وبالفعل، كان وليُّ العهد فاين شخصًا مهذّبًا ولطيفًا للغاية، وتحدثنا في جوٍّ مليءٍ بالودّ.
ظلّ الأمرُ كذلك إلى أن اختلى بي وليُّ العهدِ وقال: “انفصلي عن أخي!”.
“تبًّا.”
إنه لأمرٌ مخجلٌ حقًّا، لكنني في ذلك اليوم تشبّثتُ بطرفِ بنطالِ وليِّ العهدِ الذي كنتُ أراه لأولِ مرّة، ورحتُ أبكي كالأطفال…
رغم أنَّ عمري حينها كان ثمانيةَ عشرَ عامًا…
‘يا إلهي، لِمَ فعلتُ ذلك حقًّا!’
إنها ذكرى أتمنى محوَها.
حسنًا، بما أنني عدتُ بالزمن، فلا بدَّ أنها مُحيت من ذاكرةِ وليِّ العهدِ أيضًا.
على أيِّ حال، بدا وليُّ العهدِ في ذلك اليوم مرتبكًا للغاية، و وافق في النهاية.
فلم يكن بيدِه حيلةٌ وهو يرى شابةً ناضجةً تمسحُ أرضيةَ مكتبِه بدموعِها وتشهقُ من البكاء…
بعد ذلك، تغيّرَ كلُّ شيء.
كان وليُّ العهدِ يعلمُ أنَّ نايكي صاحبُ قدرةٍ خارقة، وكان أخًا يحبُّ شقيقَه بجنون.
–”أنا مدينٌ لنايكي دائمًا. كنتُ أريدُ منحَه أيَّ شيء، لكنّه لم يكن يطلبُ شيئًا أبدًا… إلى أن أخبرني لأولِ مرّةٍ أنّه سعيد.”
–”يقولُ إنّه يشعرُ بالسعادةِ الغامرةِ عندما يكونُ مع الآنسة، وعندما يسمعُ كلمةَ أحبكَ منها.”
رغم أنَّ وليَّ العهدِ كان يحذرُ مني خوفًا من أن يُكشفَ سرُّ أخيه فتتعرضَ حياتُه للخطر، إلا أنه…
–”أنا ممتنٌّ لكِ دائمًا. في البدايةِ ارتكبتُ حماقةً في حقّكِ، لكنني الآن لا أتمنى سوى أن تبقي بجانبِ نايكي إلى الأبد.”
بدأ يثقُ بي ويتقبّلني منذ وقتٍ ما.
حين أفكرُ الآن، أجدُه شخصًا طيبًا وواسعَ الصدر…
فبالرغمِ من كوني ابنةَ عدوِّه اللدود، إلا أنّه رآني كإنسانةٍ مستقلةٍ بعيدًا عن عائلتي ووالدي.
على أيِّ حال، وبما أنني كنتُ أقابلُ وليَّ العهد (أخ حبيبي) كثيرًا، فأنا أعرفُ شخصيتَه أكثرَ من أيِّ شخصٍ آخر.
‘إنه الشخصُ الذي تتوفرُ فيه جميعُ شروطِ الحليفِ المثالي.’
لقد تسلّمَ السلطةَ الفعليةَ من الإمبراطورِ الضعيفِ في الوقتِ الحالي، وهو صاحبُ القرارِ الحقيقيِّ في اجتماعاتِ القصر.
ويكرهُ عائلةَ فاسنبيرغ لدرجةِ أنه قد يقفزُ من فراشِه غاضبًا إذا ذُكروا أمامه.
ويملكُ تلك الحماسةَ الشابةَ التي تجعلُه يحبُّ الإمبراطوريةَ وشعبَها أكثرَ من أيِّ شيء، ويرفضُ الخضوعَ لقوى الفسادِ دون حراك.
‘لذا! كانت الخطة “ب” هي الذهابُ لمقابلةِ وليِّ العهدِ في حالِ فشلِ التحالفِ مع رايان.’
لكنَّ الأمرَ ليس بالسهولةِ التي يُنطقُ بها.
لو كنتُ ابنةَ دوق فاسنبيرغ لربما كان الأمرُ ممكنًا، أما الآن فأنا مجرّدُ طفلةٍ في الثانيةِ عشرة لا تملكُ شيئًا.
وكما قال ريڤان، لو كان يسكنُ في البيتِ المجاورِ لكان للأمرِ حديثٌ آخر، أما وجهُ “قرةِ عينِ الأمة” الذي لا يراهُ عامةُ الناسِ طوالَ حياتِهم، فكيف لي أن أراه؟
بل إنَّ الصعوبةَ تضاعفت عشرَ مراتٍ لأنني بصحبةِ رايان (الذي ينتمي لسلالة فاسنبيرغ التي يكرهُها وليُّ العهدِ بشدة، وصاحبِ السجلِّ الإجراميِّ كمسبب مجزرة كونراد)!
“ولكن…”
الفرصةُ ستأتي.
[مسابقةُ الإمبراطوريةِ للمبارزةِ الـ 105
الطريقُ لتصبحَ فارسًا مكرّمًا!]
نظرتُ إلى إعلانِ مسابقةِ المبارزةِ الذي احتفظتُ به وأنا أتطلّعُ لليومِ الذي سأقابلُ فيه فارستي الحبيبة كارلي.
هذا حدثٌ رسميٌّ يقيمُه القصرُ الإمبراطوري.
‘ومن المقررِ أن يحضرَه وليُّ العهدِ أيضًا.’
بالطبع، ذهابي إلى هناك كطفلةٍ عاميةٍ لا تملكُ شيئًا لن يمنحني فرصةَ التحدثِ معه.
لكن، بما أنني قد أتمكنُ على الأقلِّ من رؤيةِ “طرفِ شعرِ رأسه”، فلأضع آمالي على هذا المتغيرِ البسيط.
“ممم.”
بعد الانتهاءِ من أفكاري وترتيبِ مكتبي… خطر ببالي رايان.
لقد كان وجهُه مشوشًا للغاية، على غيرِ عادتِه.
ربما بعد أن يرتبَ أفكارَه، سيخبرني غدًا بقرارِه.
ربما سيقول أنه لا يريدُ سلوكَ الطريقِ الوعرة.
وبأنه سيمضي قُدُمًا كما خططَ لنفسه منذُ البداية.
“هيااااا بحقك.”
ماذا سأفعلُ لو قال ذلك…
* * *
لم يستطع رايان النوم.
لم يكن يفكرُ في قبولِ أو رفضِ عرضِ فانيسا.
بالطبعِ سيقبل…
إنه بشرٌ في النهاية، وإذا كانت هناك طريقةٌ للعيشِ برأسٍ مرفوعةٍ بعد انتهاءِ كلِّ شيء، فكيف لا يرحبُ بها؟
ولا يظنُّ أنَّ الأمرَ سيكونُ مستحيلاً.
رغم أنه ليس متأكدًا بنسبة 100%، إلا أنه إذا كانت فانيسا تملكُ قدرة ‘العودةِ بالزمن’ كما يخمّن… فالفشلُ غيرُ وارد.
‘وإذا فشلنا، سنحاولُ مجددًا ومجددًا حتى ننجح.’
لذا، هو تحدٍّ لا يخسرُ فيه رايان شيئًا.
ومع ذلك، سببُ بقائِه مستيقظًا لم يكن عرضَ فانيسا، بل…
كان تفكيرَه في فانيسا، تلك الطفلةِ ذاتِها.
–”هل تخططُ للعيشِ متخفيًا بعيدًا عن أعينِ والدي وتدريبِ قدراتِكَ للحدِّ الأقصى، ثم جمعِ أصحابِ القدراتِ وقتلِهم جميعًا في وقتٍ واحد؟”
ذلك السؤال.
بالطبع، من السهلِ توقعُ كيف سينتقمُ رايان.
لكن بفرضِ أنَّ فانيسا ‘عائدةٌ بالزمن’، فإنَّ سؤالَها يمثلُ على الأرجحِ مستقبلاً قد حدثَ بالفعل.
‘لا بدَّ أنني قتلتُهم، أليس كذلك؟ لأنني أنوي فعلَ ذلك الآن أيضًا، حتمًا. وهذا يعني أنَّ إخوتَها…’
لقد طلبت فانيسا إنقاذَ حياةِ ثلاثةِ إخوةٍ فقط.
رايان لا يعرفُ وجوهَ إخوتِه غيرِ الأشقاءِ الذين وُلدوا بعده، لكنه على الأرجحِ كان سيتخلصُ منهم أيضًا.
حتى لو كانت لديهم ظروفُهم الخاصة، ففي غمرةِ رغبتِه في القتل، لم يكن ليملكُ الوقتَ لسماعِ أعذارِ أحد.
إذن…
ربما…
ربما التقى هو وفانيسا في حياتِهما السابقةِ كأعداءٍ يقتلُ أحدُهما الآخر.
في الحقيقة، كان يمكنُه سؤالُ فانيسا بصراحة، لكنه لم يفعل ذلك حتى الآن… لأنه يخمّنُ فظاعةَ تلك المواقف.
‘أعتقدُ أنَّ الكلامَ سيؤلمُها، وسماعَه سيؤلمني.’
قطّب رايان حاجبيه وانقلبَ على جنبِه.
صوتُ فانيسا لا يزالُ يترددُ في أذنيه.
–”لقد تحملتَ العبءَ وحدَك من أجلِ الجميعِ في هذا العالم، ولا ينبغي ألا يعرفَ أحدٌ ذلك. لا ينبغي أن تعيشَ حاملاً وصمةَ ‘سفاحٍ مجنون’. ربما كنتَ مستعدًا لذلك، لكنني أرفضُه.”
بصراحة، كادت دموعُه تنهمر.
كان من المدهشِ أنَّ الطفلةَ تهتمُّ بعمقٍ بأمرٍ لم يكترث له رايان نفسُه رُغم أنه استعدَّ له.
وبعد سماعِ كلماتِها تلك…
بدأ يلومُ نفسه على أفعالِ نسختِه المستقبلية التي لا يمكنُه الجزمُ بوقوعِها.
لقد كان يريدُ أن يسألها.
هل حاولتُ… قتلَكِ؟
وإذا فعلتُ ذلك… هل هربتِ إلى الماضي لتنجي من قاتلٍ لا يرحم، ومع ذلك لم تضغمي عليَّ الحقد؟
“آاااااا!!”
صرخ رايان بضيقٍ ووضع الوسادةَ فوق رأسه.
إذا كانت هذه التخميناتُ صحيحة…
فإنَّ فانيسا، التي عادت للماضي لتمسكَ بيدِه بل وتحاولُ إنقاذَ حياتِه، تبدو حقًّا…
“… واسعةَ الصدرِ أكثرَ من اللازم.”
لم يستطع التفكيرَ إلا في أنها إنسانةٌ بلا أحقاد.
* * * *
في صباحِ اليومِ التالي.
جلس ريڤان وفانيسا ومارشين متراصين حول طاولةِ الطعامِ في غرفةِ المعيشة.
وظهر رايان والهالاتُ السوداءُ تملأُ أسفلَ عينيه.
“صباحُ الخير يا أبي. هل نمتَ جيدًا؟”
“… أجل.”
نظرت إليه فانيسا والخبزُ في فمِها.
همَّ رايان بالجلوسِ بجانبِها كالعادة، ولكن…
‘تبًّا.’
سحب طبقَه وجلس وحيدًا في طرفِ الطاولةِ البعيد.
“ماذا تفعلُ هناك وحدَك؟ هل تلعبُ دورَ الذئبِ الوحيد؟”
“يا هذا، ما هذا الفطورُ الهزيل؟”
قطعتان من التوست بالمربى و اللحم، وعصيرُ تفاحٍ مهروس.
رغم أنها الوجبةُ المعتادة، إلا أنَّ رايان راح يتذمرُ بلا سبب.
“أنتَ تأكلُ دائمًا ما يُقدّمُ لك، و الآن تتذمرُ فوق المائدة…”
“وهذا الشيءُ الذي لا أعرفُ أهو ماءٌ أم عصير؟ لا أرى أثرًا للتفاحِ أو الموز.”
“يا إلهي؟”
“بما أننا نملكُ المالَ الآن، فلا داعي للبخل، ضعِ الكثيرَ منه. هناك طفلةٌ في مرحلةِ النمو.”
“ما بالُ هذا الرجلِ منذُ الصباح؟ لقد وضعتُ الكثير! التفاحُ مهروسٌ لذا لن تراه! لو هرستُكَ أنتَ أيضًا فلن يتبقى لكَ أثر!”
“……”
“بففففت…”
ضحك أحدهم بخفة. كان مارشين.
وعندما حدق به رايان بنظرةٍ حادة، لوّح بيده بجدّ: “أبدًا! لم أضحك!”
استمرَّ الإفطار.
لم يعرف رايان كيف ينزلُ الخبزُ في حلقِه، وفجأةً سحبت فانيسا طبقَها وجاءت لتجلسَ بجانبِه.
التعليقات لهذا الفصل " 59"