كانَ يتبعُها مناديًا إياها “أمي، أمي”، وفي كلِّ مرةٍ كانت إيما توبخُهُ بصرامةٍ وتأمرُهُ ألا يناديها هكذا.
‘بما أنَّ أليك كانَ متعلقًا بها هكذا، لم يكن بإمكانها ألا تشعرَ بالمودةِ تجاهَهُ.’
علاوةً على ذلكَ، علمتُ لاحقًا أنَّ للزوجينِ ابنًا في مثلِ عمري تمامًا.
قيلَ إنهُ ولدَ ضعيفًا وماتَ قبلَ أن يُتمَّ عامهُ الأولَ.
‘لهذا السببِ ربما، كانَ أليك دائمًا غاليًا على قلبها…’
قبلَ العودةِ بالزمنِ، في عيدِ ميلادِ أليك الثاني عشرَ.
زارَ والدي، الدوقُ فاسنبيرغ، قصرَ ويندسور.
وكنتُ معهُ بعدَ أن ألححتُ عليهِ لمرافقتهِ.
حينها تبيَّنَ أنَّ أليك عديمُ قدراتٍ.
حينها، تشبثت إيما بطرفِ رداءِ والدي وهي تتوسلُ باكيةً.
“سيدي! أرجوكَ، أنا أتوسلُ إليكَ. تقديرًا لسنواتِ خدمتي وولائي… أرجوكَ! دعني أنا وزوجي نأخذُ السيدَ الشابَّ أليك ونربيهُ في مكانٍ هادئٍ! أرجوكَ، أرجوكَ!”
في ذلكَ الوقتِ كنتُ صغيرةً ولم أكن أفهمُ.
لماذا تذهبُ إيما إلى هذا الحدِّ لأجلِ أليك؟
معَ اقترابِ عيدِ ميلادِ أليك الثاني عشرَ، كنتُ قلقةً، فطلبتُ من والدي ألا يطردَهُ حتى لو كانَ عديمَ قدراتٍ…
ووالدي أخبرني ألا أقلقَ.
‘أليك عديمُ قدراتٍ، لكنَّ والدي قالَ إنهُ يحتاجُ فقط للقتالِ ضدَّ الوحوشِ مرةً واحدةً من أجلِ العائلةِ ثمَّ يعودُ. وحينها يمكنُهُ العيشُ معي في بيتِ والدي بسعادةٍ.’
كانَ ذلكَ هو الوعدُ الذي انتزعتُهُ منهُ.
وعندما كنتُ أخشى أن يموتَ أليك، أخبرني والدي أنَّ الجنودَ سيحمونَهُ.
وأنَّ أليك لن يُصابَ بأذىً…
كلُّ ما في الأمرِ، هو رغبتهُ في أن يُظهرَ للعالمِ أنَّ ابنَ العائلةِ يؤدي واجبهُ حتى لو كانَ بلا قدراتٍ…
بمجردِ عودتهِ من تلكَ المهمةِ الوحيدةِ، سنعيشُ معًا دونَ قلقٍ!
“لا يمكنُ أن يحدثَ هذا! كيفَ يمكنُ لإنسانٍ أن يكونَ بهذا الجحودِ! إنهُ ابنُكَ يا سيدي، أرجوكَ! ألّا تعلم أن إرسال هذا الطفل الصغيرِ إلى ذاكَ المكانِ يعني الموت؟!!!”
صرخَ رالفُ أيضًا في وجهِ والدي كالمجنونِ.
تصلبتُ مكاني من الصدمةِ وأنا أشاهدُ ذلكَ المشهدَ، بينما كانَ والدي يهدئني بلطفٍ.
“فانيسا، لا تقلقي. كما قالَ والدُكِ، سيعودُ أليك سالِمًا. هما يحبانِ أليك كثيرًا ولذا يقلقانِ بلا داعٍ.”
على عكسي وأنا صغيرةٌ، لابدَّ أنَّ إيما ورالفَ قد أدركا الحقيقةَ.
أدركا أنَّ والدي يخططُ للتخلصِ من أليك عديمِ القدراتِ بشكلٍ طبيعيٍّ في ساحةِ المعركةِ.
حينها انتزعَ الجنودُ أليك من حضنِ إيما رُغمًا عنها.
اندفعت إيما نحو والدي.
–”أيها الشيطانُ! أيها الحثالةُ! حتى الحيوانات لن تفعلَ ما تفعلهُ!!!”
صرخت بغيظٍ واندفعت لتخمشَ وجهَ والدي وبصقت عليهِ.
رالفُ لم يمنع إيما، بل هجمَ معها على والدي.
“إدغار فاسنبيرغ!!! سألعنُكَ حتى وأنا في الجحيمِ!!!”
“ابنتي، لابدَّ أنكِ فزعتِ. لا تقلقي. والدُكِ يتفهمُ مشاعرهما تمامًا.”
ظننتُ أنهُ من المستحيلِ أن يسلما بعدَ فعلِ هذا بوالدي.
لكنَّ والدي قالَ لي ألا أقلقَ لأنهُ لا ينوي معاقبتهما.
‘هل يوجدُ شخصٌ كريمٌ وصبورٌ مثلُ والدي في هذا العالم؟’
أعتقدُ أنني فكرتُ في ذلكَ الوقتِ بهذا الهراءِ.
بعدَ ذلكَ، لم يكن هناكَ سبيلٌ لمعرفةِ ما حدثَ للزوجينِ.
عندما عادَ أليك لاحقًا بعدَ أن أيقظَ قدراتهِ، بحثَ عنهما لكنهُ لم يجدهما.
كلُّ ما سمعهُ هو أنَّ والدنا كافأهما على تعبهما وساعدهما ليعيشا بقيةَ حياتهما براحةٍ.
وبعدَ مرورِ الكثيرِ من الوقتِ.
بسببِ شفقتي على أليك الذي لم ينسَ إيما وظلَّ يفتقدُها لفترةٍ طويلة، بحثتُ عنها سِرًّا، وعرفتُ الحقيقةَ حينها.
لقد ماتت مع رالف.
ماتا في نفسِ ذلكَ اليومِ الذي بصقت فيهِ على وجهِ والدي.
* * *
“اذهبا بحذرٍ. الجوُّ باردٌ في الخارجِ فلا تخلعا المعاطفَ. لا تبتعدا عن السير كارلي، وعودا قبلَ أن يحلَّ الظلامُ. لا تشتريا أيَّ وجباتٍ خفيفةٍ عشوائيةٍ…”
استمرت تحذيرات إيما لأكثرَ من عشرِ دقائقَ.
بدا أنّ أليك يشعرُ بالملل، لكنني استمعتُ بجديةٍ.
تلكَ الثرثرةُ التي كنتُ أكرهها بشدةٍ قبلَ العودةِ بالزمنِ لا بأسَ بها الآن.
لأنَّ جوهري أصبحَ ناضجًا، وأفهمُ الآن قلبَ إيما الذي يشبهُ قلبَ الأمِّ في خوفها علينا.
“هيا، اذهبا الآن!”
“أجل، إيما!”
“سنذهبُ الآن!”
“يا إلهي، لا تركضا…!”
ركضتُ أنا وأليك خارجَ الغرفةِ.
لقد حانَ الموعدُ الذي حددتُهُ مع جان منذُ فترةٍ طويلةٍ!
“هاه.”
عندما نزلتُ إلى الطابقِ الأولِ، لم أرَ سوى كارلي التي كانت تنتظرنا ومارشين الذي كان يغسلُ الأطباقَ.
“أين أبي وأخي؟”
سألتُ كارلي، لكنَّ مارشين ذا الأذنينِ الحادتينِ أجابَ وهو يغسلُ الأطباقَ: “سمعتُ أنَّ شخصًا رفيعَ المستوى قد وصلَ إلى الخارجِ؟”
“…شخصٌ رفيعُ المستوى؟”
من عساهُ يكون؟ شعرتُ بتوترٍ مفاجئٍ، لكنَّ كارلي هدئتني.
“إنهُ قائدُ فرسانِ الإمبراطوريةِ.”
“……؟”
“قالَ إنهُ في طريقهِ للتمركزِ في شافت. إنهُ يتحدثُ مع السيدِ رايان… أقصدُ اللورد، في الخارجِ، ويبدو أنهما يتناقشانِ بخصوصِ الإقامةِ في بيلزر. أما أخي فهو في القبوِ.”
“……”
“…آنستي؟”
“أختي؟”
نظرا إليَّ بتعجبٍ وأنا فاتحةٌ فمي من الصدمةِ.
“قـ- قـ- قـ- قائدُ الفرسانِ موجودٌ هناكَ في الخارجِ الآن…؟”
“همم؟ نعم. قائدُ الفرسانِ العظيمُ موجودٌ في الخارجِ.”
“ببففففت!”
ضحكَ أليك لرؤيتي أتلعثمُ ورؤيةِ كارلي تمازحني.
لكنني لم أستطعِ الضحكِ. بدقةٍ أكثر، كان قلبي ينبضُ وكأنهُ سيخرجُ من صدري ولم أستطعِ الهدوءَ.
التعليقات لهذا الفصل " 78"