9
الفصل: حين يصبح الانتظار عادة جميلة
بعد أسبوعين…
لم يحدث شيء كبير.
لم تختفِ المرآة.
لم ينكسر العالم.
لم تخسر رين الشخص الذي كانت تخشى فقدانه.
وهذا بحد ذاته كان كافيًا.
بدأت الإجازة الإضافية بهدوء، دون احتفال، دون إعلان رسمي في قلبها، لكنها شعرت بها منذ اليوم الأول.
شعرت أن الوقت أصبح أبطأ، أقل قسوة، وكأنه يمنحها فرصة للتنفس دون استعجال.
رين لم تعد تستيقظ فزعة.
لم تعد تحدّق في المرآة بقلق.
لم تعد تعدّ الأيام خوفًا من أن يأتي صباح لا تجده فيه.
على العكس…
بدأت تبتسم.
ابتسامات صغيرة في البداية، حذرة، وكأنها تخشى أن تُلاحظ.
ثم ضحكات خفيفة، تخرج منها دون تخطيط، دون سبب واضح.
كانت تخاف في البداية.
تخاف أن تخسر الشخص الذي تتحدث معه كل يوم.
تخاف أن يتحوّل هذا القرب إلى اعتياد، ثم إلى فراغ.
لكن الأسبوعين مرّا…
وهو بقي.
في صباحات الإجازة، كانت رين تستيقظ متأخرة قليلًا، تتقلب في سريرها، تنظر إلى الضوء المتسلل من النافذة، ثم تنهض بنشاط غير معتاد.
كانت تفكر بشيء واحد قبل أي شيء آخر:
سأعود إلى المنزل مبكرًا.
ليس لأن أحدًا طلب منها ذلك،
بل لأن هناك من ينتظر حديثها، وجودها، صوتها.
خرجت أحيانًا للمشي، أو لشراء أشياء بسيطة، لكنها كانت دائمًا تراقب الوقت دون وعي.
تشعر أن الدقائق التي تقضيها خارج المنزل أقل قيمة من تلك التي ستقضيها في العليّة.
كانت تعود بخطوات سريعة، تكاد تركض أحيانًا، وقلبها خفيف، وكأنها تحمل سرًا لا يعرفه أحد.
في أحد الأيام، دخلت المنزل وهي تضحك وحدها.
خلعت حذاءها، وضعت حقيبتها جانبًا، ثم صعدت الدرج بخفة غير معهودة.
دخلت العليّة دون تردد، دون أن تتوقف عند الباب.
كان ليونيل هناك.
وكأنه أصبح جزءًا ثابتًا من المكان، من الضوء، من الهواء نفسه.
رين، بابتسامة واسعة
رين: عدت!
رفع رأسه، وعيناه اتسعتا، ثم ابتسم.
ليونيل: ألاحظ ذلك… تأتي أسرع كل مرة.
ضحكت، وجلست على الأرض قرب المرآة.
رين: لا أحب أن أتأخر.
لم تسأله إن كان بخير.
لم يسألها أين كانت.
لم يكن هناك حاجة.
الصمت بينهما لم يعد ثقيلًا.
أصبح مألوفًا…
مريحًا.
بدأت رين تعدّ له الطعام في أغلب الأوقات.
لم يكن طعامًا فاخرًا، ولا وصفات معقدة.
أشياء بسيطة…
لكنها تحمل نية.
بيض بطرق مختلفة.
خبز محمّص.
حساء خفيف.
أحيانًا تحاول وصفة جديدة فتفشل، فتضحك، وتعتذر.
في إحدى المرات، احترق الطعام قليلًا، فنظرت إليه بحرج.
رين: أعتقد أنني بالغت في النار.
تأمل الطبق، ثم قال بجدية جعلتها تضحك أكثر
ليونيل: في عالمي… لا يُسمح للطعام أن يحترق.
ليونيل: لكن… هذا له طعم مختلف.
رين: مختلف جيد أم سيئ؟
ليونيل، بعد تردد
ليونيل: مختلف… صادق.
توقفت عن الضحك.
شعرت بشيء دافئ يتسلل إلى صدرها.
بدأت تجرب أشياء كثيرة معه.
تُريه صورًا من هاتفها.
تشرح له الموسيقى.
تجعلّه يستمع لأصوات المدينة من النافذة.
كان يسأل كثيرًا.
أسئلة بسيطة أحيانًا، وغريبة أحيانًا أخرى.
ليونيل: لماذا تضحكون بصوت عالٍ في الأماكن العامة؟
لماذا لا تنحنون عند التحية؟
كيف شكل منازلكم؟
كانت تجيبه بصبر، بحماس، وكأنها تشرح عالمها لشخص فضولي، لا لشخص غريب.
وفي المقابل…
بدأ هو يتحدث.
عن عالمه.
ليس دفعة واحدة، بل ببطء، وكأنه يختبر إن كانت مستعدة لسماع ذلك.
في إحدى الأمسيات، جلسا طويلًا دون طعام، دون شاشة، دون ضجيج.
قالت رين فجأة
رين: أخبرني عن يوم عادي في عالمك.
نظر إليها لثوانٍ، ثم تنفّس بعمق.
ليونيل: لا يوجد شيء اسمه يوم عادي هناك.
كل يوم محسوب، وكل تصرف مراقب.
صمت قليلًا، ثم تابع
ليونيل: أستيقظ قبل الشروق.
يخبرني الخدم بما سأفعله، بما سأرتديه، بما سأقوله.
لا أحد يسأل إن كنت أريد ذلك.
شعرت رين بشيء ينقبض في صدرها.
رين: وهل… تعبر بمشاعرك هناك؟
فكر للحظة.
ليونيل: …لا
خفضت نظرها.
رين: في عالمي، نعبر عن مشاعرنا اغلب الوقت. وأحيانًا… نضحك لأننا لا نعرف ماذا نفعل غير ذلك.
نظر إليها، وكأن هذه الفكرة جديدة عليه تمامًا.
ثم سألها هو
ليونيل: ماذا عنك؟
كيف هو عالمك عندما لا أكون هنا؟
ترددت.
رين: كان… صامتًا.
واسعًا، لكنه فارغ.
ثم رفعت رأسها، وقالت بصدق
رين: كنت أخاف أن أتعلق. أن أتحدث معك كل يوم، ثم أستيقظ فجأة ولا أجدك.
لم يقاطعها.
رين: لكن الأسبوعين مرّا… وأنت لم تختفِ.
ابتسم، ابتسامة هادئة، لكنها عميقة.
ليونيل: وأنا كنت أخاف أن أكون مجرد تسلية.
شيئًا مؤقتًا… يملّ بسرعة.
اقتربت قليلًا من المرآة.
رين: لم أملّ.
قالها ببساطة.
بصدق.
أصبحت الأيام تمرّ بسرعة غريبة.
رين تضحك أكثر.
تتحدث أكثر.
حتى ملامحها تغيّرت.
في المرآة، لم تعد ترى فتاة متوترة، شاحبة، بل شخصًا أخفّ، أكثر حياة.
كانت تعود إلى المنزل مسرعة، ليس هربًا من العالم، بل عودة إلى شيء يشبهها.
وفي إحدى الليالي، بعد حديث طويل عن العوالم، قالت فجأة
رين: هل تعتقد… أن عالمينا يمكن أن يلتقيا؟
تجمد قليلًا.
ليونيل: لا أعلم.
لكنني أعلم شيئًا واحدًا.
نظرت إليه.
ليونيل: في عالمك… تعلمت أشياء لم أتعلمها في عالمي كله.
ابتسمت.
رين: وأنا… لم أعد أخاف من الوحدة.
ساد صمت دافئ.
لم يكن هناك وعد.
ولا اعتراف كبير.
لكن كان هناك شيء أوضح من كل ذلك
كلاهما أصبح جزءًا من يوم الآخر.
وفي تلك الليلة، نامت رين وهي تبتسم، دون خوف، دون قلق، دون سؤال عن الغد.
لأول مرة…
شعرت أن التحسّن ليس مؤقتًا.
يتبع…
التعليقات لهذا الفصل " 9"