“أجل. لا أدري ما هو موضوعُ حديثِهما، لكنَّ منظرَهما جميلٌ بالفعل.”
قال ريڤان ومارشين وهما يراقبان الودّ بينهما.
* * *
أواخرُ شهرِ نوفمبر.
تبدأُ المناطقُ الساحليةُ الشرقيةُ في وسطِ القارةِ بالبرودةِ في هذا الوقت.
“ألن تدخلي؟ الجوُّ بارد، لماذا أنتِ واقفةٌ هنا؟”
“لا بأس. إذا أُصيبَ أبي، عليَّ أن أعالجَه.”
أحكمتُ إغلاقَ معطفي الأحمرِ الذي أرتديه.
“……”
“… لماذا تنظرُ إليَّ هكذا؟”
في الحديقةِ الأمامية، كان رايان يتدربُ ممسكًا بسيفين بطولِ ذراعِه في كلتا يديه، ونظر إليَّ باستنكار.
“هل أنا أحمق؟! أنا فقط ألوّحُ بهما في الهواء، كيف يمكنُ أن أُصاب!”
“قد تُصاب. أنا قلقةٌ عليكَ وأنتَ توبخني.”
خلال تلك الفترة، شارك رايان في برنامج <عرض قتال وولف ليمان!> مرتين إضافيتين، ولا يزال يحتفظُ بلقبِ البطل.
بمساعدةِ وولف، حصل على رخصةِ مرتزقةٍ إمبراطورية، وسجّل نفسَه كمرتزقٍ خاصٍّ في نقابةِ التوظيفِ التابعةِ له.
عندما يبدأ هجومُ الوحوش، يتم تنظيمُ فرقِ تطهير… ولكي ينضمَّ إليها، كان يحتاجُ لصفةِ مرتزق.
أجل، لم يتبقَّ سوى شهرين تقريبًا.
حتى يبدأ هجومُ وحوشِ أرضِ “شافت” الملعونة، و القريبة لمنطقة بيلزر في شرقِ الإمبراطورية!
“هوووه.”
تطلع رايان نحو الغابةِ الساكنةِ مع تنهيدةٍ يشوبُها التوتر.
هناك، خلفَ تلك الغابة.
تقبعُ الأرضُ الملعونة، شافت…
“يا إلهي، أولئك المزعجون مجددًا!”
صرخ رايان فجأةً بحدة.
ففي اللحظةِ التي كان يحاولُ فيها استحضارَ هيبتِه، مرَّ أمام منزلِنا فرسانٌ إمبراطوريون بزيِّهم الرسمي.
“من المزعجِ حقًّا رؤيتُهم وهم يتجولون في أراضي الغيرِ دون إذن!”
“لا يا أبي، اصبر.”
“لا يمكنني الصبر!”
هدأتُ من روعِ رايان الذي راح يلوّحُ بسيفه يمينًا ويسارًا.
ممم. أولئك الفرسانُ يسلكون هذا الطريقَ الآن في طريقِهم لنصبِ خيامِهم في أرضِ شافت الملعونة.
“ليسوا هم فقط، فبعد شهرين سيمرُّ من أمام منزلِنا كافةُ أنواعِ فرقِ الإبادة و التطهير…”
بيلزر، خطُّ الدفاعِ الأخيرِ عند إبادةِ الوحوش.
بموجبِ قانونِ الإمبراطورية، يتم فتحُ هذه الأرضِ دائمًا خلال موسمِ الإبادة، بغضِّ النظرِ عن هويةِ مالكِها.
فرقُ التطهير المكونةُ من جنودِ النبلاءِ المعبئين إلزاميًّا وفرسانِ القصرِ والمرتزقةِ الخصوصيين، سيمرون جميعًا من أمام منزلِنا بعد شهرين في طريقِهم إلى شافت!
“يا رايان، أريدُ الحديثَ معك.”
عند البوابةِ الأمامية، نادى صوتٌ مألوفٌ رايان.
“مرحبًا، أيها السير ويليام!”
“أهلاً فانيسا الصغيرة، مضى وقتٌ طويل.”
السير ويليام شاكسين، فارسٌ إمبراطوريٌّ وقائدُ فرقةِ المرابطةِ في خطِّ الدفاعِ الشرقي.
عادةً ما يقضي وقتَه جالسًا عند مدخلِ بيلزر، باذلاً جهدَه في حمايةِ المدنيين.
إنه نفسُ الشخصِ الذي حاول منعَنا من دخولِ بيلزر في البدايةِ بكلِّ قوته…
“ماذا هناك؟ أنا مشغولٌ جدًّا.”
و علاقةُ رايان به ليست جيدة.
رغم أنهم تقابلوا كثيرًا أثناء الخروج، وكان من المفترضِ أن تنشأ بينهما ألفةٌ ما.
“سيبدأ هجومُ وحوشِ شافت بعد شهرين. لمَ لا تغادرون الآن؟”
“من يراكَ يظنُّ أنه منزلُك. بصفتِكَ ماذا تأمرُنا بالخروج؟”
تحمّلَ وأكملَ حديثَه: “من المتوقعِ أن يبدأ الهجومُ بعد شهرين، لكنَّ المفاجآتِ واردةٌ دائمًا. لذا يبدأ جنودُنا الاستعدادَ للتطهير في شافت قبلَ شهرين من الموعد.”
“هل أتيتَ لتخيفنا؟ لا تقلق. إذا خرج أيُّ وحشٍ مبكرًا، فسأتولى أمرَه.”
“أووه، يا لكَ من رجل!”
لم يستطع ويليام الصبرَ هذه المرة، فأشار إليَّ: “ألا تقلقُ على ابنتِك! هل تملكُ ذرةَ عقلٍ في رأسِك…!”
“لو كنتُ أملكُ عقلاً، هل كنتُ سأرزقُ بطفلةٍ وأنا في الثانيةِ عشرة؟”
“… كلامٌ منطقي.”
“إذا انتهيتَ من توبيخِك، فارحل.”
أغمض ويليام عينيه وتنهدَ بعمقٍ.
“بما أنكم لن تغادروا، فكرتُ في وضعِ حراسٍ لحمايةِ مسكنِكم. جئتُ لأخبرَك بهذا.”
“أجل، لا حاجة لنا بهم.”
“أيها اللعين؟!”
غلى الدمُ في عروقِ ويليام وهو يجزُّ على أسنانه: “لقد أمرَ رئيسي، شخصيًّا، بحمايةِ سكانِ بيلزر… سأكونُ في مأزقٍ إذا رفضتَ العرض…”
أوه؟
“سـ- سير ويليام! من هو رئيسُك؟”
“هاه؟”
“الرئيسُ الذي أمرَكَ بوضعِ حراسةٍ لمنزلِنا! من هو؟”
“رئيسي؟ إنه القائدُ العامُّ للفرسان.”
“وااااو!”
وضعتُ يدي على فمي بتأثر.
وتذكرتُ نايكي.
–”هل تسكنون في بيلزر؟”
لا أدري كيف عرف، لكنَّ نايكي كان يعلمُ بالتأكيدِ أنني أسكنُ في بيلزر.
‘هـ- هل يعقلُ أنه قلقٌ عليَّ…؟’
بالطبع، ربما كان السببُ هو أنَّ نايكي لم يقابل مجانين يسكنون في بيلزر من قبل، فأراد حمايتَهم كإجراءٍ وقائي.
لكنني سأفكرُ بالأمرِ بالطريقةِ التي تسعدني!
“ما بالُها؟”
نظر رايان إليَّ بتعجبٍ لرؤيةِ حماسي، ثم سأل ويليام:
“ومن هو القائدُ العامُّ للفرسان؟”
“ألا تعرفُ حتى هذا؟ إنه الأميرُ الثالثُ للإمبراطورية، الذي تولى منصبَ القائدِ العامِّ فورَ بلوغِه سنَّ الرشد.”
“أوه؟ هذا مفاجئ. لماذا يتعبُ أحدُ أفرادِ العائلةِ الإمبراطوريةِ نفسَه في سلكِ الفرسانِ ومطاردةِ الوحوش… أوه، لحظة.”
آه، لحظة.
خطرت لي فكرةٌ فجأة، فقبضتُ على قضبانِ البوابةِ بقوة.
طراخ!
طراخ!
“هل سيأتي القائدُ العامُّ هنا خلالَ عمليةِ الإبادةِ هذه؟!”
“هل سيأتي الأميرُ الثالثُ هنا خلالَ هذه الإبادة؟!”
انقبض ويليام وتراجعَ للخلفِ عندما رآني أنا ورايان نلتصقُ بالبوابةِ بحماس.
التعليقات لهذا الفصل " 60"