لم يكن الغروب في ذلك اليوم يشبه أي مساء سابق في حياة رين.
كان يحمل شيئًا من الخِفّة، شيئًا من الترقّب الدافئ، وكأن الليل نفسه يستعدّ لاستقبال حدثٍ غير مألوف.
وقفت رين في بيتها الذي بدا أكبر من المعتاد، هادئًا على نحو غريب، كأن كل جدرانه تنصت لما سيحدث.
كانت أمّها قد خرجت لتبيت عند صديقتها، بينما والدها ذهب مع رفاقه إلى منزل أحدهم، وقال لها قبل أن يغادر:
“اغلقي الأبواب جيدًا، ونامي مبكرًا يا رين.”
أومأت وهي تعلم تمامًا أنها لن تنام مبكرًا…
بل لن تنام حتى تنتهي من زيارةٍ تنتظرها منذ ساعات.
تركها الجميع وحدها.
وحدها تمامًا.
ولأول مرة لم تشعر بالخوف من الوحدة، بل شعرت بحريةٍ غريبة…
حرية تشبه بابًا يُفتح على قَدَرٍ مختلف.
مرّت الساعات ببطء، كأن عقارب الساعة تمشي عبر الوحل.
كانت رين تجلس في غرفة المعيشة، تتظاهر بالقراءة لكنها لم تفهم سطرًا واحدًا.
تنظر إلى الساعة،
و تتخيل رد فعل ليونيل عندما تخبره بفكرة الليلة.
كانت تبتسم وحدها دون سبب واضح.
يديها ترتجفان قليلًا من الحماس…
أو ربما من شيء آخر لم تعترف به لنفسها بعد.
وحين دقّت الساعة الثانية عشرة تمامًا، أغلقت الكتاب بخفة كمن يخفي سرًا، ونهضت.
همست لنفسها: حان الوقت.
صعدت درجات السلم المؤدي إلى العُلّيّة، ومع كل خطوة كانت رنينات الخشب القديمة تتردد في الصمت الواسع، فتضاعف إحساسها بالرهبة الممتزجة بالدفء.
الوهم أو الحقيقة؟
المرآة أو البوابة؟
لا يهم…
فهناك شخص ينتظرها.
فتحت باب العليّة.
كان الصرير ذاته، كما لو أنه يحيّيها.
رائحة الغبار القديم، والأخشاب التي لم يمسسها أحد منذ سنوات، امتزجت مع دفء أنفاسها المتسارعة.
الظلام الخافت لم يعد يرعبها
فالمرآة في آخر الغرفة كانت كمنارة صغيرة، تعكس ضوء القمر الباهت وتدعوهما للقاء جديد.
جلست رين أمام المرآة، وضعت الحاسوب جانبها، وسوّت خصلات شعرها كأنما تستعدّ لزيارة رسمية.
لم تكن تعرف لماذا تهتمّ بهذا القدر…
لكن قلبها أخبرها أنها تريد أن تبدو…
جميلة أمامه.
اقتربت من المرآة، ولمعت عيناها وهي تهمس
رين: مساء الخير… سيد ليونيل.
مرّت ثوانٍ،
ثم تلاشى صمت المرآة، وبدأت تشعّ بخفوتٍ ذهبي مألوف.
وظهر.
ليونيل كان جالسًا على الأريكة في عالمه، لكن هذه المرة بدا مرهقًا، يميل بجسده كأن النوم يغلبه.
عينيه الذهبيتان نصف مغمضتين، وشعره الأسود منسدل على جبينه.
رفع رأسه إليها ببطء…
وفي شفتيه ابتسامة صغيرة، دافئة.
ليونيل: لقد جئتِ…
رنّ صوته كنسمة ليلية، ضعيفًا قليلًا لكنه صادق.
رين ابتسمت بمرح
رين: هل أنت على وشك النوم؟
تنهد بخفوت
ليونيل: نعم… الوقت متأخر عندنا. ظننت أنني… ربما أنام قليلًا.
ضحكت وهي تهز رأسها بقوة
رين: لااا! لا تنم! لديّ خطة عظيمة لهذه الليلة.
رفع حاجبه باستغراب لطيف، ومع ذلك فقد بدت عيناه تلمعان ليس من الإرهاق هذه المرة، بل من الفضول.
ليونيل: خطة؟ هل أتوجّس منها أم أستعدّ لها؟
اقتربت رين من مرآة وقالت بحماس طفولي
رين: سوف نشاهد فيلمًا معًا!
حدّق بها طويلًا، وكأن الكلمة الأولى لم تصل، والثانية لم يفهمها.
ليونيل: فيلم؟ ما هذا؟
قالت وهي تقرّب الحاسوب من المرآة
رين: هو قصة… تتحرك! صور متتابعة، أشخاص يتحدثون، مشاهد ممتعة!
رين: إنه… سحر عصري.
كان الانبهار يزداد على وجهه، حتى بدا كصبيٍ صغير يرى الألعاب النارية لأول مرة.
قال بابتسامة خافتة
ليونيل: سحر؟ يبدو أننا في عصركم، أنتم الساحرون الحقيقيون.
ضحكت
رين: ربما… لكن الأهم أننا سنشاهده معًا الليلة.
ثم قالت فجأة
رين: لكن! هناك قاعدة مهمة جدًا.
ليونيل: قاعدة؟
رين: عليك أن ترتدي بجامتك.
اتسعت عيناه ببطء، كأنها نطقت كلمة غريبة من لغة لم يسمعها من قبل.
ليونيل: بجامة؟
رين: نعم! ملابس النوم! لا يمكن مشاهدة الأفلام بالملابس الرسمية التي تجعلك تبدو وكأنك ذاهب لإدارة حرب. أنا سأرتدي بجامتي… وأنت كذلك. هكذا تكون تجربة كاملة!
ظل يحدّق بها لحظة، ثم ضحك بخفوت
ليونيل: حسنًا… إن كان هذا شرطك، فسأرتدي… بجامتي.
اختفى للحظات من المشهد، وعادت رين تعدّ الثواني في قلبها.
وحين عاد
كانت المفاجأة أجمل مما تخيلت.
كان يرتدي رداء نوم فاتح اللون، بسيطًا لكنه يليق به بطريقة غريبة، وشعره غير مرتب قليلًا مما منحه مظهرًا بشريًا أكثر…
دافئًا أكثر.
رفعت يدها إلى فمها وكتمت ضحكتها.
رين: أنت… لطيف جدًا بهذا الشكل.
قال بارتباك خفيف
ليونيل: أن يكون ذلك إطراءً جيدًا.
رين ابتسمت دون أن تفكر
رين: جيد جدًا.
جلس هو أيضًا أمام المرآة، واقترب من الحافة كأنه يريد رؤيتها عن قرب.
رين: حسنًا… قبل أن نبدأ… انتظرني قليلًا.
ليونيل: إلى أين ستذهبين؟
رين: سأُعدّ الفشار! لا يمكن مشاهدة فيلم بلا فشار. إنه… جزء أساسي من الطقس.
نظر إليها طويلًا، ثم قال ببطء
ليونيل: أعلم ما هو الفشار… لكنني متحمس لتجربته عبرك.
التعليقات لهذا الفصل " 4"
اااع سو كيوت عجبوني 😆😆🌚
شكرا على الفصل الكيوتتت 🌷🌷🌸