حركاتُهُ لم تكن عاديةً. كان يتفادى الوحوشَ التي تهاجمُهُ من كلِّ جانبٍ، ويستهدفُ بدقّةٍ نقاطَ ضعفِ العدوِّ فقط.
بلمحةِ بصرٍ، طعنةٌ، ثمَّ تمزيقٌ.
ضربةٌ، فضربةٌ…….
المكانُ الذي يمرُّ بهِ لا تخلّفُ وراءَهُ سوى جثثِ الوحوشِ المتراكمةِ كالجبالِ.
كان من الطبيعيِّ أن يُصابَ بجروحٍ وسطَ هذا الحشدِ الهائلِ من الوحوشِ، لكنَّ المذهلَ أنّهُ كان يواجهُهُم وهو يتجنّبُ كلَّ الإصاباتِ القاتلةِ.
مهاراتُ الجنودِ الآخرينَ حولَهُ لا يُستهانُ بها، ومع ذلك، لم تكن هناك مقارنةٌ بينه وبينهم.
هل هذا… في السابعةِ عشرةَ من عمره؟
هل هذا… إنسانٌ عاديٌّ؟
نايكي فالنسييه… كان بشريًّا منقطعَ النظيرِ!
‘كلا، لا يبدو “بشريًّا” أبدًا! أليس وجودُ هذا الفتى وحده كافيًا لقطعِ أرزاقِ عائلةِ فاسنبيرغ؟’
لكنَّ الآن ليس وقتَ القلقِ على فاسنبيرغ.
‘واو، هذه مشكلةٌ كبيرةٌ.’
رايان، الذي كان يختلسُ النظرَ إلى نايكي بين الحينِ والآخرِ وهو يقضي على الوحوشِ، وصلَ أخيرًا إلى استنتاجٍ حاسمٍ.
‘…بمثلِ هذه المهاراتِ الوحشيةِ، لن تتاحَ لي أيُّ فرصةٍ للظهورِ في مشهدِ المنقذِ.’
هدفُ اليومِ كان إنقاذَ نايكي.
كان عليهِ أن يتركَ انطباعًا جيّدًا ليطلبَ منهُ ترتيبَ لقاءٍ مع وليِّ العهدِ….
حتى لو فشلَ اليومَ، كان ينوي ملاحقتَهُ في كلِّ حملةِ إبادةٍ واقتناصِ الفرصةِ، لكنَّ الخطةَ باءت بالفشلِ.
لقد أدركَ ذلك بمجرّدِ رؤيتِهِ للواقعِ.
في أيِّ وقتٍ مستقبليٍّ، نايكي ليس بالشخصِ الذي يحتاجُ لأن “يُنقذَ” من قِبَلِ أحدٍ.
‘يا ابنتي، أباكِ قد فشلَ!’
شعرَ رايان برغبةٍ في البكاءٍ.
–”سمعتُ أنَّ مهاراتِ الأميرِ الثالثِ رائعةٌ جدًّا. لذا لن يكونَ الأمرُ سهلًا. سأفكرُ أنا في طريقةٍ للقاءِ وليِّ العهدِ، فلا تضغط على نفسِكَ كثيرًا يا أبي.”
لقد قالت لَهُ فانيسا ألا يقلقَ، ولكن….
بصفتِهِ أبًا، لا يمكنُهُ تركُ كلِّ شيءٍ لابنتهِ والبقاءُ دون فعلِ شيءٍ، أليس كذلك؟
لقد صمّمَ على أن يعودَ بإنجازٍ ما ليتباهى بهِ أمامَها!
ربما كانت فانيسا، التي عادت بالزمنِ، تعرفُ مهاراتِ نايكي الوحشيةِ.
ولهذا كانت تُظهرُ ردّةَ فعلٍ فاترةً وتقولُ: “اممم. لستُ أدري.” كلما قال إنّهُ سيذهبُ لإنقاذِ الأميرِ الثالثِ….
“آه، حقًّا!”
كوااااااااخ!
رايان، الذي شعرَ بضيقٍ مفاجئٍ، صبَّ غضبَهُ على أحدِ الوحوشِ، دون أن ينسى دمجَ قدرتهِ الخارقةِ للقضاءِ عليهِ.
ألستُم بـوحوشٍ؟ كيف لا تستطيعونَ إيقاعَ إنسانٍ عاديٍّ واحدٍ في الخطرِ!
بهذا المستوى، عليكم التنازلُ عن لقبِ الوحش!
في تلك اللحظةِ–
“سموُّكَ، احذر! تحركاتُ الوحوشِ قد تغيّرت!”
صرخَ أحدهم، وبالفعلِ.
بدتِ الوحوشُ التي تتحرّكُ بالسريرةِ وكأنّها قرّرت أنَّ نايكي هو الخطرُ الأكبرُ بينهم.
بدأوا يندفعونَ نحوَه بغيرِ وعيٍ.
بدا أنَّ الأمرَ يسيرُ دائمًا بهذا النمطِ، لذا اكتفى الجنودُ بالصراخِ والتحذيرِ من تحركاتِ الوحوشِ….
ولم يُفاجأ أحدٌ.
لكنَّ رايان، الذي يشاركُ في التطهيرِ للمرّةِ الأولى…
“أوه! أوه؟”
ارتبكَ حين رأى الوحشَ الذي كان يواجهُهُ يندفعُ فجأةً نحوَ نايكي.
وبما أنَّ عددَ الوحوشِ التي كان يتعاملُ معها بالفعلِ كان كبيرًا، بدا أنَّ الموقفَ يتطلّبُ إعادةَ تنظيمِ اتجاهِ المعركةِ بالكاملِ.
إذًا….
‘خمسُ ثوانٍ.’
سيعيدُ الزمنَ خمسَ ثوانٍ للوراءٍ، وهذا كافٍ.
بمجرّدِ إنهاءِ تقديرِهِ في لحظةٍ، قام نايكي بفعلِ ذلك فورًا.
وبالضبطِ، في الوقتِ نفسِهِ……
في مجالِ رؤيةِ نايكي……
<قصيدةُ العودة>
……بدا وكأنَّ لبدةَ أسدٍ تظهرُ، وشخصٌ ما احتضنَهُ ليحميَهُ.
‘……!’
ارتدَّ الزمنُ خمسَ ثوانٍ.
دُهشَ نايكي من موقفِ شخصٍ حاولَ حمايتهُ.
لكن أولًا….
-كوااااااااخ!
قضى بسرعةٍ على الوحوشِ القريبةِ منهُ أوّلًا.
ثمَّ بعد ذلك، أمسكَ بالوحشِ الذي كان يركضُ من بعيدٍ، وهو الوحشُ الذي تسبّبَ في المشكلةِ.
ثمَّ غرقَ في حيرةٍ شديدةٍ.
‘مَن هذا؟’
كلُّ الموجودين هنا هم من النخبةِ الذين يملكونَ خبرةً واسعةً في التطهيرِ.
والقاعدةُ الأساسيةُ في التطهيرِ هي القتالُ مع وضعِ سلامةِ النفسِ في المقامِ الأوّلِ.
لا أحدَ يرمي بنفسهِ لحمايةِ حليفٍ؛ فهذا تصرُّفٌ غبيٌّ جدًّا قد يؤدّي لموتهما معًا.
‘لبدةُ أسدٍ….’
بينما كان نايكي يواجهُ الوحوشَ التي تندفعُ نحوَهُ باستمرارٍ، التفتَ حولَهُ بحثًا عن ذلك الشيءِ الذي يشبهُ لبدةَ الأسدِ الذي رآهُ في تلك اللحظةِ الخاطفةِ.
رغمَ خطورةِ الموقفِ، كان عليهِ أن ينصحَ ذلك الشخصَ بأنهُ لا يجبُ أن يقاتلَ بهذه الطريقةِ قبل أن يزدادَ الأمرُ خطورةً.
سرعان ما وجدَ نايكي “الأسدَ” الذي كان يلوّحُ بسيفهِ بجدٍّ في مكانٍ غيرِ بعيدٍ.
مرتزقٌ يرتدي عباءةَ رأسِ أسدٍ لطيفةً.
اقتربَ نايكي بسرعةٍ من هذا المرتزقِ ذي الذوقِ المنمّقِ الذي لا يتناسبُ أبدًا مع الشجاعةِ التي جعلتهُ يندفعُ للموتِ لأجله.
لو لم يرتدَّ بالزمنِ خمسَ ثوانٍ، لكان هذا الشخصُ قد احتضنَهُ وأُصيبَ بدلاً منهُ.
بالطبعِ، لن يملكُ ذلك الشخصُ ذكرياتٍ في رأسِهِ، لذا كان عليهِ فقط أن يهمسَ لهُ بأنهُ لا يجبُ أن يقاتلَ بغباءٍ.
“يا هذا!”
حين ناداهُ نايكي، التفتَ المرتزقُ ذو رأسِ الأسدِ الذي كان قد قتلَ للتوِّ وحشًا واحدًا.
“أنتَ، أنا منذُ قليلٍ….”
اتسعت عينا نايكي وكأنّهما ستخرجانِ من مكانهما وهو يهمُّ بقولِ إنهُ كان يراقبُهُ.
إنهُ وجهٌ مألوفٌ.
رايان….
رايان فاسنبيرغ.
“صاحبُ القدرةِ الخارقةِ” الذي لا يجبُ الاحتكاكُ بهِ أبدًا عند العودةِ بالزمنِ….
‘مستحيلٌ.’
أصبحَ عقلُ نايكي أبيضَ تمامًا.
رايان صاحبُ قدرةٍ خارقةٍ.
وهو قبل قليلٍ، استخدمَ <قصيدةَ العودة> بينما كان يحتكُّ بـرايان.
لا بدَّ أنهما عادا بالزمنِ معًا.
و الآن رايان يملكُ تلك الذكرياتِ.
‘يا للهولِ….’
حقيقةُ امتلاكِهِ لبركةِ العودةِ بالزمنِ لا يجبُ أن تُعرفَ أبدًا.
خاصةً لأصحابِ القدراتِ الخارقةِ.
إذا وصلَ إلى مسامعِ فاسنبيرغ وجودُ صاحبِ قدرةٍ خارقةٍ مُصنّعٍ، فستكونُ هذه هي النهايةُ.
–”إذا ارتددتَ بالزمنِ مع صاحبِ قدرةٍ خارقةٍ، حتى لو بالخطأِ، فلا يمكنُكَ التراجعُ أبدًا.”
تذكّرَ وصيةَ دوقِ فاسنبيرغ السابقِ.
–”لأنَّ الجدولَ الزمنيَّ الذي اختفى يُنقشُ أيضًا في ذاكرةِ صاحبِ القدرةِ الذي احتككتَ بهِ. لذا، لا فائدةَ من العودةِ بالزمنِ إلى نقطةٍ أبعدَ من لحظةِ العودة المشتركة.”
وفقًا لكلماتهِ، لا يملكُ نايكي الآن أيَّ وسيلةٍ للخروجِ من هذا الموقفِ.
–”لأنَّ الجدولَ الزمنيَّ المنسيَّ سيظلُّ باقيًا في ذاكرةِ صاحبِ القدرةِ الذي عادَ معكَ.”
ذاكرةُ الوقتِ الذي اختفى منقوشةٌ بالفعلِ في رأسِ رايان.
وهذا يعني أنهُ لا يمكنُ حتّى طمسُ ذكرى العودةِ بعودةٍ أخرى.
أظلمتِ الدنيا في عينيهِ.
“أوه؟ أليس هذا سموَّ الأميرِ الثالثِ!”
في تلك اللحظةِ، ضحكَ رايان ضحكةً مدويةً.
“لقد كنتُ أراقبُكَ من بعيدٍ، وكنتَ تطيرُ في الأرجاءِ! حقًّا، شهرتُكَ لم تأتِ من فراغٍ~”
“…….”
ماذا؟ ضاقت عينا نايكي.
الخمسُ ثوانٍ التي ارتدّت. لا بدَّ أنَّ رايان، الذي ارتدَّ معهُ، قد شعرَ بوضوحٍ بذلك الوقتِ الذي حُذفَ بشكلٍ غيرِ طبيعيٍّ.
كان يجبُ أن تكونَ ردّةُ فعلهِ مرتبكةً أو مندهشةً….
“لماذا أنتَ هنا؟ لا أظنُّ أنَّ هذه هي المنطقةُ المخصصةُ لكَ.”
“أها، ذاك، في الحقيقةِ….”
في خضمِّ ذلك، هجمتِ الوحوشُ.
“….واااه!”
تحدثَ نايكي ورايان وهما يلوّحانِ بسيوفِهما بجدٍّ.
بدا انسجامُهما جيدًا بشكلٍ مثيرٍ للدهشةِ.
حتى أنهما كانا يملكانِ الرفاهيةَ للدردشةِ.
“كلُّ المرتزقةِ في منزلي يعملونَ بجدٍّ، وشعرتُ أنهُ ليس من الجيدِ أن أكونَ لوردًا وأكتفي بحراسةِ البوابةِ، أليس كذلك؟”
…كان الأمرُ مثيرًا للسخريةِ.
“هل تقصدُ أنكَ تركتَ منطقةَ توزيعكَ وجئتَ إلى هنا لهذا السببِ؟”
“أجل أجل، عليَّ أن أكسبَ قوتي أيضًا.”
لشدةِ جنونِ هذا الرجلِ، عجزَ نايكي عن الكلامِ.
عصيانُ أوامرِ التوزيعِ الصادرةِ عن القائدِ العامِّ.
بالطبعِ، رايان من عائلةِ فاسنبيرغ وفوقَ ذلك هو صاحبُ قدرةٍ خارقةٍ. إنهُ رجلٌ لا يرى أحدًا فوقَهُ.
عدمُ استماعِهِ لأوامرِ القائدِ العامِّ ليس أمرًا مفاجئًا، ولكن….
‘يأتي عمدًا إلى منطقةٍ خطيرةٍ لتطهيرِ الوحوشِ؟’
إذا فكرنا فيما فعلَهُ أصحابُ القدراتِ الخارقةِ حتى الآن، فهذه حالةٌ لا سابقةَ لها.
لم يطلب منهُ أحدٌ المساعدةَ، ولم يَعِدهُ أحدٌ بمكافأةٍ.
ومع ذلك، ودون أيِّ مقابلٍ، دخلَ إلى قلبِ الأراضي الملعونةِ ليصطادَ الوحوشَ؟
التعليقات لهذا الفصل " 88"