الفصل 92
“…هل هو الأمير الثالث؟”
“…….”
في اللحظة التي سمعتُ فيها ذلك السؤال،
انقطع نفسي.
‘كيف….’
كيف عرف؟
نظرتُ في عينَي رايان بصمت.
لم يستعجلني في الإجابة.
فمن المؤكّد أنّه استطاع معرفة الردّ بمجرّد النظر إلى نظرات عينيّ الآن.
“…نعم.”
“…….”
أجبتُ بصعوبةٍ بعد فترةٍ طويلة، فأومأ رايان برأسه واستقام بجسده ببطء.
كانت لديّ نيّةٌ لإخباره عن قدرتي الخارقة، لكن لم يكن في قلبي رغبةٌ في البوح بقصّة نايكي.
و حتى حقيقةُ أنّ نايكي هو مَن أعادني بالزمن وأنّه صاحب قدرةٍ مُصنعة.
كنتُ أريد الاستمرار في حماية سرّ نايكي، ولكن….
‘…لا بدّ أنّه سأل وهو يعلم.’
لا أعرف ماذا حدث في حملة التطهير هذه المرّة.
لكنّ رايان اكتشف سرّ نايكي هذه المرّة، بكلّ تأكيد.
فلولا ذلك، لما استطاع تخمين وجود صلةٍ بيني وبين نايكي.
‘هاه.’
أغمضتُ عينيّ.
‘حسنًا، بل ربما… هذا أفضل.’
إذًا، وعلى عكس توقّعاتي، يجب أن أطرح مزيدًا من القصص الآن.
ولأنّ هناك ما أودّ طلبه من رايان لأجل نايكي… فقد احتجتُ لبعض التحضير.
“…أبي، اذهب للاغتسال. ولنطرح السؤال الثالث بعد ذلك.”
* * *
بدأ الفضول الحقيقيّ يساور رايان بشأن هوية ‘خادم قلعة ويندسور’ منذ أن خمّن أنّ فانيسا قد عادت بالزمن.
فمن المؤكّد أنّه لم يكن مجرّد طفلٍ يعيش في قلعة ويندسور الحقيقيّة… بل لا بدّ أنّه كان حبيبها قبل العودة بالزمن.
في أوّل يومٍ التقى فيه بفانيسا.
على السفينة القادمة إلى القارّة، كان يتذكّر كيف انفجرت الصغيرة بالبكاء فجأة.
–”ناهيك عن ذلك! ما بال هؤلاء الذين يُسمَّون أساتذة ليجروا تجربةً سخيفةً كهذه؟”
–”…….”
–”أفهم الغرض منها، لكن هل يمكن لشيءٍ كهذا أن ينجح؟ كيف يمكن لشخصٍ عاديّ أن يستخدم قدرةً خارقةً بعد زرعها فيه، هاه؟”
لا بدّ أنّها بكت لأنّ رايان، الذي لا يعرف شيئًا، قال كلماتٍ ذكّرتها بحبيبها.
‘يا للهول، مع أحد أفراد العائلة الإمبراطورية تحديدًا….’
بالتفكير في الأمر الآن، يبدو أنّ لديها ما يبرّر بكاءها بمرارةٍ هكذا.
فبما أنّها كانت ابنة عائلة فاسنبيرغ قبل العودة بالزمن، لربما استطاعت لقاء أيّ رجلٍ في العالم لو أرادت.
ومع ذلك، أليسَ فردٌ من عائلة فالينسييه الإمبراطورية هو الطرف الوحيد الذي لن تحظى معه ابنة فاسنبيرغ بنهايةٍ سعيدةٍ أبدًا؟
‘حقيقة دخولهما في علاقة… أمرٌ مذهلٌ أيضًا.’
يمكنني أن أتخيّل بوضوحٍ المشهد الذي لن يقبل به والدي أبدًا.
ومع ذلك، فإنّ السبب الذي جعل الاثنين حبيبين هو….
‘أنّ فانيسا كانت في مكانةٍ تسمح لها بامتلاك مثل هذه الجرأة.’
بما أنّها كانت في الثانية عشرة ‘حقيقةً’ قبل العودة بالزمن، فلا بدّ أنّها دخلت العائلة بحماسٍ وهي تتباهى بتلك القدرة العظيمة دون أن تدرك شيئًا.
صاحبةُ قدرةٍ خارقةٍ لا مثيل لها.
ربما كانت فانيسا بالنسبة لوالدي بمثابة كنز، وفي الوقت ذاته….
‘كانت هدفًا للحذر.’
رايان يعرف والده جيدًا. ويرى بوضوحٍ تامّ كيف كان سيعامل فانيسا.
فلو تمرّدت صاحبة قدرةٍ وحشيّةٍ كهذه، لكان الأمر مُصيبًا.
لذا كان سيمنحها كلّ ما تطلبه، بينما….
‘يُحكم سيطرته عليها تمامًا من الخلف.’
مهما بلغت عظمة فانيسا… فلو تآمر الإخوة معًا لمساعدة والدهم في السيطرة عليها، لما وجدت سبيلاً للمقاومة.
و ربما في غمرة رغبتها في الموت من شدّة الضيق بسببهم….
جاءت تلك الأزمة الوجوديّة حين اقتحم أخٌ غير شقيق لا تعرف وجهه حتى ليحاول قتلها.
ولأنّها لم تجد سبيلاً للهرب، لا بدّ أنّ فانيسا أعادت الوقت بقلبٍ يقطر دمًا.
‘…سأفقد صوابي.’
مسح رايان وجهه بيده.
لقد مُحيت حتّى الأوقات التي قضتها مع حبيبها الذي كانت تناديه باكيةً حتّى في أحلامها.
بسبب مَن؟
‘بسببي أنا….’
في تلك اللحظة دخلت فانيسا.
“آسفة. هل انتظرتَ طويلاً؟”
“…….”
دُهش رايان الجالس على الكرسيّ الوثير حين رأى فانيسا وعيناها منتفختان بشدّة.
‘لقد بكت بالفعل.’
لا شكّ أنّها بكت بحرقة وهي ترتّب أفكارها لأنّ عليها التحدّث عن حبيبها.
قالت فانيسا وهي تجلس بحذرٍ على السرير بجانب كرسيّ رايان:
“اطرح السؤال التالي….”
“…….”
تردّد رايان.
هل يتوقّف هنا؟
لا بدّ أنّ التذكّر مؤلمٌ لها.
ولكن… ولكن….
لقد حان الوقت الذي لا بدّ فيه من التحدّث بصراحة.
“…حسَنًا، السؤال الثالث. الشرط اللازم لتفعيل قدرتكِ الخارقة.”
“…….”
“هل هو شعورٌ يشبه جمع قدرات الآخرين؟”
“نعم.”
…أجل، كان يتوقّع بنسبة 99% أن تكون الإجابة ‘نعم’.
ففانيسا التي لم يسبق لها استخدام <ينبوع التطهير>، أو بدقّةٍ أكثر ‘لم تكن تملكها’….
–”روماير هي المكان الذي يتواجد فيه الأخ الرابع كحاكمٍ للمنطقة.”
–”ستُقام صلاة الخلاص بعد ثلاثة أيام. لنشاهدها قبل أن نرحل.”
أرادت الذهاب إلى روماير فجأةً دون سابق إنذار.
وكان الهدف هو ‘مشاهدة’ صلاة الخلاص.
قدرة غابرييل الرابع التي يمكن رؤيتها في صلاة الخلاص، <ينبوع التطهير>.
‘ربما يجب أن تشهد أو تدرك اللحظة التي يستخدم فيها الطرف الآخر قدرته.’
تذكّر فانيسا التي أصرّت كالأطفال في اليوم الثاني من استقرارهم في بيلزر على الذهاب معه للصيد….
وكيف كانت تلتفت بوجهٍ خائف رغم أنّ دبًّا كان يطاردها من الخلف.
“هل أعطيكِ قدرتي أيضًا؟”
عندما سأل، اتّسعت عينا فانيسا.
فأضاف رايان على الفور: “هذا السؤال الرابع. ولكنّكِ تملكينها بالفعل، أليس كذلك؟”
“…….”
تردّدت فانيسا للحظة ثمّ أومأت برأسها.
“…نعم.”
“أليس هذا تصرّف أرنبةٍ سارقة؟!”
ابتسمت فانيسا بخجل.
ضحك رايان معها، فقد بدا له من المضحك مرّةً أخرى كيف أنّ هذه القدرة الخارقة الوحشيّة سخيفةٌ إلى هذا الحدّ.
فانيسا التي تستطيع أخذ القدرة في اللحظة التي يستخدمها الآخرون، بمجرّد أن ترى ذلك.
هذا هو السبب الذي جعله يتأكّد، بعد معرفته بأنّ نايكي صاحب قدرة، أنّه كان حبيب فانيسا.
فمهما أعاد أصحاب <قصيدة العودة> الزمن، لا يدرك الآخرون تلك الحقيقة.
لذا، حتّى لو عرفت فانيسا أنّ نايكي صاحب قدرة، لما استطاعت الحصول على <قصيدة العودة>.
الطريقة الوحيدة لفانيسا للحصول على <قصيدة العودة> هي التواصل مع نايكي و العودة معًا.
‘لا يمكن للأرنبة أن تلمس الأمير الثالث في ساحة المعركة بالصدفة وتعود معه كما حدث معي.’
لذا فربما أثناء علاقتهما….
أخبر الأمير الثالث بسرّه بلسانه….
وأثبت ذلك عبر التواصل مع فانيسا وتفعيل قدرة العودة معًا بنفسه.
‘يا له من مجنون.’
هذا مذهل. هزّ رايان رأسه تعجبًا.
كانت فانيسا ابنة عائلة فاسنبيرغ. الطرف الذي كانت العائلة الإمبراطورية، عائلة الأمير الثالث، ستشهر السيوف لمنع لقائهما.
ومع ذلك، يلتقيان، ويحبّان، بل ويُظهر لها سرًّا يتوقّف عليه حياته؟
لم يستطع رايان الفهم.
هل هذا لأنّني لم أجرّب الحبَّ بعد؟
لا، حتّى لو أحببتُ يومًا ما، فلن أفعل شيئًا جنونيًّا مثل الأمير الثالث.
الأمر لا يتعلّق بالثقة في الحبيب من عدمها.
لماذا قد يضع المرء حبل مشنقة حياته في يد شخصٍ آخر، وتحديدًا امرأة من عائلة فاسنبيرغ التي يجب الحذر منها أكثر من غيرها….
‘…لكن بما أنّكَ فعلتَ ذلك الشيء المجنون وعادت الأرنبة للحياة بسببي، فأنا أشكركَ على ذلك.’
فكّر رايان في نفسه وأومأ برأسه.
كانت فانيسا تنتظر.
“أليس لديكَ المزيد من الأسئلة؟”
“السؤال الأخير.”
أخذ رايان نفَسًا عميقًا.
ثمّ… سأل.
السؤال الذي كان يخمّنه بالفعل، لكنّه ظلّ يدفنه لأنّه كان يعلم أنّ الحصول على إجابةٍ قاطعةٍ من فانيسا سيجعل كلاهما يتألّم.
“…هل عدتِ بالزمن للهرب منّي؟”
“…….”
لم تنطق فانيسا بكلمة.
بدت وكأنّها تفكّر للحظة، ثمّ فتحت فمها.
“أودّ لو تسألني بشكلٍ أكثر تحديدًا. ألّا تقصد مَن الذي أعاد الزمن؟”
“لقد استعددتُ نفسيًّا، لذا لا داعي للمراوغة في الكلام.”
“لم أسأل للمراوغة. اسألني بشكلٍ محدّد.”
قطّب رايان حاجبيه.
عن ماذا تتحدّث؟
بما أنّها العائدة الوحيدة التي تملك الذكريات، فمن الطبيعيّ أن تكون فانيسا هي من أعاد الزمن.
“حسَنًا. هل ‘أنتِ’ مَن أعاد الوقت للهرب منّي؟”
“لا.”
أجابت فانيسا وكأنّها كانت تنتظر السؤال.
اتّسعت عينا رايان.
“صحيحٌ أنّني كنتُ أريد الهرب من أبي. لكن لم تكن لديّ طريقةٌ للهرب. لأنّ ‘قصيدة العودة’ لم تكن في يدي حينها.”
“ماذا قلتِ؟”
قطّب رايان ما بين حاجبيه.
هذا… لم يفكّر فيه.
إذًا، ألم يضع الأمير الثالث حبل مشنقة حياته في يد فانيسا بحماقةٍ أثناء علاقتهما كما ظنّ؟
بيد أنّه، في اللحظة الأخيرة….
“إذًا الأمير الثالث هو مَن….”
“صحيح. هو مَن أعادني بالزمن. لقد كان في ذلك المكان في ذلك اليوم أيضًا. لقد عُدنا معًا.”
“…….”
أمسك رايان بجبينه وهو يشعر بالارتباك.
إذا كان من أعاد الزمن هو الأمير الثالث، نايكي، فلا بدّ أنّه يتذكّر كلّ شيء.
وبالنسبة لرايان الذي فرّق بين حبيبين… فإنّ تذكّرهما لبعضهما سيخفّف من شعوره بالذنب قليلاً، بل وسيكون أمرًا جيدًا.
ولكن….
‘ليس الأمر كذلك، أليس كذلك؟’
لا يملك نايكي أيّ ذكريات.
كان ذلك مؤكّدًا. لقد تأكّد من ذلك تمامًا خلال أسبوعٍ من الاحتكاك به.
“أنتِ، تكذبيـ-….”
انقطع كلامه فجأة.
كانت فانيسا تبكي.
وهي تكمم فمها بقوّة، وتغمض عينيها بشدّة.
وتشهق بمرارةٍ وهي تحاول حبس أنفاسها.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
التعليقات لهذا الفصل " 92"