الفصل 65
لم تكن كارلي مهتمةً بالهمسات التي تدور حولها، ولم تمنحنا حتّى نظرةً واحدةً.
“هل كل من طال شعره صار امرأةً؟ هل يبدو لك ذلك الكتف كتف امرأة؟”
“… إحساسي يقول إنّها امرأة.”
“حقًّا؟ إذًا هي امرأة.”
توقّف رايان فجأةً وهو في طريقه نحو كارلي.
ثمّ همس لي مجدّدًا: “لكن هل أنتِ متأكّدة حقًّا؟ ألن تندمي؟ مهما بلغت براعتها، هناك ظروف جسديّة فطرية لا يمكن تجاهلها. أريد أن أعيّن لكِ شخصًا مضمونًا قدر الإمكان. ألا ترغبين في رؤية شخص آخر؟”
“لا، لا أريد! من أريده هو تلك الفارسة ولا أحد غيرها!”
تصرّفتُ بعناد. تنهّد رايان وكأنّه لا يملك خيارًا، ثمّ توجّه بخطوات واسطة نحو كارلي.
وعندما وقف أمامها، رفعت كارلي رأسها وألقت نظرةً علينا.
‘آه…’
عضضتُ على شفتي بقوّة، محاولةً كبح غصّتي.
“أنتِ. أنا أبحث عن حارسٍ لابنتي. لنخرج ونتحدّث قليلًا.”
تحدّث رايان، فنظرت كارلي إليه وإليّ بالتناوب، ثمّ عادت لتنظيف سيفها.
“لا أقبل العروض.”
“خمسة آلاف قطعة ذهبية.”
آه، لقد أخبرتُه أن يبدأ بعشرين ألفًا…
بينما كنتُ أنظر بغيظ إلى رايان الذي لا يستمع، بدأت الهمسات تتعالى من حولنا.
يبدو أنّ قدرتَنا الماليّة التي جعلتنا نعرض خمسة آلاف دفعةً واحدةً قد لفتت الأنظار.
“لن أذهب.”
“عشرة آلاف.”
“قلتُ لن أذهب.”
“عشرون ألفًا.”
تعالت صرخات الدهشة من المحيطين: “هييك!”، “أوه!”.
كان مبلغ عشرين ألف قطعة ذهبية هو الراتب السنويّ الذي دفعتْه عائلة فاسنبيرغ لجلب كارلي.
لذا ظننتُ أنّها ستنجذب لهذا العرض.
“ابحث عن شخص آخر.”
حتّى مبلغ عشرين ألف لم يجعلكِ تفكّرين قليلًا…؟
بينما كنتُ في ذهول، سمعتُ همسات من الخلف.
“انظروا إلى تلك المجنونة، كم هي متكبّرة.”
“لو كان المبلغ عشرون الفًا، لقبلتُ بمسح الأحذية. يا لها من ثقيلة دم.”
“إنّها من نقابة سيربيروس!”
سيربيروس. إنّها نقابة المرتزقة الخاصة بـ كارلي.
“أها؟”
التقط رايان أطراف الحديث من حوله وغمغم:
“يبدو أنّكِ شخصٌ معروف في العاصمة.”
“… هل كنتَ تحاول توظيفي دون أن تعرف حتّى من أكون؟”
بدت كارلي مندهشةً من الأمر.
“أوه! تمتلكين الثقة، والجرأة! هذا يعجبني.”
“ابحث عن شخص آخر.”
“ثلاثون ألفًا.”
“لن أوافق.”
“لا أظن أنّ عائلة فاسنبيرغ ستعرض مبلغًا كهذا، أليس كذلك؟ أربعون ألفًا.”
“لن أوافق.”
“……”
ما الذي يحدث بحقّ الخالق؟
في تلك اللحظة، صار عقلي كصفحة بيضاء.
بالنظر إلى موقف كارلي، يبدو أنّها لن توافق حتّى لو أُعطيت كنوز الأرض.
لماذا؟ لماذا بحقّ الجحيم؟
“معذرة… هل تكرهين المال؟” سألتُ كارلي.
نظرت إليّ لبرهة، ثمّ قالت: “أجل.”
واو! ما هذا، حقًّا!
“لـ-… لماذا؟ لماذا تكرهين المال؟”
“لا أكرهه تحديدًا. لكنّ القيم التي يسعى إليها كلّ فرد تختلف.”
“هذا صحيح، ولكن… أليست القيمة التي تسعين إليها هي المال؟!”
“كلا، ليست هي.”
“…….”
فرغ عقلي مرّةً أخرى.
الموقف انحرف تمامًا عمّا خططتُ له منذ البداية.
لم أعد أعرف كيف أتصرّف.
“خمسون ألفًا.”
وفي تلك الأثناء، واصل رايان رفع المبلغ وكأنّه في مزاد.
“لن أوافق.”
“ستون ألفًا.”
“توقّف عن هذا.”
“حسنًا. لنذهب يا ابنتي. لقد فعل أبوكِ ما بوسعه.”
“أبـ… أبي… انتظر لحظة…”
ما إن أمسك رايان بيدي ليدير جسدي، حتّى أحاط بنا المشاركون الآخرون كالضباع المنتظرة.
“سيدي، من أيّ عائلة أنتم؟”
“أنا من نقابة مرتزقة من الفئة A…”
“لقد حصلتُ على المركز الخامس في مسابقة المبارزة العام الماضي…”
فكّري. فكّري.
الوضع لم يتغيّر أبدًا عمّا كان عليه قبل العودة بالزمن، وكارلي شخص مهووس بالمال.
لذا فمن المفترض أن تتبعنا إذا أعطيناها المال.
‘هذا مؤكّد. أنا أعرف ذلك. كالي مهووسة بالمال بلا شكّ.’
لقد عشنا معًا لثماني سنوات كعائلة، لذا أنا أعرف كارلي جيّدًا.
أعرف كلّ شيء. كلّ شيء……
‘… حقًّا؟ هل أعرف كلّ شيء؟’
التفتُّ لأنظر إلى كارلي.
كانت لا تزال تنظّف سلاحها دون أيّ اهتمام بي.
‘هل هناك شيء لا أعرفه؟ شيء لم تخبرني به كارلي أبدًا؟’
“ابنتي.”
ناداني رايان وأنا غير قادرة على التحرّك. ثمّ قال:
“من خلال ما سمعتُه، هذه المرأة هي المرشّح الأقوى للفوز. إذًا الأمر واضح؛ إنّها تريد أن تصبح فارسةً إمبراطوريّة.”
لا. ليس كذلك.
إذا استمرّ الأمر هكذا، ستنسحب كارلي من المباراة النهائيّة وتوقّع عقدًا مع فاسنبيرغ براتب سنويّ قدره عشرون الف قطعة ذهبية.
“ليس كذلك…”
تمتمتُ بصوت خافت جدًّا، لكنّ رايان سمعني وسأل:
“ليس كذلك؟”
“…….”
“فانيسا. انظري إليّ.”
انحنى رايان وأمسك وجنتيّ ليديرهما نحوه.
التقت عيناي بعينيه بعدما كانت غارقةً في النظر إلى كارلي.
همس قائلًا: “هل هناك سبب يجعل هذه المرأة بالذات ضروريّةً لكِ؟”
“… أجل.”
نظر رايان إلى الجانب.
حدّق في كارلي لمدّة طويلة بنظرة غامضة.
“فهمت.”
اعتدل رايان في وقفته، وأشار بيده للمشاركين الذين تجمّعوا كالضباع كي يبتعدوا.
ثمّ عاد مجدّدًا إلى كارلي.
“لنخرج ونتحدّث على انفراد.”
“كفاك عبثًا. مهما كان المبلغ الذي ستعرضه، جوابي سيظلّ كما هو.”
-قبض.
“آه، أبي!”
في تلك اللحظة، أمسك رايان بياقة كارلي دون سابق إنذار.
“ما الذي تفعله الآن؟”
“من تظنّين نفسكِ؟ طلبتُ منكِ التحدّث قليلًا فقط، لِمَ كلّ هذا الغرور؟ اخرجي معي.”
“اتركني.”
“هل تريدين القتال؟ هل تعرفين من أنا؟”
“…….”
“إثارة الفوضى لن تكون في صالحكِ. لا تريدين أن تُجبري على الانسحاب بسبب قتال مع مدنيّ قبل أن تبدأ المباراة، أليس كذلك؟”
“…….”
أغمضت كارلي عينيها بقوّة وضغطت على أسنانها.
‘ذلك التعبير، إنّها غاضبة حقًّا…’
بعد فترة، أخرجت كارلي زفيرًا عميقًا مليئًا بالغضب، وأبعدت يد رايان عن ياقتها بخشونة.
“تفضّل بالخروج أوّلًا.”
“كان عليكِ فعل ذلك منذ البداية.”
استدار رايان ومشى بخطوات واسعة.
وتبعته كارلي من خلفه.
“ابقِ هنا.”
قال رايان وهو يمرّ بجانبي.
“اسمعي الكلام.”
أمرني بذلك مشيرًا بإصبعه بصرامة، فلم يكن أمامي سوى الإيماء برأسي.
وهكذا اختفى الاثنان خارج غرفة الانتظار.
“آنستي الصغيرة، اجلسي هنا!”
“من تظنّ نفسك لتقول ‘آنستي الصغيرة’ وأنت لا تعرف من أيّ عائلة هي؟”
“هل فقدت عقلك لتتحدّث معها بغير رسميّة؟ يا آنستي، من أيّ عائلة كريمة أنتِ؟”
بين الحشود التي تجمّعت حولي، حاولتُ جاهدةً استعادة توازني العقليّ.
وضعتُ يديّ على صدغيّ اللذين كانا ينبضان بالألم.
‘فكّري.’
–”بصراحة، أنا عبدةٌ للمال.”
لنفترض أنّ ذلك الكلام كان كذبةً.
إذا كان الأمر كذلك، فعليّ قلب كلّ الافتراضات التي كنتُ أملكها عن كارلي.
‘المال، ليس هو السبب.’
بما أنّها انسحبت من المباراة النهائيّة في حياتي السابقة، فمن المؤكّد أنّها لا تسعى لتصبح فارسةً إمبراطوريّة.
‘الشرف، ليس هو السبب.’
في النهاية، ذهبت كارلي إلى فاسنبيرغ.
لكنّها لم تأتِ طمعًا في الراتب السنويّ.
‘هل كانت تريد أن تصبح فارسةً لعائلة نبيلة مشهورة؟’
لا. لو كان الاسم والمكانة يهمّانها، لكان من الأفضل بمئة مرّة أن تصبح فارسةً إمبراطوريّة.
إذًا….
‘هل كان هناك سبب معيّن يجعلها تختار عائلة فاسنبيرغ تحديدًا؟’
بدأت خيوط أفكاري المشوّشة تتجمّع تدريجيًّا في اتجاه واحد.
ماذا لو كان هناك سبب لاختيارها لفاسنبيرغ، أو… هدف خفيّ؟
ماذا يمكن أن يكون؟
‘هذا… في الحقيقة، لا يمكنني تخيّل أيّ شيء آخر…’
لأنّ ذلك المنزل كان حثالةً لدرجة أنّه إذا دخل شخص ما بهدف سرّيّ، فلا يتبادر إلى الذهن سوى شيء واحد.
‘انتقام؟ اغتيال؟ تسلّل؟ جاسوس؟ طعن عائلتنا في الظهر؟ واه، لا يمكنني التفكير إلا في هذه الأشياء!’
هناك الكثير من الذين يحملون ضغينةً ضدّ عائلة فاسنبيرغ و ذوي القدرات.
وإذا أراد أحدهم التخلص منهم بجرأة، فإنّ منصب الحارس الشخصيّ الذي يرافقهم 24 ساعة هو الأنسب لذلك.
‘لكن كارلي ليست كذلك!’
أنا لم أفعل شيئًا يستحقّ الضغينة، وكارلي لم تكن جاسوسةً.
حتّى إنّنا قضَينا ثماني سنوات في علاقة طيّبة وودّيّة……
–”بصراحة، لم أكن أتخيّل أنّني سأتولّى حماية آنسة صغيرة. لذا شعرتُ بالدهشة في البداية. لأنّكِ كنتِ… صغيرةً جدًّا.”
أجل.
كان الأمر كذلك….
التعليقات لهذا الفصل " 65"