ولأنّه لم يعرف ما يفعله، سحب جسدها الصغير وضمّه إليه.
بدأت فانيسا تنتحب بمرارةٍ وهي بين ذراعيه.
“إهئ. هآآآآ….”
“…….”
هناك شيءٌ ما. شيءٌ ما….
“هـ- هل يمكنني أن، أسأل الآن…؟”
سألت فانيسا وهي لا تزال تجهش بالبكاء. نظر رايان إلى وجهها بذهولٍ ثمّ أومأ برأسه.
“… أجل.”
“هل… عُدتما معًا؟”
كان سؤالها عمّا إذا كان قد اكتشف حقيقة كون نايكي صاحب قدرةٍ خارقةٍ من خلال العودة المشتركة.
“أجل.”
“لا بدّ أنّه… شعر، شعر بذعرٍ شديد….”
“…….”
… لقد أحبّته حقًّا.
شعر رايان بمرارةٍ ما، فحاول التحدّث بمزاح: “بالطبع ذُعر. فقد كان يظنّ أنّني أمتلك قدرة. لذا، ذُعر قليلًا… لكنّه بخير.”
“…….”
“لقد طمأنتُه بتمثيلي البارع قبل أن آتي. الأمير الثالث يظنّ الآن أنني عديم القدرة فعلاً.”
“… ماذا؟”
“لقد أخفيتُ الأمر ببراعةٍ لدرجة أنّه هو من جاء وسألني إن كنتُ عديم القدرة. لذا ارتاحي أنتِ أيضًا.”
شهقت فانيسا ومسحت أنفها وهي تقطب حاجبيها.
“ماذا تعني…؟ عُدتم معًا… ومثّلتَ في ذلك الوقت القصير؟ فور شعورك بعودة الزمن؟”
“بالضبط.”
“هـ-هل أدركتَ أنّه صاحب قدرةٍ في لمح البصر؟ ومثّلتَ لأنّك خشيتَ أن يقلق من اكتشاف سرّه؟”
“هذا صحيح. هذا أنا.”
“…….”
انفجرت فانيسا بضحكةٍ خافتةٍ بدت وكأنّها لا تصدّق كلمات رايان الممازحة.
“هاه، حقًّا… أنتَ رجلٌ مخيف….”
“هل أدركتِ ذلك الآن؟”
“أبي، أنا… لديّ طلب.”
“ما هو؟”
“…….”
حاولت فانيسا تهدئة شهقاتها لتتحدّث، لكنّها بدأت تنتحب بمرارةٍ مرّةً أخرى.
“لحظة، أنا آسفة…. آه….”
“لا بأس. تحدثي ببطء.”
ضمّها رايان وأخذ يربت على ظهرها.
فلا بدّ أنّ لحظة البوح لشخصٍ ما بما كانت تحمله وحدها طوال هذا الوقت كانت ثقيلةً جدًّا.
* * *
“ألم تناما بعد؟ يا إلهي، لا تقولا لي إنكما تنويان النوم معًا في سريرٍ واحدٍ وأنتما متعانقان؟”
دخل ريڤان الغرفة في وقتٍ متأخرٍ بملابس النوم، وذُعر حين رآنا مستلقيين جنبًا إلى جنب.
لوّح رايان بيده.
“ولماذا لا ننام! يمكن للأب وابنته أن يناما معًا قليلًا! اخرج، اخرج!”
“يا للهول….”
خرج ريڤان وهو يقرع لسانه وأغلق الباب.
استنشقتُ أنفاسي واستلقيتُ بجمودٍ أنظر إلى السقف.
“هاه، إذًا….”
قال رايان الذي استلقى بنفس وضعيتي وهو يمسح وجهه بقوّة: “الأمير الثالث صاحب قدرةٍ ناقص، أليس كذلك؟”
“آه، لماذا تتحدّث هكذا!”
“أليس كذلك! العائد الذي لا يتذكر سوى 30 دقيقة، إن لم يكن ناقصًا فماذا يكون؟”
“إييييك.”
لقد كشفتُ كلّ أسرار نايكي لرايان بلساني.
فبما أنّ رايان قد اكتشف السرّ بالفعل، كانت هناك كلماتٌ أريد قولها براحةٍ لطلب مساعدته.
“ولكن، ألا تظنين أنّ ذكاء حبيبكِ منخفضٌ قليلًا؟ لقد أخبركِ بكلّ تفاصيل سرّه الذي تتوقّف عليه حياته. بهذا المعدّل، أليس كأنّه يطلب من فاسنبيرغ القبض عليه فحسب؟”
“لا!!! لقد فعل ذلك لأنّه وثق بي!”
“أجل، لنعتبر الأمر كذلك.”
قرع رايان لسانه ثمّ توقّف فجأة.
“لحظة. لماذا لم تحصلي على قدرة الأمير الثالث مسبقًا إذًا؟ إن كانت العلاقة تسمح بإخبار كلّ تلك الأسرار، ألم يكن بإمكانكِ أن تطلبي منه العودة معًا لمرّةٍ واحدةٍ ولو لفترةٍ قصيرة؟”
“…….”
… ممم. عدم الحصول على قدرة نايكي هو أكثر شيءٍ أندم عليه في الحقيقة.
“في الواقع، هو من طلب منّي أن أمسك بيده. قال إنّه سيريني.”
“وماذا حدث؟”
“لكنّني لم أفعل.”
“لماذا؟!”
“السبب الذي جعله يخبرني بالسرّ هو أنّني كنتُ أشكّ في مشاعره دائمًا. كنتُ أسأله باستمرارٍ إن كان يحبّني حقًّا وأزعجه بذلك. لذا لم يجد بُدًّا من إخباري بالسرّ. لقد أعترف بالسر لكي أعرف صدق مشاعره.”
“…….”
“شعرتُ بأسفٍ شديدٍ حين سمعتُ ذلك. إنّه سرٌّ تتوقّف عليه حياته. شعرتُ بالذنب لأنّني أجبرتُه على قوله… ولم أرغب في أن أقول له ‘لن أصدّق حتّى أرى بنفسي، لذا أمسك بيدي وعُد بالزمن’.”
“حقًّا؟”
“وأيضًا، هو كان قلقًا بالفعل بعد البوح بالسرّ، فماذا لو نقل لي القدرة أيضًا؟ ستكون هناك أدلّةٌ قاطعةٌ لا يمكن إنكارها. أنا… لم أرغب في جعله يشعر بقلقٍ أكبر.”
نظر إليّ رايان وكأنني حمقاء.
“… يبدو أنّكما متوافقان من ناحيةٍ ما. الأمير الثالث الذي جُنّ بالحبّ ولا يعرف كيف يميّز بين ما يُقال وما لا يُقال، وأنتِ التي قضيتِ سنتين في علاقةٍ ولم تأخذي تلك القدرة الرائعة لسببٍ تافه.”
“أبدو كالحمقاء، أليس كذلك؟”
“بصراحة، نعم.”
“لكنّكَ ستعرف حين تقع في الحبّ يا أبي. الجميع يصبحون هكذا عندما يحبّون.”
“أبدًا، أنا لن أكون هكذا أبدًا.”
قال رايان بحزم.
“تخيلي أن يظهر شخصٌ أحبّه في المستقبل؟ ويطلب منّي شيئًا بلهفة؟ كأن يطلب معرفة سرّي مثلًا؟ مع ذلك، لن أقول له أبدًا. أبدًا!”
… يا للهول. هذا لا ينفع.
“لكن، ألم يظهر شخصٌ تحبّه؟”
“ماذا؟”
“أنا ظهرت.”
قلتُ بوقاحة. فصار تعبير وجه رايان غريبًا.
“أنا أحبّ أبي كثيرًا جدًّا. وأنتَ تحبّني أيضًا، أليس كذلك؟”
“ماذا تقولين فجأة؟”
“ممم. قلتُ قبل قليلٍ إنّ لديّ طلبًا. هل يمكنكَ إخبار الأمير الثالث بسرّك؟”
“… أجننتِ؟!!!”
صرخ رايان فجأةً فغطيتُ أذنيّ على الفور.
كادت طبلة أذني تنفجر.
“هل تسخرين منّي الآن؟”
“أرجوك. هذا طلب. أخبر الأمير الثالث بالحقيقة فحسب؛ حقيقة أنّكَ صاحب قدرة، وحقيقة أنّكَ تضمر الحقد لفاسنبيرغ.”
“واو، يبدو أنّكِ قد جُننّتِ حقًّا.”
“على أيّ حال، يجب أن تعرف العائلة الإمبراطورية كلّ شيءٍ لاحقًا. يجب أن تُصدر العائلة الإمبراطورية حكم الإعدام على فاسنبيرغ. كيف سيحاكمون فاسنبيرغ وهم لا يملكون مَن ينفّذ الإعدام؟”
يجب أن يعرفوا أنّ رايان صاحب قدرةٍ من الدرجة الممتازة ويمتلك مهارة الموت الفوريّ، لكي تستعدّ العائلة الإمبراطورية لمنصّة إعدام فاسنبيرغ وهي مطمئنة.
“أجل، أعلم. لستُ أحمق وأعرف ذلك. لكنّ هذه مشكلةٌ للمستقبل البعيد جدًّا. شيءٌ يجب فعله في النهاية. عندما نمتلك السلطة ونبني الثقة مع العائلة الإمبراطورية ونتحالف معهم بشكلٍ صحيح كما في خطّتكِ.”
“صحيح. لذا أخبر الأمير الثالث وحده! مسبقًا. أرجوك….”
“لماذا إذًا! هل لأنّه حبيبكِ فحسب؟”
“هذا… هذا….”
… لا يمكنني الإنكار.
“أنتِ أرنبةٌ أعماها الحبّ، أليس كذلك؟”
“لن أنكر. لأنّكَ ستقابل الأمير الثالث في كلّ حملة تطهيرٍ من الآن فصاعدًا. هناك شيءٌ أريدكَ أن تساعده فيه.”
“بماذا أساعد؟”
“أريدكَ أن تعود معه بالزمن عندما تقع إصابات.”
سقط فكّ رايان من الدهشة.
“هو… شخصٌ يحاول إنقاذ كلّ رفاقه بقدر ما تستطيعه قدرته.”
الموت في ساحة المعركة أمرٌ حتميّ.
لكنّ ألم فقدان الرفاق ليس من النوع الذي يمكن الاعتياد عليه أبدًا.
من الطبيعيّ ألا يستطيع نايكي إنقاذهم جميعًا، ومع ذلك كان يتألّم يوميًّا من الشعور بالذنب.
بسبب حقيقة أنّه صاحب قدرةٍ خارقةٍ حتّى لو كانت غير مكتملة.
لأنّه يملك قدرة العودة بالزمن.
ولأنّه يستطيع إنقاذ رفاقه تمامًا بالعودة بالوقت.
لقد كان رجلًا يلوم نفسه على موت رفاقه رغم معرفته بأنّه لا يستطيع فعل شيءٍ حيال حدّ الثلاثين دقيقة.
“إذًا ما تقولينه هو….”
قال رايان بضحكةٍ ساخرة: “أن أتحدّث بصراحةٍ مطلقةٍ مع الأمير الثالث ثمّ أصبح صديقه الحقيقيّ؟ طالما بقيت ذكرياتي يمكن إنقاذ الذين سيموتون بإعادة الوقت لأيّ عددٍ من المرّات، وبما أنّ الأمير الثالث لا يتذكّر سوى 30 دقيقة.”
رفع رايان يده.
“تريدين منّي أن أتعاون معه وأعود بالزمن، ثمّ أتولّى أنا تنظيف الفوضى.”
تنظيف الفوضى….
“كلامكَ صحيح، لكن هل يجب أن تصف العمل النبيل لإنقاذ الناس بهذه الطريقة؟”
“موت الجنود بين الوحوش أمرٌ لا مفرّ منه.”
“أعلم. لا يمكن إنقاذ الجميع. لكن يا أبي، تخيّل لو أنّ السير ويليام ميتٌ أمام عينيك.”
“… ذاك الوغد! الذي لا يملك أيّ روح فروسية!”
“تقول ذلك، لكنّني أعلم أنّكما صديقان. لو استطعتَ إعادة الوقت لإنقاذه، ألن ترغب في فعل ذلك؟”
“…….”
صمت رايان.
“الأمير الثالث يستطيع إعادة الوقت لكنّ ذكرياته ناقصة، وأنتَ تتذكّر كلّ شيءٍ لكنّكَ لا تستطيع إعادة الوقت. لكن لو أخبر كلٌّ منكما الآخر بسرّه… يمكنكما إنقاذ الكثير من الناس الذين كان يجب أن يموتوا.”
أتذكّر الجبهة الغربية في سنّ السادسة عشرة، قبل العودة.
المكان الذي التقيتُ فيه بنايكي لأوّل مرّة.
هناك، عالجتُ راينر، أعزّ أصدقاء نايكي.
في ذلك اليوم، كانت إصابته خطيرة. لدرجة أنّه لم يكن لينجو لولا القدرة الخارقة.
“قبل العودة، كنتُ… أتبعه وأساعده كثيرًا بقدرة الشفاء. لكن الآن لا يمكنني فعل ذلك.”
على عكس ما قبل العودة، أنا لستُ حرة. فلا يجب أن تُعرف حقيقة كوني صاحبة قدرةٍ خارقة.
كانت تلك هي الخسارة الأكثر فداحةً التي لا يمكنني فعل شيءٍ حيالها بعد العودة.
“لذا أرجوكَ أن تساعده يا أبي. ربما هو… يملك الكثير من الرفاق الذين أراد إنقاذهم ولم يستطع حتّى الآن. حتّى بعد مرور سنوات، لم يستطع نسيان تلك الذكريات… وتألّم كثيرًا.”
“…….”
نظر إليّ رايان بصمت، ثمّ أطلق تنهيدةً ونظر إلى السقف.
“إذًا أنتِ تطلبين منّي الآن القيام بعملٍ جنونيّ…؟ أن أكشف كلّ أسراري بل وأخبر الأمير الثالث بحقيقة حِقدي على فاسنبيرغ وأضع حبل مشنقتي في يده…؟”
أعلم أنّه طلبٌ مبالغٌ فيه.
فرايان لا يعرف بعد أيّ نوعٍ من الأشخاص هو نايكي. ولا يمكنه الوثوق به بشكلٍ أعمى.
التعليقات لهذا الفصل " 93"