي؟“
“لأن موعد تناول الشاي قد حان.”
لم يكن موعدًا يبدو ذا بالٍ.
بل كان المساء قد أدبر والشفق يودّع.
لم يكن وقت احتساء الشاي، بل وقتًا كان يجب أن تُختم فيه وجبة العشاء.
بينما همّ أتيس بقول شيءٍ ما، دنت فارسة حراسة يوجيريا من جانبه وخاطبتها.
“تقول لوجيا إن الشاي قد أُعدّ.”
عجز أتيس في النهاية عن النطق بأيّ كلمة هذه المرة أيضًا.
كان يعلم علم اليقين مدى قوة لاسيل، ويعلم كم هي مُخلصة ليوجيريا.
لم يرغب في استفزاز سيدة السيف الوحيدة في الإمبراطورية وتلقّي تحديًا للمبارزة.
‘اللعنة…’
فضلًا عن أن جعل لاسيل عدوًا يعني جعل أمير سيرين عدوًا كذلك.
تنهّد أتيس مُطوّلًا وأعرب عن شكره بإيجاز.
“هل ساعة تكفي؟ أعتقد أن العودة في ذلك الوقت ستكون مناسبة.”
من الخلف، انصرفت يوجيريا دون أن تنتظر رد أتيس.
شتم أتيس بأخفت صوتٍ مستطاع ثم ولج المنزل.
‘إنه مثير للشؤم اكثر مما تصوّرت.’
خُيّل إليه أن قلبه ينبض أسرع قليلًا من ذي قبل.
حاول أتيس تهدئة نفسه بأنفاسٍ عميقة.
‘كل هذا بسبب فرار تلك المرأة!’
حين دخل المنزل، عاوده الامتعاض من إليان مجددًا.
لو بقيت ساكنه، لنالت الاعتراف كأحد أفراد منزل الماركيز، لكنها رمت كل ذلك وفرّت.
بفضلها، اضطر أتيس للارتجاف في القلق منذ أن بلغه نبأ هروب إليان.
‘إن سخط مجددًا، فلن تكون ثمة وسيلة لتهدئته.’
كان قلقًا من أن روح أخيه ستغضب وتحمل حنقًا من جديد لهذا السبب.
لقد كابد في محاولة تسكينه بالزواج، ثم ينهار كل هذا العناء بهذه الكيفية.
‘ملعون، ملعون، ملعون…’
في الحقيقة، لم يكن موقنًا حتى مما إذا كان بوسعه تهدئة الروح بالزواج.
لكن إن أُعطي المرء شيئًا ثم نُزع منه، فسيُستاء أيًّا كان.
“أين أنتِ بحق السماء؟“
صاح أتيس بضجرٍ، عاجزًا عن احتمال الصمت الخانق داخل المنزل.
شعر أن قلبه يُعصر بسبب غياب النفوس والعتمة والجو الموحش.
“أين أنتِ بحق…”
توقف أتيس وهو على وشك أن ينادي باسم إليان.
كانت ثمة بقعة غريبة ملطّخة بالقرب من الدرج أمامه.
‘…دماء…؟‘
في تلك اللحظة، خطر في ذهنه درج القصر.
مباشرة بعد سقوط أخيه، تلك الحمرة التي ظهرت بجوار الدرج.
‘لماذا؟ لا، كلا. هذا محال.’
يبدو أن عقله اختلّ قليلًا من كثرة الكوابيس مؤخرًا.
هزّ أتيس رأسه ليتخلص من المشهد الذي رآه للتو، ثم مشى ببطء.
صريييير-.
هذه المرة، انبعث صوتٌ من أرضية الممر المؤدي إلى المخدع، ملاصقًا لغرفة الجلوس.
صريير، سَحْب-. سَحْب، صرير-.
كان صوتًا يُشبه شخصًا يمشي وهو يَعرُج.
تجمّد أتيس في مكانه دون أن يتنفس حتى، مذعورًا من ذلك الصوت الموحش الذي يزداد غرابةً وهو يسمعه وحيدًا.
ما انبثق في ذهنه كان صورة أخيه بعد حادث الدرج مباشرة.
‘ساقه، لقد أُصيبت ساقه أيضًا…’
لعدة أيام ظلّ يجرّ ساقه وهو يمشي.
ثم لقي حتفه دون أن يتجاوز أسبوعًا.
صريييير، سَحْب-.
كان الصوت يقترب شيئًا فشيئًا.
شتم أتيس، المرتعد أمام رعبٍ لم يختبره من قبل.
“هذه المهزلة…!”
لا بدّ أن يوجيريا قد دبّرت مهزلة ما.
كان يجب أن يرتاب منذ أن أرشدته إلى المنزل بهذه السلاسة.
وبما أن أصواتًا غريبة تتردد كل ليلة، فلم يكن ليصدّق التفسير بأن إليان يبدو أنها تعود حينها!
بالتأكيد، هذا ما كان يعتقده عقله.
‘لكن.’
لكن يوجيريا لا يمكن أن تعلم بتلك الحادثة.
أصلًا، منزل دوقية لوسيان لم يطأ منزل ماركيز ريمين قط.
كل الخدم الذين شهدوا هذه الواقعة قد تُعومِلوا جميعًا.
صرير، سَحْب-.
‘……!’
باتت وقع الخطى تتردد الآن من خلفه مباشرة.
ركض أتيس، الذي كان يلهث، على عجلٍ صاعدًا نحو الدرج.
ثم ترنّح بشدة بعد أن ألقى نظرة إلى أسفل الدرج.
‘لماذا؟‘
لم يكن قد أبصر خطأً من قبل.
كانت بِركة الدماء لا تزال أسفل الدرج مباشرة.
في الموضع الذي يصل إليه رأس طفلٍ صغير تمامًا لو سقط.
ومع كل وقع خطوة، كان يرى الأرضية الخشبية البالية تتحرك قليلًا.
كان منظرًا يؤكد وجود كائنٍ غير مرئي.
‘لماذا؟‘
اندفع أتيس إلى العلية وأوصد الباب، ثم ارتعد وهو يتنفس بعمق.
ظلّ رعبٌ مجهول الهوية يتدفق إليه منذ قليل.
‘كلا، لن يكون كذلك. كلا. بالطبع كلا.’
صرير، سَحْب-. سَحْب، صرير. صريييير-.
‘لماذا يلاحقني حتى هنا؟ لن يكون كذلك، أليس كذلك؟‘
بينما حاول أتيس التفكير إيجابيًا، انطلقت أفكاره بلا رقيب.
ثم تذكّر سبب تلاشي إليان، التي كان من المفترض أن تكون في هذا المنزل، وكأنها تبخّرت.
‘…هل اختطفها؟‘
ربما جاء ذاك الشبح في الخارج، أخوه الميت، ليبحث عن خطيبته الهاربة.
وإليان قد اختُطفت على يد أخيه.
‘إذن أنا أيضًا؟‘
لم يستطع تخيّل إلى أين سيُجرّ لو حدث ذلك.
لم يكن الجو باردًا، لكن جسده بدأ يرتجف بجنون.
جلس أتيس مُنكمشًا في زاوية العلية وشرع يشتم بلا انقطاع.
وبعد أن بلغ الرعب ذروته، أصبح يشتم أخاه عشوائيًا.
شعر أن الخوف يقلّ قليلًا بهذه الطريقة فحسب.
“جلبت لكَ خطيبة، وأقمتُ مراسم الجنازة في القصر، وبنيتُ لكَ قبرًا، لكنكَ ناكرٌ للجميل!”
كانت هذه أول مرة يندم فيها على تصرفاته الماضية بهذا المقدار.
راح أتيس يطحن أسنانه بدلًا من شفتيه المتورمتين من كثرة العضّ، وتنفّس بعمق.
فجأة، غدا التنفس، الذي كان يسيرًا عادة، غريبًا للغاية.
وإن اختلّ الإيقاع، لم يستطع حتى التنفس.
‘لماذا بحق السماء…!’
أغمض أتيس عينيه بإحكام وتذكّر حين وقعت تلك الواقعة.
لقد كان ذلك قبل أكثر من عشر سنوات من الآن.
كان أتيس آنذاك أقلّ تهذيبًا بكثير وأكثر حيويةً من الآن.
حتى الخدم كانوا أحيانًا يجدون مشقّة في مُلاعبته.
لذا كان رفيق لهوه في الغالب أخاه الأصغر بفارق عامين.
‘لقد ظننتُ حقًّا أنّه لن يحدث أيّ شيء.’
…لكن كان من الصعب القول إن اللاوعي لم يؤدِّ دورًا.
كان أخوه الأصغر أكثر هدوءًا منه بكثير، وأذكى، ويعرف أشياء أكثر.
حتى أن البعض قال إن جعل الثاني وريثًا قد يكون أجدى.
لذا ربما، شعر بقليلٍ من الغيرة.
‘أليس ذلك مُبرَّرًا؟‘
بينما كان يسترجع الماضي، اندفع الاستياء مخترقًا الرعب.
أليس من البديهي أن يُورَّث اللقب للمولود الأول؟
كان خطأ أخيه أن يطمح لذاك المنصب لمجرد أنه كان بارعًا قليلًا في الدراسة.
‘ذاك الملعون، لو كان مُهذَّبًا أكثر قليلًا فقط…’
بإعادة التفكير، كان شِجارًا شائعًا بين الإخوة.
كان يمكن أن ينتهي بمشادة كلامية حادّة كالعادة، أو حتى بمُناوشة خفيفة.
لو لم يستمر أخوه في القول إنه يبدو أكثر مُلاءمة ليكون الماركيز القادم.
“……”
كانت تلك الواقعة حادثًا.
لم تكن ثمة سبيل لتفسيرها سوى أنه كان ممسوسًا بشبحٍ حقًا.
لأنها كانت فعلًا ارتكبه بدافعٍ مفاجئ دون أن يعي.
‘كنتُ بالكاد أبدأ في نسيانه!’
مشاعرُ لم يدرِ أكانت كراهيةً لأخيه أم خوفًا من الشبح، أخذت تنهض من جديد.
ولم يكن يعلم أنّ حياته المقبلة، تلك التي كانت طريقًا ثابتًا راسخًا، ستنقطع على هذا النحو.
‘لِمَ تكون حياتي هكذا…؟‘
كانت حياته كوريثٍ لعائلة نبيلة عريقة مُرضية تمامًا.
كان بوسعه انتقاء شريكة زواجه، ولم يكن بحاجة لتحمّل مسؤولية عشيقات التقى بهنّ للمتعة.
كان الجميع يعرفون كيف يُطبقون أفواههم مقابل بضع قطع نقدية.
بفضل ذلك، استطاع الحفاظ على صورته حتى الآن.
‘لكن لماذا، لماذا بحق السماء!’
كان يجب أن يهرب حين بلغه نبأ فقدان إليان.
بدلًا من التفكير متى سيذهب ليجد إليان وينتقم من منزل الكونت!
صرير، سَحْب-.
بينما كان أتيس يرتعد وحيدًا، لاحقته أصوات الخطى حتى أمام العلية مباشرة.
سرعان ما أصدر القفل المُحكَم صوتًا معدنيًا وانفتح.
انفتح الباب ببطء مع صوتٍ مُوحش، وأُغمي على أتيس.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━━━━━━O━O━━━━━━
– تَـرجّمـة: شاد.
~~~~~~
End of the chapter
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"