الفصل 80
فُتح بابُ القصرِ من بعيدٍ.
في الواقع، منذُ اللحظةِ التي دخلت فيها فانيسا حيّزَ رؤيتِهِ، كانَ تركيزُ نايكي مُنصبًّا هناكَ.
فقد جاءَ وهو يضعُ في حسبانِهِ احتمالَ رؤيةِ ابنةِ رايان منذُ البدايةِ.
لقد التقى بفانيسا مرّةً واحدةً من قبلُ، حينَ ذهبَ لتفكيكِ قاعدةِ تجاربِ القوى الخارقةِ….
–”… لا تقلق أبدًا. لا داعيَ لأن يطيرَ النومُ من عينيكِ خوفًا من أن أُخبرَ أبي بما حدثَ اليومَ.”
لقد تركَها تذهبُ معتمدًا فقط على كلماتِ طفلةٍ تقولُ إنّها ستُبقي الأمرَ سرًّا عن والدِها.
لسببٍ ما، كانَ واثقًا تمامًا بأنَّ فانيسا لن تنطقَ بكلمةٍ.
وبالفعلِ، حينَ تحدثَ مع رايان، بدا أنَّ الأخيرَ لا يعلمُ شيئًا عن أحداثِ ذلكَ اليومِ.
في ذلكَ اليومِ، كانت فانيسا تبكي مرتعدةً من خوفِ الاختطافِ….
شعرَ نايكي بالأسفِ لأنَّهُ ورّطها في أمرٍ لا ناقةَ لها فيهِ ولا جملَ، وكانَ ممتنًّا ومهمومًا لأنَّها أوفت بعهدِها لهُ.
‘تلكَ الطفلةُ… لن تتعرفَ عليَّ، أليسَ كذلكَ؟’
بما أنَّ فانيسا لم ترَ سوى القناعِ، فمنَ المفترضِ ألّا تعرفَ وجهَهُ.
لكنَّهُ أسمعَها صوتَهُ مرارًا في ذلكَ اليومِ.
كانَ متوترًا، متسائلًا إن كانت ستشكُّ في صوتِهِ حينَ تسمعُهُ، ولكن….
‘ماذا كانت تلكَ التعبيراتُ؟’
في اللحظةِ الأولى التي تلاقت فيها أعينُهما.
ارتبكَ نايكي لأنَّ تعبيراتِ وجهِ فانيسا كانت غريبةً.
كانَ ذلكَ حتّى قبلَ أن تسمعَ صوتَهُ الذي كانَ يخشاهُ.
وقفت فانيسا مكانَها وكأنَّها مسحورةٌ، تُحدّقُ فيهِ بإمعانٍ.
‘كأنَّها تعرفت عليّ….’
لم يستطعْ إلّا التفكيرَ هكذا لأنَّ تلكَ النظرةَ التي التقت بنظرتِهِ كانت مُلحّةً للغايةِ.
علاوةً على ذلكَ، لم تكن تعبيراتُ وجهِها جيدةً طوالَ فترةِ وجودِهما في المكانِ نفسِهِ.
وكأنَّها ستنفجرُ بالبكاءِ لو لمسَها أحدٌ.
ومعَ ذلكَ، لم تُبعد عيناها عنهُ، فكلّما التفتَ، وجدَ نظراتِها تُلاحقُهُ….
لماذا؟
كانَ هناكَ شيءٌ غامضٌ يمنعُهُ من اعتبارِ ردِّ فعلِها مجرّدَ مفاجأةٍ لمعرفتِهِ.
العاطفةُ التي شعرَ بها في عيني فانيسا.
لقد كانت… شيئًا يُشبهُ….
‘… الحنينُ؟’
هزَّ نايكي رأسَهُ بعدَ أن استدعى أكثرَ شعورٍ مُشابهٍ لوصفِ حالتِها.
لقد التقيا مرتينِ فقط. بل إنَّ إحدى المرتينِ لا يعرفها سواهُ.
حنينٌ بينَ شخصينِ كهذا؟
رغمَ ذلكَ، لم يستطع نايكي لسببٍ ما أن يطردَ التفكيرَ في فانيسا من رأسِهِ.
شعرَ وكأنَّهُ يفتقدُ شيئًا… شيئًا مهمًّا للغايةِ……
“آه.”
في تلكَ اللحظةِ، داهمَهُ ألمٌ في رأسِهِ كأنَّهُ سينفجرُ.
“سموّكَ! هل تشعرُ بألمٍ في مكانٍ ما؟”
“لا…. أنا بخيرٌ….”
رفعَ نايكي يدَهُ لويليام القلقِ وهو يلتقطُ أنفاسَهُ.
‘لماذا… عادَ هذا ثانيةً….’
قبلَ مدّةٍ قصيرةٍ، حينَ نبشَ عمدًا في ذكرياتٍ غريبةٍ لا وجودَ لها في عقلِهِ.
كانَ الألمُ مشابهًا لما شعرَ بهِ حينَها.
–”… أنا آسفةٌ.”
داخلَ رأسِهِ المُشوّشِ وكأنَّهُ مغطًّى بضبابٍ كثيفٍ.
سمعَ صوتًا يترددُ في المنتصفِ.
–”أنا آسفةٌ… لأنّني شككتُ في قلبِكَ.”
الأمرُ مؤلمٌ.
–”… حبُّكَ.”
ومعَ ذلكَ، أرادَ نايكي أن يعرفَ.
–”… أحبُّكَ، نايكي.”
مَن… مَن تكونين بحقِّ الخالقِ….؟
* * *
داخلَ العربةِ في طريقِ العودةِ إلى المنزلِ.
كانَ أليك يثرثرُ دونَ توقفٍ.
“…… لقد كانَ اليومُ ممتعًا حقًّا! كانَ مضحكًا جدًّا حينَ كنتِ تلعبينَ بحربِ كراتِ الثلجِ يا أختي. لقد هربتِ وتعثرتِ وحدَكِ قبلَ أن يرمي جوزيف الكرةَ حتى!”
“وهل منَ المروءةِ أن ترميَ عليَّ الثلجَ وأنا منبطحةٌ على الأرضِ؟”
“آه هاهاها! لقد كانت منافسةً!”
أنا وأليك وكارلي عُدنا اليومَ بعدَ قضاءِ وقتٍ ممتعٍ معَ إخوةِ جان الصغارِ.
“كانَ مضحكًا أيضًا حينَ حاولت الأختُ ميليسا المساعدةَ فأصابتها كرةُ ثلجٍ في مؤخرةِ رأسِها! واو، الوجباتُ الخفيفةُ كانت لذيذةً والأصدقاءُ جميعُهم لطيفون. لقد استمتعتُ كثيرًا حقًّا.”
يا لهُ من طفلٍ لطيفٍ.
راقبتُ أليك وهو يتحدثُ بوجهٍ مُحمرٍّ منَ الحماسِ بابتسامةٍ حنونة.
ميليسا هي أختُ جان التي في مثلِ عُمري. هي فتاةٌ طيبةٌ لدرجةِ أنَّها تلقّت كرةَ الثلجِ بدلًا منّي.
كانت مريضةً في الأصلِ، ولكن….
كما أفعلُ دائمًا، مررتُ بغرفتِها وهي نائمةٌ بعدَ اللعبِ، واليومَ انتهى الأمرُ.
انتهى العلاجُ الذي أجريتُهُ سرًّا على مدارِ أشهرٍ عديدةٍ.
“كارلي، لا بدَّ أنَّكَ شعرتَ بالأسفِ لأنَّكَ كنتَ الحكَمَ فقط؟”
“كلا يا سيدي الصغيرَ. لو شاركتُ أنا، لتحوّلت حربُ الثلجِ إلى حربِ دماءٍ.”
“هاهاها!”
ضحكَ أليك بمرحٍ وقالَ: “لو كانَ أخي ريتشارد هنا أيضًا لكانَ الأمرُ رائعًا! حينَها كانَ العددُ سيكونُ مكتملًا و تستطيعُ كارلي المشاركةَ معنا!”
“هل تقصدُ الأخَ الذي نشأَ معكما في قصرِ ويندسور؟”
“نعم! قبلَ أن آتيَ إلى هنا، كانَ أخي يلعبُ معي بحربِ الثلجِ….”
توقفَ أليك عنِ الكلامِ والتفتَ إليَّ بنظرةٍ خاطفةٍ.
“…….”
“أيها الغبيُّ. لِمَ تراقبُ ردَّ فعلي؟”
“… أمم، أختي، أنتِ أيضًا تشتاقينَ لأخي، أليسَ كذلكَ؟ لقد مرَّ وقتٌ طويلٌ لم تريهِ فيهِ.”
“أشتاقُ إليهِ طبعًا.”
“…….”
نظرَ إليَّ أليك بعينينِ قلقتينِ، ثمَّ فتحَ فمَهُ بترددٍ.
“في الحقيقةِ… في آخِرِ يومٍ رأيتُ فيهِ أخي، بكى كثيرًا، لقد بكى أكثر مني حتّى. قالَ إنَّهُ آسفٌ جدًّا لي ولكِ. لقد طلبَ من والدي أن يسمحَ لنا بالعيشِ معًا… لكنَّهُ رفضَ طلبَهُ….”
“… هكذا إذًا. ولكن يا أليك، هذا ليسَ ذنبَ أخي ليعتذرَ عنهُ. أنتَ تعلمُ ذلكَ، صح؟”
“أعلمُ طبعًا. لهذا ظللتُ أقولُ لهُ إنَّني بخيرٌ… لكنَّهُ بكى كثيرًا رُغمَ ذلكَ….”
“…….”
اغرورقت عينا أليك بالدموعِ.
أردتُ أن أواسيهِ، لكنَّ دموعي سبقتني، فحوّلتُ وجهي نحو النافذةِ.
–”الأطفالُ الذينَ أصبحوا تحتَ سُلطةِ والدي بالفعلِ، لا يمكنُنا فعلُ شيءٍ لهم الآنَ. أنتِ تعلمينَ ذلكَ، صح؟”
هذا ما قالَهُ رايان بالأمسِ….
أجل، كلامُهُ صحيحٌ.
الأبناءُ الذينَ أيقظوا قواهم الخارقةَ هم بمثابةِ قطعِ شطرنجٍ ثمينةٍ لوالدي.
لذلكَ، لا توجدُ طريقةٌ لتهريبِهم.
ليسَ عليهم سوى الصمودِ في العائلةِ حتى يحينَ اليومُ الذي أتمكنُ فيهِ أنا ورايان من إنقاذِهم.
ولكن….
–”فانيسا…. أنا لا أريدُ العيشَ بهذا الشكلِ….”
أخي الأكبرُ، ريتشارد، كانَ ضعيفَ القلب.
وفي النهايةِ، أنهى حياتَهُ بنفسِهِ في ربيعِ عامِهِ الثاني والعشرينَ، حينَ كنتُ أنا في التاسعةِ عشرةَ.
–”… قالَ إنَّهُ آسفٌ جدًّا لي ولكِ….”
لا، بل العكسُ….
أنا مَن كنتُ آسفةً أكثرَ لأنّني لم أستطع إخراجَهُ من ذلكَ الجحيمِ فورًا.
تذكرتُ والدي الذي عذبَ ريتشارد طوالَ حياتِهِ، ثمَّ عقدتُ العزمَ.
‘انتظر يا أخي. تحمّل أكثرَ قليلًا فقط.’
* * *
العاصمةُ، قصرُ الدوقِ فاسنبيرغ.
عبرَ ممرٍّ فاخرٍ مزينٍ بالذهبِ والمجوهراتِ، كانَ الدوقُ إدغار فاسنبيرغ يتوجهُ إلى مكانٍ ما.
“أينَ ريتشارد؟”
أمامَ غرفةِ ابنِهِ، قدّمَ الخادمُ الذي يحرسُ البابَ تقريرَهُ فورًا.
“لم ينم بعدُ. هو على هذهِ الحالةِ يوميًّا منذُ عودتِهِ من قصرِ ويندسور.”
“…….”
تنهدَ إدغار تنهيدةً ممزوجةً بالانزعاجِ من التقريرِ الذي لم يتغير.
كانَ ريتشارد هكذا أيضًا حينَ طردَ تلكَ الفتاةَ المدعوّةَ فانيسا.
كم أضاعَ منَ الوقتِ في تهدئتِهِ و مواساتِهِ حينها؟
ولكن… كانَ عليهِ فعلُ ذلكَ.
كانَ بإمكانِ إدغار أن يجعلَ كلَّ أبنائِهِ عاجزينَ ويركعونَ أمامَهُ.
ولكن في الوقتِ نفسِهِ لو كانَ أبناؤُهُ أصحابُ القدرات عاجزينَ، لكانَ هو مجردَ إنسانٍ لا يستطيعُ فعلَ شيءٍ بمفردِهِ.
قوةُ أبنائه هي قوةُ إدغار.
لذلكَ، كانَ أكثرَ ما يبذلُ فيهِ جهدَهُ للحفاظِ على سُلطتِهِ هو “إدارةُ” أبنائِهِ.
-طقطقة.
فتحَ إدغار البابَ، وطرقَ مرتينِ خفيفتينِ.
“بنيَّ.”
“…….”
وجهٌ جميلٌ وشعرٌ بلونِ القمحِ الدافئِ.
ولكن دونَ أيِّ تعبيرٍ، كانَ ريتشارد يجلسُ على السريرِ كأنَّهُ دُميةٌ.
“ألا تستطيعُ النومَ؟”
اكتفى الابنُ بهزِّ رأسِهِ.
اقتربَ إدغار وجلسَ بجانبِ ريتشارد واحتضنَ كتفَهُ.
“… والدي؟”
مالَ ريتشارد برأسِهِ حينَ رأى إدغار بملابسِ النومِ.
“جئتُ لأنامَ معَ ابني العزيزِ بعدَ وقتٍ طويلٍ، ما الخطبُ؟”
ابتسمَ إدغار ولمسَ خدَّهُ بخفةٍ، فابتسمَ ريتشارد بضعفٍ.
كان يغدقُ عليهِ المودةَ كأبٍ حنونٍ، يقضي معهُ الوقتَ، ويستمعُ لمطالبِهِ قدرَ الإمكانِ.
رغمَ ذلكَ، قد يتمردُ الأبناءُ أحيانًا، لكنَّهُ لا يوبخُهم أبدًا بلا تفكيرٍ.
لأنَّهُ يعلمُ أنَّ ذلكَ لن يزيدَهم إلا عنادًا.
بالنسبةِ لإدغار، الذي أمضى أكثرَ من نصفِ عُمرِهِ في جعلِ أبنائِهِ طوعَ أمره، كانَ هذا الأمرُ سهلًا كالتنفسِ.
“هل يشغلُ بالكَ إخوتُكَ الصغارُ؟”
“… نعم.”
رفعَ ريتشارد رأسَهُ. كانت عيناهُ الخضراوانِ غارقتينِ في الدموعِ.
مسحَ إدغار الدموع من خدِّ ريتشارد بتعبيراتٍ مليئةٍ بالأسى.
وفي تلكَ النظراتِ المتبادلةِ بصمتٍ.
احمرّت عينا إدغار أيضًا.
“… آه، يا بنيَّ.”
قالَ إدغار بصوتٍ مخنوقٍ وهو يحتضنُ ريتشارد:
“قلبُكَ رقيقٌ جدًّا، ماذا أفعلُ بكَ؟….”
الفصول اول باول في قناة التلي موجودة بالتعليق المثبت
التعليقات لهذا الفصل " 80"