الفصل 81
كان أخي ريتشارد طيّبًا.
كان الشخصَ الأكثرَ حنانًا واهتمامًا بإخوته غير الأشقّاء الأصغر منه؛ أنا، وكريستا، وأليكسندر.
إلّا أنّه كان ضعيفًا.
كان أكثرَ مَن يجدُ صعوبةً في الصمودِ داخلَ تلك العائلة الفاسدة.
“فانيسا، هذه هي حبيبتي.”
حين كان في التّاسعة عشرة من عمره، عرّفني إلى حبيبته بوجهٍ خجولٍ.
ظننتُ وقتها أنّ هذا أمرٌ جيّدٌ.
كنتُ أعلمُ أنّ قلبَ ريتشارد ضعيفٌ، وبدأتُ حينها أدركُ طرفًا من ممارساتِ عائلتنا.
اعتقدتُ أنّه بوجودِ شخصٍ يمثّلُ ملاذًا له، سيتمكّنُ أخي -رغم ضعفِ قلبه- من الصمودِ في هذه العائلة المتهالكة بأيّ طريقةٍ كانت.
“أ- أبي… أ- أ- أرجوك…”
تحطّمت روح ريتشارد تمامًا لدرجةٍ لا يمكنُ إصلاحُها في ربيعِ عامه الثّاني والعشرين.
في ذلك الوقت، حاولَ والدي تزويجَ ريتشارد، الذي بلغَ سنَّ الزواجِ، بامرأةٍ من عائلةٍ أخرى.
كيف لـريتشارد أن يتزوّجَ امرأةً أخرى وهو الذي عشِقَ حبيبته لثلاثِ سنواتٍ واعتزَّ بها؟
بطبيعةِ الحال، جثا ريتشارد على ركبتيه أمام والدي، وبكى وتوسّلَ إليه أن يتراجعَ عن أمره.
لم يُجب والدي بـ “نعم” أو “لا”.
لكن، لم يمضِ وقتٌ طويلٌ…
حتى اختفت حبيبةُ ريتشارد دون سابقِ إنذارٍ.
تلاشت من الوجودِ وكأنّ الأرضَ انشقّت وبلعتها.
وبالطّبع، كان ذلك من فعلِ والدي.
“لـ- لم تقتلها، أليس كذلك؟ أبي، أرجوك… أنقذها… أنا المخطئ…”
توجّهَ ريتشارد فورًا إلى والدي وتوسّلَ إليه مجدّدًا، ثمّ خُطِبَ بامرأةٍ لا يعرفها نزولًا عند رغبةِ والدي.
بعدَ أسبوعٍ من ذلك.
عادت حبيبةُ ريتشارد حيّةً لكنّها توقفت عن الكلام.
كان ذلك هو الجزءُ السعيدُ في الأمرِ.
وقبلَ أسبوعٍ من موعدِ الزّفافِ.
انتحرَ ريتشارد.
وهذا ما كان يمثّلُ الجزء المأساوي.
* * *
أخي ريتشارد، الذي وُجِدَ فوقَ سريرِ غرفته بعد أن تجرّعَ السمَّ وغرقَ في نومٍ لا استيقاظَ منه.
‘…أيّها الوغدُ المجنون.’
مهما شتمتُ والدي، فلن يكونَ ذلك كافيًا أبدًا.
هديةُ ريتشارد.
بقيتُ أنظرُ مطوّلًا إلى الدّبّوسِ الذي يتّخذُ شكلَ أرنبٍ داخلَ صندوقِ المجوهراتِ، ثمّ نفضتُ عنّي ذكرياتي ونهضتُ.
في هذه المرّةِ أيضًا، سيلتقي ريتشارد بحبيبته.
وبعدَ أن ينقذها، سيُنهي حياته مرّةً أخرى.
لكنني لا أنوي عرقلةَ لقائهما. بل على العكسِ، أتمنّى أن يلتقيا في أقربِ وقتٍ ممكنٍ.
لأنّني، في الوقتِ الحاليّ، لا أستطيعُ إخراجَ ريتشارد من ذلك المكانِ المريعِ حتى لو أردتُ ذلك.
لهذا السبب.
بما أنّني وأليك لن نكونَ بجانبه كما في السابقِ، فإنّ وجودَ حبيبته سيكونُ ضروريًّا جدًّا ليصمدَ ريتشارد.
“انتظرني، يا أخي.”
لكنّ المأساةَ لن تتكرّرَ.
مهما حدثَ.
تحمّل قليلًا حتى لو كان الأمرُ صعبًا.
هذه المرّة، سأذهبُ بالتّأكيدِ لإنقاذِ الجميعِ قبل فواتِ الأوانِ…
“ماذا تفعلين؟”
سمعتُ صوتًا من خلفي فالتفتُّ لأجدَ رايان.
كان بابُ الغرفةِ مفتوحًا على مصراعيه.
وفي الصالةِ خارج الغرفة، كان هناك صخبٌ ناتجٌ عن تحضيرِ الأمتعةِ.
‘آه، كنتُ أحزمُ أمتعتي…’
كنتُ أنوي أخذَ صندوقِ المجوهراتِ، لكنّني تشتّتُّ حين رأيتُ هديّةَ ريتشارد.
بدا أنّ رايان قد رأى حالتي وسمعَ حتى تمتمتي لنفسي، فقد ظهرت مسحةٌ من المرارةِ على وجهه.
“صحيح، يا أبي. لديّ هديّةٌ لك.”
“ماذا؟”
خشيتُ أن يسودَ جوٌّ من الكآبةِ، فأخرجتُ مسبقًا الهديةَ التي كنتُ أنوي إعطاءها لـرايان قبل مغادرةِ بيلزر.
للعلم، نحن نخطّطُ لمغادرةِ بيلزر بعد يومين.
لأنّ كارثةَ الوحوشِ ستبدأُ قريبًا.
سيبقى فقط رايان ومرتزقةُ منزلنا الذين تمّ ضمّهم إلى فرقةِ التطهير.
“تادااا!”
سلّمتُ الهديةَ لـرايان.
إنّها الهديةُ التي اشتريتها عندما خرجتُ للتنزّهِ مع أليك أوّلَ أمسِ!
بمجرّدِ أن رأيتها، تذكّرتُ رايان ولم أتمكّن من مقاومةِ شرائها…
“ما هذا؟”
شحبَ وجهُ رايان بمجرّدِ أن استلمها.
“ارتدِها!”
كانت عباءةً صفراءَ للبالغين.
للعباءةِ غطاءُ رأسٍ، وعند ارتدائه يتحوّلُ المرءُ إلى أسدٍ.
طلبتُ من رايان، الذي ارتدى العباءةَ بذهولٍ، أن يرتديَ غطاءَ الرأسِ أيضًا.
ورغم تردّده، فعلَ ما طُلِبَ منه ثمّ صُعِقَ.
“قلتُ لكِ ما هذا؟!”
“أهاهاهاها!”
يحتوي غطاءُ الرأسِ على أذني أسدٍ و بدةٍ.
وعند ارتدائه، يوجدُ عند الذّقنِ رباطٌ لتثبيتِ الغطاءِ، وفي نهايته كرتانِ بنيّتانِ تتدلّيانِ.
إنّه في غايةِ اللّطافةِ.
“فانيسا، هل هناك أمتعةٌ أخرى لنقلـ… لا؟ فوهاهاها! ما هذا المظهرُ؟ أنتَ وحشٌ كاسرٌ بحدّ ذاتِك!”
انفجر مارشين بالضحكِ حين دخل غرفتي للمساعدةِ في نقلِ الأمتعةِ.
بسببِ ضخامةِ جسده، بدت العباءةُ -رغم أنّها للبالغين- ضيّقةً وكأنّه يرتدي ملابسَ أطفالٍ رغمًا عنه…
لكنّها كانت ظريفةً. لذا أنا راضيةٌ.
“هل تطلبين منّي الآن أن أتجوّلَ في الخارجِ مرتديًا هذا؟!”
“إنّها لطيفةٌ! في الحقيقة، هي طقمٌ معي.”
لديّ واحدةٌ أيضًا. أنا أرنبٌ ورديٌّ.
“هه…”
“ستكونُ أكثرَ لُطفًا إذا شددتَ رباطَ الغطاءِ وأحكمتَه.”
ارتديتُ عباءتي، وشددتُ الرباطَ الذي تنتهي بكراتٍ ورديّةٍ لأُريَه كيف يلتصقُ الغطاءُ بوجهي.
“حاول استخدامَها عندما تريدُ استمالةَ شخصٍ ما بلطافتِك. إذا شددتَ الرباطَ وجعلتَ عينيك تلمعانِ، لن يستطيعَ أحدٌ رفضَ طلبِ شبلِ الأسدِ اللّطيفِ.”
“توقّفي عن قول الهراءِ.”
تذمّرَ رايان لكنّه لم يخلع العباءةَ فورًا.
ثمّ بدا وكأنّه يراقبُ الضجيجَ في الخارجِ، فقام بإغلاقِ البابِ بإحكامٍ واقتربَ منّي.
“يا أنتِ، لديّ شيءٌ أسألكِ عنه.”
“ما هو؟”
“بخصوصِ إخوتي غير الأشقّاء. لا أقصد التاسعَ والعاشرةَ اللذينِ طلبتِ إنقاذهما. بل أولئك الذين هم أصغرُ منّي مباشرةً؛ السادس، والسابعة، والثامنة.”
“أوه؟ أجل…”
“أنتِ لم تحدّثيني عنهم أبدًا، أليس كذلك؟”
كان الأمرُ كذلك فعلاً…
لم أضعهم بشكلٍ صريحٍ في قائمةِ القتلِ، ولم أطلب من رايان إنقاذهم أيضًا…
“هل هناك سببٌ؟”
“…….”
تردّدتُ في الإجابةِ.
في الحقيقة، لم أقرّر بعدُ ما سأفعله مع أولئك الإخوةِ.
“الأمرُ هو، اممم…”
أدركُ جيّدًا أنّني لستُ في مكانةٍ تسمحُ لي بالحكمِ على أحدٍ.
لذلك كنتُ قلقةً.
منذ خروجي من المنزلِ وحتى الآن.
* * *
“تبًّا.”
شعرٌ أحمرُ داكنٌ، وعينانِ بلونِ الدمِ.
ترجّلَ رجلٌ ذو ملامحَ توحي بالتمردِ عن حصانه وهو يتفوّهُ بشتيمةٍ.
إنّه الابنُ السادسُ لعائلةِ فاسنبيرغ، ماريو فاسنبيرغ.
لم يكن ماريو في حالةٍ مزاجيّةٍ جيّدةٍ مؤخرًا.
فقد كلّفه شقيقه الأكبر ديفيد بمهمّةٍ مزعجةٍ، وبسببها يقضي وقته في البحثِ في الطرقاتِ منذ شهرٍ.
–”ابحث عن آثارِ راتان.”
كانت المهمةُ الموكلةُ لـماريو هي تتبّعُ الوحشِ راتان الذي أثارَ الفوضى خلال العامِ الماضي.
كان الأمرُ يقضي بالعثورِ على آثاره مسبقًا، لأنّه إذا هاجمَ راتان مرّةً أخرى، فمن المؤكّدِ أنّ القصرَ الإمبراطوريَّ سيطلبُ المساعدةَ من فاسنبيرغ.
تتبّعَ ماريو الآثارَ من تاوبر ودلمين، اللتينِ عُرفتا كأماكنِ ظهورِ راتان، وصولًا إلى دورف التي وصلها الآن…
كان من الصعبِ جدًّا العثورُ على شاهدِ عيانٍ حقيقيٍّ لأنّ سكّانَ القرى قد أُبيدوا تمامًا تقريبًا.
ومع ذلك، لم تكن النتائجُ معدومةً.
“هل هو هذا الرجلُ؟”
في مقاطعةِ دورف التي تحوّلت إلى أنقاضٍ.
“أجل، يا سيّدي. يقولون إنّه غادرَ دورف قبل يومٍ واحدٍ من ظهورِ راتان، فنجا.”
أحضرَ الجنودُ رجلًا في منتصفِ العمرِ، يبدو عليه التوتّرُ الشديدُ، أمامَ ماريو.
“سأطرحُ عليك بعضَ الأسئلةِ. أجب بما تعرفُ.”
“حـ- حاضر، يا سيّدي.”
رأى الرجلُ ماريو بملابسه الفاخرةِ، فانتابه الذعرُ وانحنى له بتبجيلٍ.
“أنتَ لم ترَ راتان، أليس كذلك؟”
“أجل، بينما كنتُ في مقاطعةٍ مجاورةٍ من أجلِ التجارةِ، قيلَ إنّ الوحشَ ظهرَ. لقد نجوتُ لحسنِ حظّي.”
“هل كنتَ في دورف طوالَ الوقتِ قبل ذلك؟”
“أجل.”
“ألم ترَ شخصًا غريبًا بينما كنتَ في دورف؟”
“شخصًا غريبًا…؟”
“أجل. هل هناك شخصٌ علقَ في ذاكرتِك؟ ليس من أهلِ القريةِ، بل من الغرباءِ.”
“الغرباء… اممم…”
قطبَ الرجلُ جبينه وهو يفكّرُ بعمقٍ.
أضاف ماريو متسائلًا: “…شخصٌ مجنونٌ مثلاً؟”
“آه!”
اتّسعت عينا الرجلِ حينها.
“لقد تذكّرتُ عندما قلتَ مجنونًا! نعم، كان هناك شخصٌ. كان شابًا وسيمًا إلى حدٍّ ما. كان يقولُ إنّه أميرٌ؟ أو وريث ملك؟…”
“هوه.”
لمعت عينا ماريو.
كانت الشهادةُ تتطابقُ مع ما سمعه أثناءَ تفتيشهِ لمواقعِ ظهورِ راتان السابقةِ والمقاطعاتِ المجاورةِ لها.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
التعليقات لهذا الفصل " 81"