الفصل 87
“كوااااااااااااااااخ!!!!”
كانت صرخةُ راتان هائلةً.
لدرجةِ أنَّ الأرضَ والسمـاءَ اهتزّتا.
الناسُ الذين كانوا يفرّونَ وهم يبكونَ، سقطوا أرضًا وهم يسدّونَ آذانَهم.
‘يا لَهُ من ألمٍ قذرٍ.’
بما أنّني كنتُ أقفُ أمامَ الوحشِ مباشرةً وأسمعُ صراخَهُ، شعرتُ وكأنَّ طبلةَ أذني قد انفجرت.
توقّفتُ عن ضخِّ قدرتي في راتان وأمسكتُ بأذني.
<عينُ المرآةِ – شفاءُ الضوءِ>
بعد أن عالجتُ أذني ورفعتُ نظري، كان راتان يقلبُ عينيهِ وهو يلهثُ باختناقٍ.
‘همم، ينبوعُ التطهيرِ. إنّها حقًّا قدرةٌ خارقةٌ ومحتالةٌ.’
القدرةُ التي تمنحُ الوحوشَ ألمًا أقصى.
هذه هي المرّةُ الأولى التي أستخدمُها فيها بهذا الشكلِ، لذا شعرتُ بالدهشةِ مجدّدًا.
بمجرّدِ رؤيةِ ردّةِ فعلِ راتان، يمكنُني تخيّلُ مدى الألمِ الشديدِ الذي يشعرُ بِهِ.
“هل يؤلمُكَ؟”
الآن فهمتُ لماذا كانت الوحوشُ ترتعدُ فرائصُها بمجرّدِ رؤيةِ وجهِ الأخِ الرابعِ في عائلتنا.
لم يستطع راتان سوى إخراجِ أنينٍ متقطّعٍ.
وبما أنّهُ لا يزالُ تحتَ تأثيرِ الأغلالِ، فقد بقيَ متجمّدًا في وضعيّتِهِ تلك وهو يمدُّ يدَهُ نحوي.
“ألن تجيبَ؟ أيُّها الوغدُ قليلُ الأدبِ.”
“مـ-مـ- ما الذي تـريدينَ الإجابةَ عـنهُ…”
اممم، يبدو أنّهُ أصبحَ مطيعًا قليلًا.
“طريقةُ الانفصالِ. هل توجدُ أم لا؟”
“…….”
لم يجب راتان.
رغمَ أنّهُ من المؤكّدِ فَهِمَ سؤالي.
“أوه؟”
“لـ-لا توجدُ. لا توجدُ طريقةٌ….”
يبدو أنّهُ ترددَ في الإجابةِ خوفًا من أن أغضبَ إذا قال الحقيقةَ وهي عدمُ وجودِ طريقةٍ للانفصالِ عن المضيفِ.
في الواقعِ، كنتُ أعرفُ ذلك.
‘كنتُ أريد تأكيدَ المعلومةِ…’
لو كان بإمكانِ راتان فصلُ نفسِهِ والهروبُ، فلِـمَ ظلَّ يُستغلُّ من قِبَلِ أخي الأكبرِ في حياتي السابقةِ؟
أجل، كنتُ أعرفُ، ولكن…
عندما حصلتُ على التأكيدِ منهُ مباشرةً، شعرتُ بالأسى تجاهَ مارشين وساءت حالتي النفسيّةُ.
“…أيُّها الوغدُ الذي يشبهُ إدغار فاسنبيرغ.”
بعد أن شتمتُهُ بأقذر شتيمةٍ أعرفُها.
<عينُ المرآةِ – ينبوعُ التطهيرِ>
عاقبتُهُ مرّةً أخرى.
“كوااااااااااااااااخ!!!”
من المؤكّدِ أنّهُ يريدُ الاختباءَ، لكنّهُ لا يفعلُ.
أو بالأحرى لا يستطيعُ.
يبدو أنّهُ حتّى الاختباءُ يصبحُ مستحيلًا وهو تحتَ تأثيرِ أغلالِ التقييدِ.
‘تأكّدتُ من هذه المعلومةِ أيضًا.’
بعد أن جمعتُ المعلوماتِ التي أردتُ معرفتَها، فككتُ القيودَ.
ترنّحَ راتان.
رغمَ أنّهُ أصبحَ قادرًا على الحركةِ، إلّا أنّهُ لم يهاجمني.
مهارةُ التعلّمِ لديهِ جيّدةٌ.
“والآن، عُد إلى الداخلِ.”
“مَن تكونينَ أنتِ بحقِّ…”
“أوه؟ هل بدأتَ تشعرُ بالفضولِ؟ هل أنتَ في مقامٍ يسمحُ لَكَ بطرحِ الأسئلةِ عليَّ؟ هل أكرّرُ لَكَ ما فعلتُهُ؟”
وضعتُ يدي على ساقِ راتان.
عندها، اختبأ هذا الكائنُ ذو الذكاءِ العالي وسريعُ التعلّمِ على الفورِ.
بدا وكأنّهُ يتقلّصُ و……
اختفى في لحظةٍ.
المبنى الذي انهارَ ولم يبقَ منهُ سوى الحطامِ.
رأيتُ مارشين مغشيًّا عليهِ في البعيدِ. كان عاريًا.
سموُّ الأميرِ الذي تعرّضَ لهذه المحنةِ بسببي أنا، لأنّني أردتُ معرفةَ نوايا ماريو وخلقتُ هذا الموقفَ.
‘…أنا أعتذرُ. لم أتخيّل أبدًا أن يكونَ هدفُ ماريو هو سموُّكَ.’
اعتذرتُ لهُ في سرّي، وركضتُ نحوَهُ وغطّيتُهُ بمفرشِ الطاولةِ الذي كنتُ أحملُهُ.
ثمَّ نفضتُ يديَّ. والتفتُّ لأعودَ.
كان الجميعُ ينظرُ إليَّ بذهولٍ تامٍّ.
* * *
في تلك الأثناءِ، وصلَ رايان إلى المنطقةِ A1 في قلبِ الأراضي الملعونةِ.
يبدو أنّ الوحوشَ لم تظهر هنا بعدُ، وقد وجدَ وجوهًا مألوفةً.
جاك ورودي، مرتزقةُ كيربيروس.
“يا رفاقُ!”
“أوه، أيُّها اللورد؟”
أمالَ جاك رأسَهُ بتعجُّبٍ.
“لا، كنتُ أتساءلُ مَن القادمُ. هل جئتَ بهذا المظهرِ اللطيفِ؟ ألم يأتِ ماكس معكَ؟”
“فوهاهاها! أيُّها اللورد، ما قصّةُ قبعةِ الأسدِ تلك؟ إنّها لطيفةٌ جدًّا!”
رغمَ أنّهم لا بدَّ تلقّوا بلاغًا بظهورِ الوحوشِ في المنطقةِ A0، إلّا أنّ جاك و رودي كانا هادئينِ.
“أجل، أنا…”
في تلك اللحظةِ.
شعرَ رايان باهتزازٍ قويٍّ في الأرضِ تحتَ قدميهِ مباشرةً.
‘إذا شعرتَ باهتزازٍ تحتَ قدميكَ، فابتعد فورًا وبأيِّ ثمنٍ. إن لم تبتعد، فستُمزَّقُ في الحالِ.’
تذكّرَ رايان طريقةَ التعاملِ مع الوحوشِ التي تعلّمَها من كارلي في دروسٍ مكثّفةٍ، فابتعدَ بجسدِهِ بسرعةٍ.
وعلى الفورِ، برزت ذراعٌ غليظةٌ من المكانِ الذي كان يقفُ فيهِ قبل قليلٍ.
بشرةٌ خضراءُ. ذراعٌ مفتولةُ العضلاتِ ذاتُ مخالبَ حادّةٍ.
كررررررر!
‘الـ-اللعنة! إنّها ضخمةٌ ومقززةٌ!!!’
كما توقّعَ رايان، كان الوحشُ الذي خرجَ من الأرضِ كخُلدِ الماءِ يبلغُ طولُهُ حوالي 3 أمتارٍ.
‘الوحوشُ التي يتجاوزُ طولُها قامةَ الرجلِ البالغِ وتصلُ لـ 3 أمتارٍ تُصنَّفُ من الرتبةِ الثالثةِ. الوحوشُ من الرتبةِ الثالثةِ فما فوق يصعبُ استهدافُ أعناقِها مباشرةً، لذا اقطع أوتارَ الكاحلِ أوّلًا.’
-هـوووش!
في تلك اللحظةِ، طارَ سلكٌ فضيٌّ حادٌّ وقيدَ قدمَ الوحشِ. كان جاك.
وعندما سحبَهُ بقوّةٍ، فقدَ الوحشُ توازنهُ وسقطَ مرتطمًا بالأرضِ.
حينها، قفزَ رودِي فوقَ الوحشِ الساقطِ وكأنّهُ يطيرُ، وبخفّةٍ غرسَ سكينَهُ في عنقِهِ.
“أوه…”
كما هو متوقّعٌ من الرتبةِ S. كانت كلُّ حركاتِهم مألوفةً ولا تشوبُها شائبةٌ.
كوااااااااخ!
“ا-انتظرْ! توقّفْ!”
رايان، الذي كان يشاهدُ الموقفَ بذهولٍ، استلَّ بسرعةٍ سيفًا كان يعلّقُهُ على خصرِهِ الأيمنِ.
وركضَ إلى جانبِ رودي وغرسَ سيفَهُ معهُ.
تخبّطَ الوحشُ وهو يصرخُ.
بقيَ رايان يضغطُ على السيفِ ويلويهِ بقوّةٍ……
<الموتٌ الفوريّ>
ارتخى جسدُ الوحشِ تمامًا.
‘هـووو! مثاليٌّ!’
باستخدامِ القدرةِ في التوقيتِ المناسبِ، لم يلاحظْ أحدٌ شيئًا ولم يكن الأمرُ صعبًا.
سأستمرُّ في فعلِ ذلك من الآن فصاعدًا.
وعلاوةً على ذلك….
‘ما هذا الشعورُ بامتلاءِ المقياسِ!’
عندما ذهبَ لإقناعِ كارلي، كان قد قتلَ وحشينِ من الرتبةِ الرابعةِ بـ ‘الموتِ الفوري’.
في ذلك الوقتِ أيضًا، امتلأ مقياسُ قدرتهِ بكميّةٍ لا تُقارنُ بما يحصلُ عليهِ من الدببةِ أو الخنازيرِ البريّةِ…
‘لكنَّ الرتبةَ الثالثةَ في مستوىً آخرَ تمامًا!’
بهذا المعدّلِ، كم ستكونُ سرعةُ صقلِ قدرتِي عند مواجهةِ وحوشٍ أكبرَ وأقوى!
“قهقهقه.”
بينما كان ينهضُ وهو يضحكُ ضحكةً خبيثةً.
“أحسنتَ، أحسنتَ!”
“لوردنا! أنتَ الأفضلُ، الأفضلُ!”
كان جاك ورودِي يصفّقانِ بجانبهِ ويثنيانِ عليهِ باستمرارٍ.
“إحم!”
دارَ رايان حولَ نفسِهِ دورةً كاملةً ومسحَ أنفَهُ بزهوٍ.
ولكن فجأةً…
نظرَ حولَهُ ورأى الوحوشَ بدأت تخرجُ، وبقيّةُ أفرادِ الحملةِ يقاتلونَ بجدٍّ.
شعرَ بالذهولِ من هدوءِ جاك ورودي الشديدِ وسطَ كلِّ تلك الوحوشِ.
“ألا تشعرانِ بالخوفِ؟”
“خوف؟ هذا هو عملُنا اليوميُّ.”
“وهل يُخيفُ المرءَ مصدرُ رزقِهِ؟”
هزَّ جاك و رودي أكتافَهما، فرفعَ رايان إبهامَهُ بعلامةِ النصرِ وهما يثيرانِ إعجابهُ.
“كما توقّعتُ، أنتما مرتزقتي. فخورٌ بكما. إذًا، سأذهبُ الآن لأقضيَ عملي.”
“علم.”
“آه، أين القائدُ؟”
دون أسئلةٍ أو استفساراتٍ، أشارَ جاك إلى عمقِ الغابةِ.
“إذا تابعتَ في هذا الطريقِ مباشرةً، ستصلُ إلى المنطقةِ A0 حيثُ يوجدُ القائدُ.”
“حسنًا. سأذهبُ.”
انتظرني أيُّها الأميرُ الثالثُ!
لوّحَ رايان بيدهِ وهو يتّجهُ نحو الغابةِ.
“اعتنِ بنفسِكَ، أيُّها اللورد!”
“لا تُصب بأذىً!”
“حسنًا!”
* * *
تجوّلتُ ببصرِي ببطءٍ في المكانِ الذي عمّتهُ الفوضى وانهارَ فيهِ المبنى بسببِ ظهورِ راتان، لأقيّمَ الوضعَ.
كان المكانُ خاليًا، يبدو أنَّ الجميعَ قد هربوا.
ويبدو أنَّ إيما أيضًا قد ابتعدت مع إخوةِ جان لمكانٍ آمنٍ.
أمّا مَن أراهم الآن……
كارلي التي بقيت تراقبُ الموقفَ لأنّها لم تستطع تركي ورحيلي، وأليك الذي تمسكُ بِهِ كارلي بإحكامٍ لحمايتهِ.
وبالإضافةِ لهُم… ماريو أيضًا!
‘ذلك الوغدُ الجبانُ لم يهرب؟’
شكرًا لهُ على ذلك.
لقد أطلتُ الوقتَ عمدًا لأنّني أردتُ ضربَهُ قليلًا، ولو هربَ لكنتُ قد غضبتُ حقًّا.
“أكنتِ صاحبةَ قدرةٍ؟! ذ-ذلك الهجومُ على راتان قبل قليلٍ، أليست تلك قدرة الأخِ غابرييل؟”
“بلى.”
“لـ- لا انتظرِي. ألم تقيّدي حركةَ راتان قبل ذلك؟ كانت تلك بركةَ ذلك المدعو ريتشارد؟”
“وهذا صحيحٌ أيضًا.”
فُغِرَ فمُ ماريو وأشارَ إليَّ بإصبعهِ بشكلٍ مزعجٍ.
<عينُ المرآةِ – أغلالُ التقييدِ>
تجمّدَ في مكانِهِ وهو يمدُّ سبّابتَهُ نحوي. كانت عيناهُ المذهولتانِ جاحظتينِ وكأنّهما ستخرجانِ من مكانهما.
عند الوقوعِ تحتَ تأثيرِ أغلالِ المستوى الأوّلِ، لا يمكنُ تحريكُ شيءٍ سوى العينينِ والأنفِ والفمِ.
“لقد جُننتُ، جُننتُ حقًّا…”
تمتمتُ بسخريةٍ من نفسي وأنا أقتربُ من ماريو وأمسكُ سبّابتَهُ.
ثمَّ لويتها وقصمتُها.
شعرتُ بعظمِ الإصبعِ وهو ينكسرُ بين يديَّ.
“آآآآآآآآآآآآآآخ!!!”
ترجمة : ســايــومــي ❥
التعليقات لهذا الفصل " 87"