مرّ حوالي أسبوعان منذ وصول كارلي إلى بيلزر… وأصبح مشهد الصباح في منزلنا يضجُّ بالحياة الآن.
مائدة طعام تجمع خمسة أشخاص: رايان، ريڤان، مارشين، أنا، وكارلي.
“آنستي، هل تحتاجين المزيد من المربّى؟”
“كلا، أنا بخير~”
في اليوم الأوّل، أصرّت كارلي على أنّ تناول الحارسة الطعام مع أصحاب البيت أمرٌ غير لائق، لكن بمجرّد أن استخدمتُ معها لطافتي لمرّة واحدة، جلست في مكانها فورًا.
كان من المطمئن أنّ نقطة ضعفها تجاه لطافتي هي ذاتها كما كانت قبل العودة بالزمن.
“أعطيني بعض المربّى أنا أيضًا.”
“تفضل.”
و لقد أصبحت مقرّبةً من مارشين أيضًا…
“كُلي جيدًا. هل أصطاد لكِ وزّة للعشاء اليوم؟”
“أجل!”
بدأ ريڤان يهتمّ بالطبخ مؤخرًا ليعتني بكارلي ذات الشهيّة الكبيرة.
و…
“السيّد رايان، المربّى…”
“اللورد رايان.”
“……”
كتمتُ أنا ومارشين ضحكتنا فورًا وتبادلنا النظرات.
رايان، منذ وصول كارلي والمرتزقة إلى بيلزر، أصبح مهووسًا بلقب “لورد المقاطعة” ذاك…
“لقد قلتُ لكَ عدّة مرّات، إذا كنتَ تريد أن تُنادى بلورد، فهناك عدّة شروط. بما أنّ السيّد رايان يملك الأرض فقط، فأنت تقنيًّا ‘صاحب الأرض’ فحسب.”
“يا هذه…”
“بموجب قانون الإمبراطوريّة، شروط تعيين الإمبراطور لشخصٍ ما كسيّد مقاطعة هي: أولاً، امتلاك الأرض. ثانيًا، حيازة لقب نبل واحد على الأقل. ثالثًا، وجود مائة مواطن على الأقل يسكنون فعليًّا في المقاطعة. رابعًا، أن يمارس أكثر من نصف السكان نشاطًا اقتصاديًّا…”
“فانيسا.”
ناداني رايان الذي سدّ أذنيه بملل، فقلتُ لكارلي على الفور:
“لنناديه باللورد فحسب~”
“حاضر، حسنًا يا لورد رايان سأقوم بهذا.”
رمق رايان كارلي بنظرةٍ حادّة.
يبدو أنّه يجدها مستفزة لأنّها تعترض على كلّ كلمة يقولها.
أما كارلي التي أعرفها، فهي ببساطة تستمتع بالشجار مع رايان وإغضابه.
يا لها من عائلة متناغمة حقًّا…!
أشعر بالفخر مجددًا.
“آه، هؤلاء المرتزقة جميعًا لا يعملون ويستمتعون بوقتهم، هل يُعقل أن يبلغ إجمالي رواتبهم 440 ألف قطعة ذهبية؟”
أمسك صاحب العمل المستغلّ، الذي يرغب دائمًا في كدح الآخرين، برأسه وهو يتألم.
تمّ التعاقد مع كارلي براتب 60 ألف قطعة ذهب سنويًّا، وبقيّة مرتزقة <سيربيروس> التسعة عشر براتب 20 ألف قطعة ذهبية لكلّ منهم…
“إنّهم يعملون، انظر هناك.”
أشرتُ إلى خارج النافذة.
كان هناك حارسان عند البوّابة يتجاذبان أطراف الحديث بجدّية.
في اليوم الذي وصل فيه أعضاء <سيربيروس> إلى بيلزر، سحب رايان فرسان الإمبراطوريّة الذين أرسلهم نايكي لحماية منزلنا.
أرينا السير ويليام شاكسين بطاقات مرتزقة سيربيروس من الرتبة S.
“أشعر بعدم الارتياح لهدر الطاقات الكبيرة لسموّ الأمير، لذا أحضرتُ مرتزقة. أشكر فرسان الإمبراطوريّة على جهودهم لعدّة أيام، ولن أنسى فضل سموّ الأمير العظيم كالبحر… بلّغوه هذا!!!”
هذا ما قاله رايان.
بالطبع، السبب الذي جعل رايان يسحب الفرسان ليس خوفًا من هدر طاقات نايكي أو شعورًا بالامتنان، بل–
“يجب أن أجعل هؤلاء الأوغاد يفعلون شيئًا!”
ليجعل أعضاء سيربيروس الذين وظّفهم بمالٍ كثير يعملون بأيّ طريقة!
“هناك من سُجن 12 عامًا وعمل بالسخرة دون قرش واحد! بينما هم يتقاضون 20 ألف قطعة ذهبية وعملهم الوحيد هو حماية بوّابة قصر هادئ! لا أحتمل هذا!!!”
“يا إلهي، كلامك كثير جدًّا على مائدة الطعام. لماذا أنت شحيح هكذا رغم أنّك سيد مقاطعة ثريّ؟”
وبّخه ريڤان وهو يراه يثرثر بلا توقّف.
هذا صحيح.
صاحب أرض بيلزر يجلس حرفيًّا فوق منجم من الأحجار السحرية!
للعلم، العمّال المنقّبون جميعهم في إجازة حاليًّا.
من المقرّر أن يعودوا للعمل في مارس القادم بعد انتهاء أزمة الوحوش الوشيكة.
لقد استخرجوا لنا كميّة كافية من أحجار المانا، وأغلقوا مدخل المنجم بإحكام لأغراض أمنيّة.
“الأمر ليس متعلّقًا بالمال. المشكلة هي التعوّد على كسب المال بسهولة وعدم الشعور بقيمة العمل العظيمة.”
“حقًّا، كلامُ من قدّم خدمات مجانيّة للدولة بالعمل لمدّة 12 عامًا مختلفٌ تمامًا. إنّها نصيحةٌ تلامس العظم.”
“إيييك!”
اشتعل رايان من سخرية كارلي، بينما انفجرنا جميعًا بالضحك.
عائلتنا ودودة للغاية، لدرجة أننا نحوّل سنوات سجن ربِّ عائلتنا المظلوم إلى دعابة ممتعة.
“لا تقلق يا أبي. كارلي ستذهب اليوم لتثبت جدارتها براتبها. ستخرج معي إلى كونيغ.”
“ماذا؟! هل ستذهبين للعب مجددًا؟”
“أجل.”
حشرتُ آخر قطعة خبز في فمي، ونهضتُ لأتجهّز.
المكان الذي أذهب إليه دائمًا.
هو منزل الحوذيّ جان ويلينغز في كونيغ.
“لقد وعدتُ ميليسا بأن نلعب بالدمى اليوم.”
“هوه.”
ميليسا ويلينغز هي شقيقة جان الصغرى، وهي أصغر مني بعامين.
“أنتِ في الثانية عشرة من عمركِ… وتلعبين بالدمى؟!”
بدا رايان مذهولاً.
هززتُ كتفيّ قائلة: “ألستُ في الثانية عشرة؟”
“……”
نظر إليّ مطولاً. ولم أُبعِد نظري عنه. بعد صمت، انفجر رايان بضحكة خافتة.
“… أجل، هذا صحيح.”
منذ أن حصلتُ على حارسة، أصبح الأمر رائعًا حقًّا.
يمكنني الخروج كثيرًا مع كارلي بجانبي دون الحاجة لرايان.
لقد ذهبتُ لبيت جان ثلاث مرّات هذا الشهر فقط!
“سأذهب، يا أبي!”
“حسناً. ارتدي ملابس ثقيلة قبل الخروج.”
* * *
بفستان أحمر طويل وغطاء أذنين وردي على شكل أرنب؛ خرجت فانيسا المدججة بالملابس ضد البرد مع كارلي من المنزل.
“إلى اللقاء!”
لوّح رايان وريڤان بيديهما حتى اختفت عربة جان التي تقلّهما.
هكذا بقي الرجلان وحدهما.
بدأ ريڤان الكلام: “عندما يعود المرء بالزمن، هل تصغر عقليته مع جسده؟”
“كلا.”
هزّ رايان رأسه.
“إذن هي لا تذهب لبيت الحوذيّ لتلعب بالدمى حقًّا؟”
“لا بدّ أن لديها غاية.”
“هل تحاول التصرف كطفلة في عمرها لتخفي حقيقة كونها عائدة بالزمن؟”
حلّل ريڤان الأمر وهو يلمس ذقنه.
باعتباره عبقريًّا، كان يميل للتعمق، لكن رايان هزّ رأسه مجددًا.
“آسف، لكن أرنبنا ليست شخصًا بهذا التعقيد.”
“صحيح. لقد قلتَ إنّها لا تنوي إخفاء أمر عودتها عنك تمامًا. إذن الأمر متعلّق بشقيقة جان. بما أنّها مريضة.”
جان ويلينغز، العربجيّ الذي يعيل ثلاثة إخوة مع أمّ أرملة تعمل في الخياطة.
كانا يعلمان أنّ شقيقته الصغرى ميليسا مريضة منذ فترة طويلة.
والسبب الذي يجعل جان يكدّ في العمل هو تأمين ثمن دواء ميليسا.
“لكن ألم تكن إصابتها داخلية؟ أليست قدرة فاني مخصصة للجروح الخارجية؟”
“ربما تملك قدرة تعالج الإصابات الداخلية أيضًا.”
“يا للهول.”
“إنّها مخيفة.”
“إذا عالجتها دفعة واحدة سيلفت ذلك الأنظار، لذا تذهب بحجة اللعب لتعالجها على عدّة مراحل.”
“هذا مؤكد.”
“تُرى من تشبه في طيبتها هذه…، لكن بالنظر لشخصية فاني، لم يكن لتتأخر بدء العلاج هكذا. ألم تكن تعلم بمرض ميليسا منذ لقائنا الأوّل بجان؟”
“هذا هو الجزء الذي أراه غريبًا.”
أضاف رايان وهو يكتّف يديه: “تلك هي النقطة بالضبط. حسب شخصية الأرنبة، كان من المفترض أن تذهب لعلاجها فور توطد علاقتها بجان.”
“همم، ربما تظهر قدراتها واحدة تلو الأخرى؟ القوة التي تعالج الإصابات الداخلية… ربما استيقظت مؤخرًا؟”
“هل تتذكر متى كانت أوّل مرّة ذهبت فيها إلى منزل جان ويلينغز؟”
“إمم.”
استرجع ريڤان ذاكرته.
“ألم يكن في ذلك اليوم الذي عدنا فيه بعد أن عثرنا على مارشين، أليس كذلك؟”
“صحيح. عثرنا على مارشين، ثم مررنا بـ ‘روماير’ لنشاهد عرض أخي الرابع. وبعدها بعنا الأحجار السحرية وجمعنا المال، وأخيرًا توقفنا في كونيغ لشراء بعض المستلزمات.”
بينما كان رايان وريڤان يشتريان الضروريات، قالت فانيسا وكأنها كانت تنتظر، إنها ستذهب للعب والانتظار في منزل جان.
ومنذ ذلك الحين، بدأت تذهب إلى منزله كثيرًا بحجة أنها أصبحت صديقة لإخوته…
“يبدو أنّ فاني بدأت العلاج منذ ذلك الوقت. يا أخي، ولكن لماذا ذهبنا إلى روماير أصلاً؟”
“لأنّ الأرنبة قالت فجأةً إنها تريد رؤية وجه أخي الرابع. فجأةً تمامًا.”
“للعلم، قدرة أخي الرابع هي <ينبوع التطهير> هي بالضبط القوة التي تعالج الإصابات الداخلية.”
“أجل، هذا صحيح.”
صمت الرجلان وغرق كلّ منهما في أفكاره.
وبعد فترة، تطلعا لبعضهما وابتسما.
“هيا، الأمر يبدو غامضًا ومشوشًا بعض الشيء.”
“بالفعل.”
“لكن هناك أمر واحد مؤكد.”
لمعت عينا ريڤان.
“المعركة بينك وبين فاسنبيرغ. الشرط الوحيد للفوز الساحق فيها هو من الذي سيضمن بقاء فانيسا بجانبه في اللحظة الأخيرة.”
“صحيح. لكنها ابنتي بالفعل.”
“أهنئك. لو علم دوق فاسنبيرغ بهذا، لمات قهرًا.”
“آه، كم هذا مثير…”
في تلك اللحظة ناداهما مارشين من داخل المنزل: “ماذا تفعلان هناك! الجو بارد، ادخلا فورًا!”
التعليقات لهذا الفصل " 72"