التفتَ رايان نحونا وقال: “لقد جئتما في وقتكما، ألقيا التحية. هذا هو سموّ الأمير من العائلة الإمبراطوريّة العظيمة، الذي يحرقُ نفسه تضحيةً لخدمة شعب الإمبراطوريّة ليل نهار.”
فُوجئ أليك بكلمات الثناء المبالغ فيها التي ألقاها رايان.
“سموّ الأمير؟ قالت كارلي إنّ أبي سيقابلُ قائد الفرسان…”
“أها، يبدو أنك لم تكن تعلمُ بعد. في الحقيقة، لم يمضِ وقتٌ طويلٌ على تولي سموّه منصب القائد. إنه بالفعل من العائلة الإمبراطوريّة، الأمير الثالث.”
بفضل شرح رايان، أدرك أليك الذكيّ الموقف فورًا وانحنى بخصره.
“أتشرفُ بلقاء سموّ الأمير نايكي فالنسييه، أحد أفراد الأسرة الإمبراطوريّة في إمبراطوريّة فالنسييه العظيمة. أنا أليكساندر فاسـ… بيلزر!”
كاد ينطقُ اسمه الحقيقيّ للحظة، لكنه أثبتَ أنه طفلٌ نخبويّ من قصر ويندسور، حيث كان يحفظُ آداب التحية وشجرة العائلة الإمبراطوريّة عن ظهر قلب.
كنتُ أنظرُ بذهولٍ إلى نايكي وهو يومئ برأسه ردًّا على تحية أليك، حتى غمز لي رايان منبهًا.
“ابنتي؟ ألن تُلقي التحية أنتِ أيضًا؟”
“آه… نعم!”
نظرتُ إلى نايكي، ونظرَ هو إليّ.
“……”
كان عليّ أن أفتحَ عينيّ على وسعهما، حتى لا اذرفَ الدموع من عينيّ اللتين بدأتا تؤلمانني منذ قليل.
“…أتشرفُ بلقاء سموّ الأمير الثالث. أنا فانيسا بيلزر.”
لم أستطع التحدث مطوّلًا خوفًا من أن يكتشفَ ارتجاف صوتي.
لم أستطع حتى مناداة نايكي باسمه، واكتفيتُ بإمالة رأسي قليلًا.
شعرَ رايان بالارتباك، واقترب مني وهو يختلسُ النظر إلى رد فعل نايكي، ولكن…
“يكفي. لقد تلقيتُ ما يكفي من التحية.”
قاطعه نايكي وسأل على الفور بملامح يملؤها القلق: “لماذا يوجد طفلان؟”
كان من الطبيعيّ أن يشعرَ بالقلق، فوجود طفلٍ واحد – فضلًا عن اثنين – في أرضٍ تهاجمها الوحوش السحريّة بين الحين والآخر هو أمرٌ مقلق.
‘أريدُ أن أخبرك ألّا تقلق…’
بفضلك، لا تستطيعُ الوحوش السحريّة حتى أن تطأ أرض بيلزر.
في المرة الوحيدة التي غبتَ فيها، اختُرِق خط الدفاع الأخير، لكن بفضل ذلك اكتُشِفت الأحجار السحرية التي نعيشُ منها الآن. شكرًا لك.
‘أريدُ حقًّا أن أقولَ لك ذلك بحرارة…’
“لقد سمعتُ بوضوحٍ أن لديه ابنةً واحدةً فقط.”
“آه، نعم. أما عن هذا الفتى…”
وقف رايان خلف أليك وأمسك بكتفيه قائلًا:
“أمُّ ابنتي أنجبت هذا الطفل عندما كنتُ في السجن. لذا، فهذا الفتى وابنتي… أخوان من الأم.”
شعرتُ بالرغبة في البكاء بسبب هذا التعريف الذي جعل عائلتنا تبدو كحطامٍ مشتت.
الآن بعد أن أصبحتُ ابنة أبٍ أعزب من العامة ومجرمٍ سابق، ولستُ ابنة دوق…
آلمني قليلًا إدراك الواقع الذي يجعلُ من الصعب عليّ حتى التقرب من نايكي، وهو من العائلة الإمبراطوريّة.
“لقد اعتنى والدي بالأطفال وأمهم طوال تلك الفترة. وعندما أُطلِق سراحي، أرسلهم إليّ قائلًا إن عليّ تحمل المسؤولية الآن.”
“…أهكذا الأمر.”
رغم الرائحة المريبة التي تفوحُ من هذه القصة، إلا أن نايكي الطيب اكتفى بالإيماء برأسه بهدوء.
حينها قال أليك: “أبي رجلٌ كريم، فقد سمح لي بالعيش هنا مع أختي رغم أنه ليس ملزمًا باستقبالي، يا سموّ الأمير.”
بفضل دعم هذا الصغير سريع البديهة، ارتجفت زاوية فم رايان بابتسامةٍ مكتومة.
“…يجبُ أن يكبروا وهم يتلقون الحب. ما ذنب الأطفال؟ كل الخطأ يقعُ على عاتق الكبار…”
“نعم، وجود طفلين يجعلني أكثر قلقًا. أتمنى أن تنتقلوا إلى السكن المؤقت في أسرع وقتٍ ممكن.”
“هاها، بكل تأكيد.”
في تلك اللحظة، تدخل السير ويليام شاكسين بسرعة، وهو ينظرُ إلى رايان بنظرةٍ مليئة بالغيظ.
“عندما كنتُ أتحدثُ معه، كان يرفضُ الاستماع بتعنت، لكنه الآن في غاية الأدب أمام سموّك. أشعرُ وكأن غصةً كانت في صدري منذ عشر سنوات قد انزاحت. شكرًا لك يا سموّ الأمير.”
“هاها، سير ويليام؟ أي افتراءٍ هذا؟ متى رفضتُ الاستماع إليك…؟!”
“سموّ الأمير، للمعلومية، هذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها منه لقبًا تشريفيًّا اليوم. في كل مرة أتحدثُ فيها معه، أشعرُ وكأن كرامتي كفارسٍ إمبراطوريّ تنهارُ على الأرض.”
يبدو أن ويليام، الذي عانى من رايان طويلًا، قرر استغلال الفرصة وبدأ يهمسُ لنايكي بكل شيء، ولكن…
“ربما كلمةٌ حازمة منك سـ…”
“سأذهبُ الآن.”
بمجرد أن حقق نايكي غرضه من الزيارة، صعد إلى العربة التي كانت تنتظره في الخلف ببرود، وكأنه لا داعي للبقاء أكثر.
-طراخ.
بمجرد إغلاق الباب واختفاء نايكي عن الأنظار، اشتبكَ رايان وويليام فورًا.
“أتريدُ أن تموت!!!”
“أفلتني أيّها الوغد!!!”
كانا يتشاجران بصوتٍ خفيضٍ قدر الإمكان.
“لقد قلتُ إنني سأخرج! سأخرجُ عندما يحينُ الوقت، هل كان عليك أن تشيَ بي لرئيسك بدناءة؟! أين شهامة الفرسان؟”
“أنت الذي كنتَ ستبقى رابضًا هنا لولا كلمات سموّه!! ولا توجد شهامة فرسان لأمثالك، أيّها الوغد!”
يبدو أنّهما أصبحا قريبين من بعضهما. بدا أنّ علاقتهما قد توطدت أكثر دون أن أشعر.
بعد دقائق، صعد ويليام الذي كان يلهثُ من الغضب إلى العربة التي يركبُ فيها نايكي، وانطلقت العربة التي تحملهما نحو أرض شافت الملعونة.
‘أتمنى ألّا تُصاب بأذى…’
صليتُ في سري وأنا أراقبُ العربة وهي تبتعد.
استمررتُ في النظر حتى ابتلعت الغابةُ العربة واختفت آثارها تمامًا…
“لماذا تنظرين بتلك العاطفة الشديدة؟”
أقحم رايان وجهه فجأةً أمامي.
“…لا شيء.”
“نظراتكِ تشبهُ تلك النظرات عندما تتذكرين أيام مواعدتكِ لخادم قصر ويندسور.”
“؟”
إنه ثاقبُ الملاحظة. كما هو متوقعٌ من رجلٍ يحملُ اسم وحشٍ كاسر.
هل هي حاسة الحيوان؟
لينا: اسم رايان (라이언) في الكورية يُنطق تقريبًا “رايون”، وهو نقل صوتي مباشر لكلمة Lion الإنجليزية، أي أسد.
“يا، يا أليك! مَن هو خادم قصر ويندسور الذي كان يواعدُ ابنتي؟!”
“هاه؟! حقًّا؟! هل كانت أختي تواعدُ خادمًا؟ لم أكن أعلم! أختي، من هو؟! فريد؟ رومان؟”
على الطريق المؤدي إلى ثكنات فرقة التطهير المتمركزة في شافت، الأرض الملعونة.
كان نايكي غارقًا في أفكاره.
قبل نصف عام، كم شعر بالارتباك عندما تلقى تقريرًا من ويليام يفيدُ بأن هناك من اشترى أرض بيلزر.
وعندما تحققَ من الأمر، وجد أن ملكية الأرض قد انتقلت إلى صاحب قدرةٍ خارقةٍ طردته عائلة فاسنبيرغ…
فكر حينها أن هذا هو السبب الذي جعله يدخل بيلزر دون قلق.
رايان فاسنبيرغ.
المسؤول الرئيسيّ عن مجزرة كونراد.
بالنسبة لشخصٍ قويّ لدرجة أنه دمر مقاطعةً كاملة وهو في الثانية عشرة من عمره فقط، لن يكون هناك ما يخشاه.
“يبدو أنكما أصبحتما مقربين.”
قال نايكي ذلك وعيناه لا تزالان موجهتين نحو النافذة.
تردد ويليام الذي كان بجانبه للحظة، ثم أدرك المعنى وتفاجأ.
“…هل تقصدُني أنا ورايان بيلزر؟”
“نعم.”
“من أي ناحية حقًّا…؟”
التفتَ نايكي نحو ويليام. تلاقت أعينهما وتبادلا النظرات في صمت.
بعد قليل، خفض ويليام رأسه بهدوء.
“…أنا آسف.”
“على ماذا؟”
“بسبب لقاءاتنا المتكررة، وجدتُ نفسي أستلطفه… أعلمُ أنه مجرمٌ خطير. ولكن… من خلال التعامل معه، شعرتُ وكأنه مجرد شابٍ مرحٍ في عمري. في البداية كنتُ خائفًا منه بعد أن عرفتُ هويته، لكنه لم يسبق له أن أساء استخدام قدراته…”
“……”
“رغم أن لديه طفلةً أنجبه في طيش صباه، إلا أن رؤيته وهو يحاولُ إعالتها بمسؤولية جعلتني أراه بشكلٍ جيد… ورغم خشونة لسانه، إلا أنه رجلٌ ذو قلبٍ عميق. بالطبع لا أزالُ أحذرُ منه، لكنه لم يفعل شيئًا يثير المشاكل…”
أدرك ويليام أنه استرسل في الحديث دون قصد، فخفض رأسه فجأة.
“آه، يبدو أنني تهاونتُ قليلًا. سأصححُ ذلك.”
“لا. لا عليك لم أكن ألومك.”
شبك نايكي ذراعيه ونظرَ خارج النافذة مرةً أخرى.
مجزرة كونراد.
يعلمُ نايكي أنها كانت كارثةً مخططة. لقد كانت “تحذيرًا” من الدوق فاسنبيرغ الذي استشاط غضبًا من محاولة زراعة القدرات الخارقة.
لذا، ربما اتبع رايان أوامر والده الدوق مضطرًا.
أو.
‘ربما لم يكن هو من ارتكبها من الأساس.’
كانت مجزرة كونراد حادثةً مروعةً لدرجة أن حتى عائلة فاسنبيرغ كان عليها تقديم كبش فداءٍ لتحمل المسؤولية.
لا يمكن أن يكون الدوق فاسنبيرغ جاهلًا بذلك.
إذا كان الأمر كذلك، فلا بد أنه ضحى بأكثر أبنائه “عديمي الفائدة” من بين الذين يملكهم.
بالطبع كان هذا مجرد تخمين، لكن نايكي كان يفكرُ هكذا.
هل كان الدوق سيلقي بابنٍ يمتلكُ هذه القدرة القوية في السجن ويطرده هكذا؟
“اجعل علاقاتك الإنسانية كما يمليه عليك قلبك. لا داعي لمراقبة رد فعلي.”
“إحم. لا، ليس الأمر كذلك…”
“…ماذا عن ابنته؟”
سأل نايكي ثم أضاف وهو يلتفتُ نحوه: “كنتُ أتساءلُ عما إذا كنتَ قد أصبحتَ مقربًا من الابنة أيضًا.”
“آه، الصغيرة فانيسا! إنها جميلةٌ جدًّا. الطفلة طيبةٌ وكثيرة التودد. لا أعلمُ حقًّا كيف حصل ذاك المدعو رايان على ابنةٍ كهذه. في كل مرة تعودُ فيها من الخارج، لا بد أن تشتري الوجبات الخفيفة وتحضرها لثكنات جنودنا.”
بدأ ويليام يثرثرُ بحماسٍ على الفور.
“وهي تخبرنا بأمورٍ مثل من قابلت اليوم وماذا لعبت، إنها لطيفةٌ للغاية. جميع جنودنا يحبون فانيسا. وبما أن طفلةً مثلها تثقُ بوالدها وتتبعه بشدة، بدأتُ أعتقدُ أن رايان هذا ليس حثالةً تمامًا…”
أغمض ويليام عينيه بشدة عندما أدرك أنه أطلق للسانه العنان مرةً أخرى.
التعليقات لهذا الفصل " 79"