“أنا سأنضم إلى حملة التطهير هذه المرة، أليس كذلك؟ والآن تولى الأمير الثالث قيادة الحملة؟”
“صحيح.”
“سأراقبه بدقة، وإذا شعرتُ أنه على وشك الموت، سأنقذه. حينها سأكون قد أنقذتُ حياة فرد من العائلة الإمبراطورية. سيكون ذلك إنجازًا عظيمًا حقًّا.”
“أوه.”
رغم أنني أشك في أن يحتاج صاحب القدرة الخارقة نايكي لمن ينقذه، بل هو من سينقذ الآخرين… لكن رايان لا يعرف ذلك.
“وعندما يبكي الأمير الثالث تأثرًا بي، سأقول له ببعض من الكلمات المعسولة: ‘سموّك، لقد فعلتُ ما يتحتم عليّ فعله فحسب’، ثم أتلاعب به ليجعلني أقابل ولي العهد.”
“أوهو.”
“ألم تقولي إننا بحاجة لمقابلة ولي العهد ولو لمرة واحدة لتبرئة اسمي من التهمة!”
إذًا كان هذا هو مخططه.
“والآن، دوركِ. لماذا تفاجأتِ هكذا بسماع اسم الأمير الثالث؟ حتى إنّ ابتسامتكِ وصلت إلى أذنيكِ.”
“… أنا أيضًا فكرتُ بالطبع في نفس ما فكرتَ فيه يا أبي! كنتُ أعلم أن القائد العام للفرسان هو سمو الأمير الثالث. إنها فرصة لنبني جسرًا يوصلنا لسمو ولي العهد!”
“أليس كذلك؟ ابنتي الذكية كالعادة.”
عاد رايان بفخر إلى ويليام الذي كان ينتظر.
“بما أن سمو الأمير، أحد أفراد العائلة الإمبراطورية، سيتفضل بإرسال حراسة خاصة لبيتنا، فمن قلة الأدب أن نرفض. سنقبلها بامتنان.”
“… حسنًا.”
نظر ويليام بشك إلى رايان الذي غير رأيه فجأة، لكنه أومأ على أي حال.
“وأرجو أن تنقل لسمو الأمير الثالث أنني تأثرتُ بعمق بقلبه الواسع الذي يرعى أبناء الإمبراطورية كافة، وأنني ممتنٌ جدًّا.”
“…؟”
“تأكد من إيصال ذلك. أتفهم؟”
ابتسم رايان بابتسامة عريضة.
بدت على وجه ويليام تعابير تقول ‘هل أكل هذا الرفيق شيئًا فاسدًا؟’… لكنه أومأ مجددًا.
“حسنًا، سأفعل.”
أصبح لدينا حراس.
وليسوا أي حراس… بل فرسان إمبراطوريون.
“يا إلهي…”
خرج ريڤان، الذي كان منغلقًا على نفسه طوال الأيام الماضية في أبحاثه (لدرجة أنني بدأتُ أشعر بالخوف مما يصنعه حقًّا)، وقد جحظت عيناه من الدهشة.
وله الحق في ذلك.
من بوابة القصر، وممر الحديقة الأمامية، وصولًا إلى الباحة الخلفية؛ عشرةٌ من خيرة الرجال يقفون في اصطفاف دقيق، إنّه مشهدٌ يذهل أي شخص.
“يا له من هدرٍ هائلٍ للقوى البشرية.”
“ماذا يقول هذا الرجل؟!”
طاخ!
ضرب ريڤان كتف رايان بقوة.
“تحدث بصوتٍ منخفض، فهم يسمعونك. متى ستحظى بحراسة من الفرسان الإمبراطوريين مرة أخرى؟ لا يوجد ترفٌ يفوق هذا!”
“أخخخخخ. ضربتكَ مؤلمةٌ حقًّا.”
“لكنه شخصٌ يستحق الشكر فعلاً. ما الذي رآه جميلاً في هؤلاء الأشخاص الذين يقحمون أنفسهم في أرض تعج بالوحوش ويزعجون الآخرين، حتى يرسل لهم حراسة؟”
أتفق مع كلام ريڤان.
لو لم يكن نايكي يملك تلك الشخصية النبيلة، لكان أي مسؤول رفيع آخر قد تجاهل الفراشات(العائلة) المجنونة التي تلقي بنفسها في النار سواء ماتوا أم لا.
“ألا تعرفين معنى ‘نبل الأخلاق يفرض الالتزام’؟ الأمير الثالث لديه واجب أخلاقي في رعاية حتى الطبقات الدنيا مثلنا.”
“يا للهول. شخص ينحدر من سلالة من الأوغاد الذين لا يعرفون معنى واجبات النبلاء، يتحدث بطلاقة عن التزامات النبل وما إلى ذلك.”
“يا هذا! هل تريد أن تموت؟ لا تربط بيني وبين ذلك المنزل!”
بينما كنتُ أشاهد رايان وريڤان وهما يتبادلان الودّ بطريقتهما، سعلتُ بخفة لأجذب انتباههما.
“الأمر ليس بديهيًّا. يجب أن نكون ممتنين. شخص بمكانة العائلة الإمبراطورية يهتم لأناس مثلنا.”
استغللتُ الفرصة لألمع صورة حبيبي قليلاً…!
“لقد سمعتُ من الشائعات أن سمو الأمير الثالث شخصٌ رحيمٌ للغاية. يملك القوة لحماية البلاد، والقلب المستعد للتضحية من أجل الشعب. أراه رمزًا للطبقة الحاكمة القويمة التي تملك كل الصفات.”
“…”
“…”
رمش الرجلان بأعينهما.
“ريڤان. هل تعرف وجه الأمير الثالث؟”
سأل رايان فجأةً.
“وكيف لي أن أعرف؟ لقد قضيتَ معي أكثر من عشر سنوات في السجن، وتسأل سؤالاً غريبًا كهذا.”
“فهمت. أنا أيضًا لا أعرف وجه الأمير الثالث… لكنني أراهن بيدي على أنه وسيم.”
“وأنا أيضًا. رؤية فم فاني العزيزة التي تعشق الوجوه الوسيمة يطول بالمديح هكذا، تعني أن الأمر مؤكد~”
“لا، ليس كذلك! أنا أيضًا لا أعرف وجهه!”
* * *
الفصولُ تعودُ دائمًا.
مثل ضيفٍ غير مدعوّ يأتي حتى دون أن نتمناه.
أزمة الوحوش في شرق شافت، التي تركت ذكريات مروعة لا تُمحى للشاب المدعو نايكي فالنسييه، عادت تقترب بخطى حثيثة، ولم يتبقَّ عليها سوى شهرين.
في غرفة واسعة، لكنها خالية من الزينة بشكل لا يليق بمكانته الرفيعة، يجلس الفتى…
‘أنطون…’
كان يفكر في رفيقه الذي مات.
–”هناك جنديٌّ مصاب لا أمل في نجاته بالعلاج العاديّ. هل يمكنكِ مساعدتنا لمرّة واحدة؟”
تذكر حياة أنطون، التي كانت أثقل من ركبته، وأخف من مستقبل الإمبراطورية.
–”… يقولون إن إجراءات تفتيش سفن التجارة صارمةٌ للغاية؟ بخصوص سفينة أخي، هل يمكنك فقط السماح لها بالمرور؟”
ذلك العرض الذي قدمته تلك المرأة ولم يقبل نايكي استبداله بحياة أنطون، انتهى به الأمر في النهاية، وبشكل عبثي، في يد ‘فاسنبيرغ’ الذي تولوا تسوية أزمة الوحوش الغربية.
إذن، لأي سبب تجاهلتُ حياة صديقي؟
“أنطون…”
خرج اسم رفيقه بصعوبة مع زفير مختلط بمشاعر الفقد واحتقار الذات.
إنه يتألم. ويشعر بالكراهية.
على من؟
على الوحش الذي قتل رفيقه؟ على عائلة فاسنبيرغ التي تنهش في البلاد؟ على العائلة الإمبراطورية الضعيفة للغاية؟
لا.
بل على نفسه الضعيفة، التي في النهاية لا تستطيع حماية أيّ شيء، ولا تقدر على فعل شيء…
كان يشعر بكراهيةٍ شديدة تجاه نفسه.
صاحب قدرةٍ خارقة.
ولكن، صاحب قدرة مُصنعة.
حدوده واضحة، وضعيف بلا حدود…
في الرابعة من عمره، أصبح صاحب قدرة خارقة بعد أن زُرعت فيه اصطناعيًّا قدرة <قصيدة العودة>.
رغم صغر سنه، إلا أن الذكريات التي تلت زراعة القدرة كانت واضحة وكأنها حدثت بالأمس.
“أصحاب قدرة <قصيدة العودة> يمكنهم استحضار كل الذكريات بوضوح منذ لحظة ظهور القدرة.”
“لذا، حتى لو لم تفهم الآن وأنت صغير، فلن تنسى أبدًا هذا الحديث الذي دار بيني وبينك. بل يجب عليك ألا تنساه.”
من نقل القدرة إلى نايكي كان دوق فاسنبيرغ السابق.
علم أن قوته قد انقسمت بنجاح وانتقلت إلى نايكي، وتأكد من ذلك عشرات المرات.
وبعد ذلك، شرح له حدود صاحب القدرة المُصنعة.
“الوقت الذي يمكنك العودة فيه مع الاحتفاظ بذكرياتك هو 30 دقيقة فقط. لا تعد بالزمن أكثر من ذلك. فإذا فقدت ذكرياتك، لن يكون بمقدورك تغيير أي شيء.”
ثم حذره: “أبدًا، ومهما حدث، لا تَدَع أصحاب القدرات من عائلة فاسنبيرغ يكتشفون قدرتك.”
“إذا عدت بالزمن وأنت تلمس صاحب قدرة آخر، فستعودان معًا وكلاكما يحتفظ بذكرياته. حينها سيُكشف أمر قوتك لا محالة.”
“لذا، إياك و…”
“آه.”
هاجمه صداعٌ مفاجئ.
“لا تلمس أي صاحب قدرة.”
في اللحظة التي تذكر فيها ذلك التحذير القديم.
لسبب ما، شعر بألم في رأسه وكأنه سينفجر، فشد نايكي على أسنانه.
الحوار الذي كان جليًّا.
والذكريات…
بدأت تتشظى وتُعاد صياغتها.
“كـ… هه.”
“لا تلمس أي صاحب قدرة.”
–”أمسكي بيدي.”
“آه.”
ما هذا؟ ما هذه الذكرى؟
ليست ملكه، لكن هذا كان صوته.
في مشهدٍ ضبابي، كان يمد يده نحو شخص ما.
كان يخالف التحذير المنقوش في عظامه ويكاد يظهر السر الذي كان ينوي حمله طوال حياته بكل سهولة.
–”يمكنكِ التأكد.”
“آاااااخ!”
كلما حاول نبش الذكرى، يزداد الألم الذي ينهش دماغه.
–”أيها الأحمق؟ لماذا… لماذا تخبرني بسرّ كهذا…؟”
من هذه؟
من أنتِ؟ بحق الخالق…
يريد أن يعرف، لكن وجه الطرف الآخر لا يظهر.
وكأنّه محبوس داخل ضباب كثيف.
هل هو خيال؟
حلمٌ؟ كابوسٌ؟
–”أريد منكِ أن تصدّقيني.”
في تلك الذكرى مجهولة المصدر، كان يتحدث إلى شخص ما.
التعليقات لهذا الفصل " 61"