الفصل 64
“هل فقدتُ عقلي؟”
لقد مرّ أكثر من عشر سنوات منذ أن بدأتُ العيش بهويّةٍ جديدة، ولم يتبقَّ من ماضيّ سوى اسمي، وكلّ ذلك لإخفاء الماضي تمامًا.
أن أرتكبَ خطأً هاويًا كهذا وأنا التي أصبغُ شعري صباحًا ومساءً لأخفي بياضه الغريب!
“استعيدي رُشدكِ يا كارلي.”
بعد أن وبّخت نفسها بصوتٍ خافت، صرخت كارلي: “ماكس!!!”
وعلى الفور، سُمع صوتُ جلبةٍ خلف الباب، واقتحم الغرفة زميلها القديم ماكس.
“ماذا هناك أيتها القائدة!”
أمام ماكس، ذو الملامح الهادئة والشعر البنيّ المجعد، خفضت كارلي رأسها بصمت. و ظهرت قمّة رأسها حيث زالت الصبغة الحمراء.
“اللعنة، ما هذا؟”
تمتم ماكس بدهشةٍ دون وعي. فوكزته كارلي في بطنه بسرعة البرق.
“آخ!”
“هل فقدتَ صوابك وتتحدّثُ بهذه اللهجة؟”
“آسف، آسف. لقد صُدمتُ حقًّا. تبقّى ثلاث ساعات، ماذا سنفعل؟”
دخل ماكس الغرفة كالإعصار، وجهّز أدوات الصبغة وأجلس كارلي.
“إذا شعرتَ أنّ تلك اللهجة ستخرجُ من لسانك مرّةً أخرى، فأخبرني الآن. سأذهبُ دونك.”
“لا. أنا آسف أيتها القائدة. لقد صُدمتُ حقًّا وخرجت مني دون قصد.”
على عكس الزملاء الآخرين الذين التقت بهم أثناء تجوالها في أنحاء الإمبراطورية، كان ماكس رفيقها منذ أيامها في مسقط رأسها الأصليّة.
منذ الطفولة تمامًا.
–”نحن ضعفاء. مهما بلغت قوّتنا، فنحن مجرّد شمعةٍ في مهبّ الريح أمام أصحاب القدرات الخاصّة.”
–”لذا، لا يمكننا الانتقام. لكن يمكننا توجيه ضربةٍ واحدةٍ على الأقل.”
–”شخصٌ واحدٌ فقط. وإذا سارت الأمور جيدًا، فأكثر من واحد. لنجرّهم معنا إلى الجحيم.”
–”حسنًا، بالطبع سيتعيّن علينا بذل أرواحنا. لن يتغيّر شيءٌ في النهاية، ولكن ألن نتركَ ولو خدشًا بسيطًا؟”
بهذا العزم، كبرا وهما يتواجهان بالقبضات والسيوف
“لا يمكننا التراجع الآن. أليس لديكِ أيّ ندمٍ أيتها القائدة؟”
“وهل سيوجد؟ إنّ حماسي الآن في ذروته. فقد أصبح حلمُ حياتي أمام عينيّ تمامًا.”
ضحك ماكس وكأنّه كان يتوقّع ردّها.
قد لا يفهم البعض هؤلاء المرتزقة الذين يشبهون الفراشات التي تلقي بنفسها في النار بلا جدوى.
لكن ماكس وزملاء نقابة سيربيروس كانوا يعرفون إرادة كارلي السامية، وقرّروا التضحية بحياتهم معها.
خدشٌ بسيطٌ في صخرةٍ صلبة.
إذا كبر ذلك الخدش تدريجيًّا، فقد تتحطّم الصخرة يومًا ما.
بالطبع، من المؤسف قليلًا ألّا نراها وهي تتحطّم ونحن أحياء، لكن لا بأس.
فقد اتّخذوا قرارهم منذ زمنٍ بعيد بمشاهدة سقوط فاسنبيرغ، ولو من الجحيم.
“لننطلق.”
نهضت كارلي.
تقلدت سيفها، ووقفت أمام المرآة تنظرُ في عينيها.
كانت نظراتها حادّةً وتفيضُ بالعزيمة.
وفي اللحظة التي أرادت فيها مغادرة الغرفة بكلّ وقار.
“أيتها القائدة.”
قال ماكس من خلفها:
“يجب أن تنتظري حتى يثبت اللون ثمّ تغسلي شعركِ قبل الذهاب.”
“آه، صحيح.”
* * *
عاصمة الإمبراطوريّة، فالين.
من مقاطعة بيلزر الساحليّة الشرقيّة إلى فالين في قلب الإمبراطورية، استغرقت الرحلة بالعربة أربعة أيامٍ كاملة.
المكان الأوّل الذي توجّهتُ إليه أنا ورايان فور وصولنا للعاصمة هو دار الأزياء.
اشترينا أغلى الثياب، وصفّفت لي مديرة الدار شعري.
حتّى أنّ رايان ارتدى خواتم مرصّعة بالجواهر في أصابعه العشرة جميعًا.
بريقٌ في كلّ مكان.
بدا شكلنا كأثرياء جدد (حديثي نعمة) وتوجّهنا مباشرةً إلى وجهتنا النهائيّة.
هذا المكان هو ساحة المسابقة في ضواحي العاصمة.
وكما يليق بحدثٍ رسميٍّ سنويّ تستضيفه الإمبراطوريّة بنفسها، كانت ساحة مسابقة المبارزة تغصّ بالجمهور لدرجةٍ لا يوجد فيها موضع لقدم.
كان الزحامُ شديدًا حتى أنّ المداخل لم تكن ظاهرة.
“ابنتي، تعالي إلى هنا. إذا أفلتُّ يدكِ ستضيعين في هذا الزحام.”
ناداني رايان وهو يشقّ طريقه بصعوبةٍ وسط الحشود ممسكًا بيدي.
ثمّ رفعني فجأةً وبدأ يشقّ الزحام.
“إلى أين نذهب؟”
“سيكون هناك غرفة انتظار للمشاركين بمجرّد دخولنا. هذه مرّتي الأولى هنا أيضًا لذا لا أعرف التصميم جيدًا.”
“وهل يُسمح لأيّ شخصٍ بالدخول لغرفة الانتظار؟”
“نعم. أظنّ أنّها مفتوحةٌ دائمًا ليتمكّن الناس من استقطاب المشاركين بشكلٍ شخصيّ.”
“جيّد. تمسّكي جيدًا!”
بدأ رايان يدفع الناس بمنكبيه الصلبين كالصخر.
وكنتُ أصرخُ في وجه الذين نصطدم بهم: “أنا آسفة، المعذرة!”، وفي لمح البصر كنّا داخل الساحة.
بقيّت ساعةٌ واحدةٌ فقط على الانطلاق، لذا كانت مقاعد الجمهور ممتلئةً بالفعل.
في الحقيقة، حتّى لو جئنا باكرًا، فقد بيعت التذاكر منذ زمنٍ طويل.
لكنّ هدفنا ليس مشاهدة المباراة.
“أبي، هناك!”
وجدتُ اللافتة المكتوب عليها “غرفة انتظار المشاركين”.
وبمجرّد أن أنزلني رايان، توجّهنا إلى هناك.
كرررررر.
غرورورور.
بجانب غرفة الانتظار.
ظهر ممرٌّ عميقٌ ومظلم، ومن خلفه كانت تنبعثُ أصواتُ زئير الوحوش.
“…يبدو أنّ هناك شيئًا مخيفًا هناك.”
“ربما هي الوحوش التي تمّ أسرها لاستخدامها في تصفيات مسابقة المبارزة.”
العدوّ الأكبر الذي يهدّد سلام الإمبراطوريّة هو الوحوش.
وكان على الذين يتحدّون في المسابقة أن يعرفوا بطبيعة الحال كيف يواجهونها.
“حسناً. لنذهب.”
صرف رايان نظره عن المكان الموحش وفتح باب غرفة الانتظار مباشرةً.
“…….”
“…….”
ساد الصمتُ فجأةً في القاعة التي كانت تعجّ بالضجيج.
توقّف المشاركون، الذين يمتلكُ كلّ منهم جسدًا ضخمًا، عن صقل سيوفهم ومعدّاتهم وبدأوا ينظرون إلينا بدهشة.
‘ربما هم لم يروا من قبل أشخاصًا يأتون للاستقطاب حتّى قبل بدء المباراة.’
معظم المشاركين في هذه المسابقة ليس هدفهم الفوز بالمركز الأوّل.
بل الحصول على وظيفةٍ في عائلةٍ ثرية.
ولكن، على الأقل يبدأ الاستقطاب الفعليّ بعد بدء المباريات وإظهار مهاراتهم لأصحاب العمل المحتملين.
‘لكنني أعرفُ بالفعل مَن هو الشخص المحترف الذي سيفوز في هذه المسابقة دون أن أشاهد!’
“احم احم.”
كان رايان متوترًا قليلًا، فأمسك بيدي وسرنا ببطءٍ وسط المشاركين.
السبب في أنّنا صرفنا الكثير من المال على الثياب الغالية فور وصولنا للعاصمة هو هذا تمامًا.
‘استعراض الثراء أمرٌ لابدّ منه عند الاستقطاب.’
سنبدو أنا و رايان كإقطاعيٍّ ثريّ وابنته المدلّلة.
‘شعرٌ أحمر، شعرٌ أحمر….’
بمجرّد دخولنا الغرفة، بدأتُ أجولُ بنظري بجدّيةٍ بحثًا عن كارلي.
في تلك اللحظة.
“….؟”
فجأة، ظلٌّ كالجبل خيّم أمامنا.
إنّه رجلٌ ضخمٌ أصلع وعضلاته مفتولة.
“…مَن أنت؟”
رغم تساؤل رايان، لم ينطق الرجل بكلمة، بل رفع ذراعه بزاويةٍ قائمة وبدأ يستعرض عضلاته بكلّ قوّته.
واو. عضلات ذراعه ضعف عضلات رايان، ضعفها تمامًا!
“هـفف! هـفف!”
كان يستعرض عضلاته من زوايا مختلفة بكلّ كدّ.
“مذهل، أليس كذلك؟”
يبدو أنّ الأمر أعجب رايان.
لكنني هززتُ رأسي.
“يا للإسف. أنا آسف، ابنتي تهتمّ كثيرًا بالوجه. أظنّ أنّه عليك زراعة بعض الشعر أوّلاً قبل المجيء؟”
“كـحح.”
تراجع الرجل الأصلع.
كارلي، كار….
‘يا إلهي، لماذا يحجبون الطريق باستمرار!’
هذه المرّة، كان مبارزًا أشقر بملامح وسيمة ينظرُ إليّ ويغمز لي.
يبدو أنّه سمع كلام رايان السخيف عن أنّ ابنته تهتمّ بالوجوه.
“…تفضل بالابتعاد.”
ابتعد عن طريقي!
دفعتُ المبارز الأشقر وواصلتُ البحث بعينيّ بجدّ.
حينها.
‘آه.’
وجدتها.
فارستي…
كانت تجلسُ في نهاية صفّ الانتظار على اليمين، بشعرها الأحمر الطويل، وهي تصقلُ سيفها.
‘ماذا أفعل….’
غطيتُ عينيّ اللتين بدأتا تحرقانني فورًا.
أشعرُ برغبةٍ في البكاء.
حقًّا، أشعرُ برغبةٍ في البكاء… لكن الوقت لا يزال مبكرًا للغرق في مشاعر اللقاء.
ضربتُ ذراع رايان مرارًا. فخفض خصره قليلًا وأمال أذنه ليسمعني.
“ماذا. مَن؟”
“إنّ من أريده هناك، الشعر الأحمر.”
عندما همستُ له، جال رايان بنظره حتى وجد كارلي.
ثمّ ساد الصمت.
همس لي مجدّدًا: “هل تُريدين توبيخًا حقًّا؟ نحن سندفعُ مالًا باهظًا لتوظيف شخصٍ ما، ويجب أن نرى مهاراته. هل تظنين أنّ ذلك الوجه اللامع فقط يمكنه حتّى صدّ خنزيرٍ برّي؟”
“لا، الأمر هو…”
“قولي الصدق. أنتِ، سواءً مع الأمير أو مع تلك هناك، تريدين فقط وضع الرجال الوسيمين في المنزل لتستمتعي بالنظر إليهم، أليس كذلك؟ ماذا، هل تُريدين إنشاء مملكةٍ للوسيمين؟”
“إنّها امرأة.”
“….؟”
توقّف رايان فجأة، ثمّ ضيّق عينيه وبدأ يتفحّص كارلي مرّةً أخرى.
التعليقات لهذا الفصل " 64"