خشيت كارلي أن تخرج لهجة مسقط رأسها من شدّة الصدمة، فأطبقت يدها على فمها فورًا.
لكنّ كارلي كانت الوحيدة التي ذُهلت.
“هل هناك مكانٌ آخر يؤلمكِ؟”
لقد سألت فانيسا بمنتهى الهدوء!
استعادت كارلي رباط جأشها بسرعة، ثمّ…
‘كلا، لا يمكنني البقاء هادئة أبدًا!’
“هـ- هل السيّد رايان هو صاحب الدم المختار في عائلة فاسنبيرغ؟!”
“هوك. أنتِ تعرفين الكثير، أليس كذلك؟”
“هذا أمرٌ معروفٌ للخارج إلى حدّ ما. حقيقة أنّ واحدًا فقط من أبناء سيّد فاسنبيرغ يرث الدم الذي ينجب ذوي القدرات الخارقة.”
“فهمتُ. لكن ليس لأنّ أبي من الدم المختار أصبحتُ أنا من ذوي القدرات. أنا في الحقيقة لستُ ابنة أبي، بل ابنةٌ غير شرعيّة للدوق إدغار فاسنبيرغ.”
“آه.”
“نحن نتظاهر بأنّنا أبٌ وابنة لظروفٍ معيّنة، لكنّنا في الواقع أخوان غير شقيقين. لقد خرجتُ من المنزل متظاهرةً بأنّني عديمة القدرة تمامًا مثل أبي.”
“ولماذا فعلتِ شيئًا كهذا…؟”
“ألا يماثل السبب الذي جعلكِ تحاولين التسلّل إلى فاسنبيرغ؟”
في تلك اللحظة، تجمدت كارلي.
سألت فانيسا على الفور: “هل تحملين ضغينةً تجاه فاسنبيرغ؟”
“……”
“منذ متى؟”
بدا أنّ فانيسا قد سمعت القصّة كاملةً من رايان.
ومع ذلك، تردّدت كارلي فيما إذا كان عليها كشف سرّها الذي أخفته لسنواتٍ طويلة بهذه السهولة.
… أليست بالفعل قد حزمت أمتعتها وهي في طريقها إلى بيلزر؟
“ضغينة، أجل… ولكن بعيدًا عن مشاعري الشخصيّة، فإنّ سقوط تلك العائلة سيكون أمرًا جيدًا للكثيرين.”
“هذا صحيح.”
“أمّا عن سؤالكِ منذ متى، فمنذ أن كنتُ في السابعة من عمري.”
انفتحت عينا فانيسا على اتّساعهما.
“… حقًّا؟”
“أجل.”
“إذن، ماذا كنتِ تنوين فعله لو تمّ توظيفكِ كحارسةٍ في فاسنبيرغ؟ اغتيال من تحرسينه؟”
“أجل. فكّرتُ أنّه يمكنني على الأقلّ النيل من واحدٍ منهم والموت معه.”
“هكذا إذن.”
ابتسمت فانيسا بضعفٍ لسببٍ ما.
ثمّ تردّدت قليلاً قبل أن تسأل: “… ربما. لو كنتُ أنا هناك في فاسنبيرغ، وأصبحتِ أنتِ حارستي، هل كنتِ ستغتالينني؟”
“ماذا؟”
تجمّدت كارلي من هذا السؤال غير المتوقّع الذي أربكها.
ثمّ أخذت تتأمّل فانيسا بصمت.
هذه الطفلة الصغيرة؟
“لا أدري. لا بدّ من مواجهة الموقف فعليًّا لأعرف، لكن لا أظنّ أنّني كنتُ سأستطيع قتل طفلةٍ في الثانية عشرة…”
“صحيح. إذن، هل كنتِ ستقتلينني عندما أكبر؟”
لماذا تستمرّ في طرح هذه الأسئلة المرعبة؟ هزّت كارلي رأسها.
“لا أعلم ذلك حقًّا.”
“أعتقد أنّكِ لم تكوني لتفعلي ذلك بسبب المودّة التي كانت ستنشأ بيننا. هذا هو انطباعي عنكِ يا كارلي.”
متى حصلت على انطباع… ألم تلتقيا اليوم فقط…؟
“أنا أرى أنّ الأمور سارت على نحوٍ أفضل هكذا.”
تعبير الآنسة الصغيرة وكلماتها كانت توحي بشيءٍ غامض… لذا لم تستطع كارلي إبعاد نظرتها عن وجه فانيسا.
“لكن يا كارلي، لقد استعددتِ لفترةٍ طويلة لدخول فاسنبيرغ، فهل من السهل عليكِ تغيير خطّتكِ هكذا؟”
“إمم.”
حكّت كارلي خدّها.
“في البداية، لم يعد لديّ خيارٌ منذ اللحظة التي رأيت فيها السيّد رايان يقتل الوحش فورًا. علاوةً على ذلك، كان واثقًا تمامًا من رغبتي في التسلّل إلى فاسنبيرغ…”
تابعت كارلي وهي تستحضر حوارها مع رايان: “في ذلك الوقت، اعتبرتُ الأمر أفضل قرارٍ في ظلّ الظروف الضيّقة وتبعتكما، لكن بعد رؤية قدرتكِ أيتها الآنسة، يبدو أنّه كان اختيارًا صائبًا. بالتأكيد.”
“حقًّا؟”
“أجل. فكلام السيّد رايان عن الانتقام لم يعد يبدو ترهات. لم أكن أظنّ أنّني سأعيش لأرى سقوط فاسنبيرغ، لكن يبدو أنّ ذلك ممكن.”
“سيكون ممكنًا.”
أمسكت فانيسا بيد كارلي فجأة.
“شكراً لأنّكِ أصبحتِ حارستي. أتطلّع للعمل معكِ.”
“… أجل. وأنا أيضًا.”
تعجّبت كارلي من فانيسا التي بَدت وكأنّها تشعر بألفةٍ دون أيّ حذرٍ تجاهها وهي التي قابلتها اليوم فقط.
كان الأمر محيّرًا… لكن من جهةٍ أخرى، بدأت تشعر هي أيضًا بالراحة تجاه هذه الآنسة الصغيرة.
“هل ننام الآن؟ لننم سويًّا.”
“ماذا؟ آه!”
نهضت كارلي.
“شكرًا لكِ على العلاج. لم يعد لديّ مشكلةٌ في تولّي الحراسة، لذا نامي بسلام. سأحرس غرفتكِ، تفضّلي إليها.”
“لا، ليس ذلك.”
ربتت فانيسا على السرير بتعبيرٍ بدا متأثّرًا لسببٍ ما.
“أعني أنّني أريد أن أستلقي بجانبكِ وننام معًا…”
“؟”
* * *
ارتبكت كارلي، لكنّها بفضل شخصيّتها اللطيفة لم ترفض طلبي.
استلقينا بجانب بعضنا البعض.
تمامًا كما كنّا نفعل كثيرًا قبل العودة بالزمن.
في النهاية ستكون كارلي دائمًا أختي الكبرى الحُلوة.
“إذا أصبحنا مقرّبتين لدرجة النوم في سريرٍ واحد مع من أحرس، فستكون هناك مئات الفرص لقتلي دون أن يشعر أحد. أليس كذلك؟”
“……”
مسحت كارلي شفتيها والتفتت إليّ وهي مستلقية بجانبي.
“أنا… لماذا تتحدّثين بمثل هذا الكلام المخيف…”
“آهاها!”
في الحقيقة، كان من المذهل والمبشّر بالخير أنّها لم تقتلني رغم وجود مئات الفرص من قبل.
‘بما أنّني كنتُ أظنّ خطأً أنّ كارلي تعشق المال فقط، فربما لو تأخّرتُ قليلاً لذهبت كارلي إلى فاسنبيرغ كما حدث في المرّة الأولى.’
بالطبع، عائلة نبيلة رفيعة مثل فاسنبيرغ لن تُدخل حارسًا دون تدقيق.
لا بدّ أنّ كارلي خضعت لعمليّة فحص هويّة، وبما أنّه لم تكن هناك مشكلة، فقد اجتازتها قبل العودة بالزمن أيضًا.
هذا يعني أنّ كارلي عاشت طوال حياتها وهي تُطهّر سجلّ أعمالها بهدفٍ وحيد وهو التسلّل إلى فاسنبيرغ.
إنّها إنسانةٌ قوية الإرادة…
رغم وجود هدفٍ طمحت إليه بتلك القوّة، إلا أنّ كارلي تركتني وشأني لمدّة 8 سنوات.
بل على العكس، كانت تحرسني بدقّةٍ وتحميني من أيّ خطرٍ طوال الـ 24 ساعة.
في البداية، كان ذلك لأنّني كنتُ صغيرةً جدًّا…
ولاحقًا، لأنّها لم تستطع قتلي بعد أن عشنا لسنواتٍ كعائلة…
–”سموّ الأمير، خذ الآنسة واهرب. سأوقفهم أنا هنا.”
يوم المجزرة، قبل العودة بالزمن.
هي من شعرت بغرابة الموقف وقامت بتهريبي، وهي من استدعت نايكي وسلّمتني إليه.
–”آنستي، أرجوكِ ابقي على قيد الحياة.”
وفي النهاية، ذهبت بمفردها لإيقاف رايان وهي تبتسم…
كلّ ذلك كان من فِعل كارلي.
رغم أنّ كارلي كانت مخلصةً لي إلى هذا الحدّ، إلا أنّ المفارقة تكمن في أنّنا لم نتمكّن من مشاركة كلّ شيء.
أين كنتِ تعيشين في صغركِ؟
ماذا فعلتِ في الماضي؟
هل تفعلين أيّ شيء حقًّا مقابل المال؟
معظم الإجابات على أسئلتي الكثيرة كانت أكاذيب بالتأكيد.
لأنّنا رغم قُربنا، كنّا في علاقةٍ لا ينبغي فيها مشاركة الحقيقة…
‘لذا أشعر بالراحة الآن.’
لقد قطعنا طريقًا طويلاً، لكن الآن سأتمكّن من معرفة كارلي “الحقيقيّة”.
“كارلي، هل يمكنني أن أسأل عمّا حدث وجعلكِ تحملين ضغينةً ضدّ فاسنبيرغ منذ سنّ السابعة؟”
“آه…”
تردّدت كارلي.
“لقد التقيتِني اليوم فقط وربما أسئلتي كثيرة؟ إذا لم ترغبي في ذلك، فلا بأس.”
“لا، ليس كذلك. فقط… القصّة ليست مبهجةً لتسمعها الآنسة.”
“أنا لا أمانع. إذا لم يكن الكلام يثقل عليكِ، فأخبريني.”
“إممم.”
فتحت كارلي فمها وهي تضيّق عينيها وكأنّها تسترجع الذكريات.
“… كان لديّ أخٌ أكبر.”
* * *
كانت كارلي يتيمةً من قرية تُدعى روتشيلد في جنوب الإمبراطورية.
مع أخٍ له نفس لون شعرها، تُركا وهما رضيعان ملفوفان في قماط.
أصبح اليوم الذي عثر عليهما فيه أحد كبار القرية هو يوم ميلادهما.
وأخوها الذي كان أكبر منها قليلاً، اعتُبر أكبر بعامٍ واحد ووُضع لهما نفس يوم الميلاد.
تربّى الأخوان معًا على يد أهالي قرية روتشيلد الكرماء.
كان الجميع بمثابة أبٍ وأمّ لهما.
“كـ- كارلي تلك الشقيّة! كيف تسلّقتِ الشجرة؟ ستؤذين نفسكِ، انزلي فورًا! يا إلهي، أيّ فتاةٍ هذه التي تتصرّف بمثل هذا الشقاوة!”
“اتركها. انظر إلى حجمها. كان ينبغي أن تُولد صبيًّا بالتأكيد.”
كانت كارلي تأكل جيدًا، لكنّها كانت ضخمةً بالفطرة.
رغم أنّها كانت في السابعة فقط، إلا أنّ طولها وجسدها كانا أكبر من صبيان القرية في العاشرة.
كانت شخصيّتها مبهجةً أيضًا، لذا كانت زعيمة أطفال الزقاق.
وكان كبار القرية يهزّون رؤوسهم كلّما رأوا كارلي قائلين إنّهم لا يعرفون أهي فتاةٌ لطيفة أم وحشية.
ومن ناحيةٍ أخرى…
“أخي، ماذا تفعل هنا؟ هل تلعب لعبة ‘شحاذ الأرض’ مجدّدًا؟”
كان الأخ الذي يكبرها بعامٍ واحد يحبّ الجلوس القرفصاء طوال اليوم وهو يخطّ شيئًا على الأرض الترابيّة، وكان نقيض كارلي تمامًا.
“أوه، هل جئتِ؟”
كان هزيلًا ولا يحبّ الأكل، ويكره الألعاب الحركيّة.
كان غريب أطوارٍ يرجو كبار القرية يوميًّا أن يرسلوه إلى الأكاديميّة في العاصمة، رغم أنّه يتيمٌ لا يملك المال.
التعليقات لهذا الفصل " 69"