بل هو شخصٌ يُفترضُ أن يكونَ الآن مجردَ كاهنٍ متدربٍ في أدنى السلّمِ.
“الكاهنُ الذي أريدُ الاعترافَ لديهِ هو شخصٌ يُدعى هاينريش. هل سيكونُ من الصعبِ رؤيتُه أيضًا؟”
“… الكاهنُ هاينريش؟”
* * *
غرفةُ الاعترافِ.
بينما كنتُ أنتظرُ وصولَ الكاهنِ، خطرتْ ببالي مرةً أخرى صورةُ أخي الرابعِ، غابرييل فاسنبيرغ.
في وقتٍ ما، كان هو أكثرَ من أحببتُه من إخوتي.
كان ذلكَ حينَ بدأتُ أدركُ أنَّ إخوتي جميعًا بشرٌ يعانونَ من خللٍ ما، وكنتُ أعيشُ حالةً من التخبّطِ.
“فانيسا، هل جئتِ؟”
حينَ كنتُ أعيشُ في قصرِ الدوقِ بالعاصمةِ، كنتُ أنزلُ كثيرًا إلى روماير لرؤيةِ غابرييل.
ر كان يرحبُ بي دائمًا بحفاوةٍ.
“فاني، ما بكِ؟ مَن الذي أبكى أختنا الجميلةَ؟”
“أخي…”
لقد كان شخصًا يبدو في غايةِ الحساسيةِ. يملكُ قدرةً هائلةً على التعاطفِ، لدرجةِ أنّه قد يذرفُ الدموعَ بغزارةٍ أو يغضبُ نيابةً عني حتى لو لم يكن الأمر حزينًا لتلكَ الدرجةِ.
“ماذا؟ أخي ديفيد رَفَعَ يدَه عليكِ؟”
“نعم…”
“هذا غيرُ معقولٍ! فاني الصغيرةُ، كيفَ يجرؤُ على ضربكِ!”
حينَ عرفتُ أنَّ أخي الأكبرَ يستخدمُ الوحشَ ‘راتان’ لإثارةِ الفوضى عمدًا، وتواجهتُ معه لأطلبَ منه التوقفَ فصفعني.
“إذًا، ما الذي يجعلُ أختي… تشعرُ بكلِّ هذا الحزنِ؟ هممم، هل هو حقيقةُ أنَّ راتان يُستغلُّ من قِبَلِ أخينا الأكبرِ؟”
“…….”
“أم أنَّكِ تشفقينَ على ذلكَ… البشريِّ الذي استولى راتان على جسدِهِ؟”
“…….”
“ليس هذا أيضًا… آه! فهمتُ الآن. هل أنتِ حزينةٌ على الناسِ الذين يقتلُهم راتان؟”
“…….”
في ذلكَ اليومِ، بدأتُ أشكُّ في أنَّ غابرييل قد يكونُ شخصًا ملتويًا من الداخلِ.
“أنا محقٌّ، أليس كذلك؟ هاها! أجل، فاني الطيبةُ قد تفكرُ هكذا. لحسنِ الحظِّ أنَّ أخاكِ أصابَ هذه المرةَ.”
بدا لي أنَّ الوحشَ راتان، أو الإنسانَ المسكونَ به، أو الضحايا الذين يقتلُهم، كلّهم بالنسبةِ له سواءٌ، ولا يملكُ حتى المفهومَ الذي يُفَرّقُ بينهم…
بعدَ ذلكَ، حاولتُ استدراجَه في أحاديثَ كثيرةٍ، وشعرتُ بتضاربٍ مستمرٍ حتى استنتجتُ أخيرًا.
غابرييل الذي كنتُ أظنُّه فياضَ المشاعرِ، لم يكن في الواقعِ سوى إنسانٍ يقلّدُ العواطفَ تمثيلًا.
“أيتها الأميرةُ، هل يمكنكِ الاستماعُ إليَّ للحظةٍ.”
قابلتُ الكاهنَ هاينريش في ذلكَ الوقتِ تقريبًا.
بصفتهِ كاهنًا رفيعَ المستوى حينَها، قرَّرَ أنني الوحيدةُ القادرةُ على ردعِ الشرورِ التي يرتكبُها غابرييل سرًّا، وكَشَفَ لي الكثيرَ من الحقائقِ و منها الناسُ الذين يعذبُهم غابرييل بانتظامٍ في قبوِ المعبدِ….
كانوا ‘الألعابُ’ التي يزوّدُه بها أخي الثاني إليوت بانتظامٍ لإخمادِ نزعتِهِ العنيفةِ….
“هل جُننتَ يا إليوت؟ توقف فورًا! هذا عملٌ جنونيٌّ!”
“أوه، فاني الصغيرةُ. من أينَ سمعتِ بهذا الكلامِ؟ حسنًا، إذا كانت جميلتُنا تطلبُ مني التوقفَ، فلن أفعلَ ذلكَ مجددًا.”
كان إليوت يُهدّئُني دائمًا بهذه الكلماتِ، و يقولُ إنَّه سيتوقفُ إذا طلبتُ ذلكَ.
لكنّها كانت مجردَ كلماتٍ، ولم ينفّذ طلبي أبدًا.
فشلتُ في إقناعِ إخوتي، وحينَ حاولتُ تخريبَ خُططِهم، كُشِفَ أمري.
كنتُ حينَها قد وُصمتُ بالفعلِ كـ “عنصرٍ متمردٍ” في العائلةِ.
مراقبةُ الإخوةِ أصحابِ القدراتِ.
أختي الثامنةُ، مارينا، كانت تلاحقُني وتراقبُ كلَّ تحركاتي، وأختي السابعةُ، بريدجيت، كانت تبلّغُ الإخوةَ الآخرينَ بكلِّ خطوةٍ أخطوها أولاً بأولٍ.
‘إنه منزلٌ يجعلُ المرءَ يفقدُ صوابَه….’
كان الأمرُ يائسًا.
ومع ذلكَ، قررتُ ألا أستسلمَ.
سأستمرُّ في المحاولةِ، مهما كان الأمرُ.
وحينَ كنتُ أجمعُ شتاتَ نفسي….
سمعتُ أخبارَ الكاهنِ هاينريش.
لقد جَمَعَ أدلةَ الشرورِ التي ارتكبَها غابرييل وألقى خطابًا في وسطِ مقاطعةِ روماير.
بما أنَّ السلطةَ العامةَ كانت بلا جدوى، وأنا التي ظنَّ أنني سأساعدُه كنتُ عاجزةً تمامًا….
لذلكَ، فإنَّ الكاهنَ هاينريش الطيبَ لم يستطعْ تحمّلَ رؤيةِ المعذبينَ أكثرَ من ذلكَ، فاختارَ هذا الطريقَ في النهايةِ.
وبطبيعةِ الحالِ، انتهى نضالُه كحدثٍ عابرٍ بسيطٍ.
لكنَّ الانتقامَ الذي نالَه لم يكن بسيطًا أبدًا.
اتُّهِمَ هاينريش بالهرطقةِ، ورُجِمَ بالحجارةِ، ثمَّ أُحيلَ إلى المحاكمةِ. وبسببِ ضغطِ عائلتِنا التي طالبت بأقصى عقوبةٍ، انتهى به الأمرُ على منصةِ الإعدامِ حرقًا.
“أيتها المؤمنةُ، مرحبًا!”
في تلكَ اللحظةِ.
جاءَ صوتُ هاينريش، الذي لا يزالُ شابًّا، من خلفِ جدارِ غرفةِ الاعترافِ.
“آه، أنا متوترٌ. هذه هي المرةُ الأولى التي تطلبُني فيها مؤمنةٌ بالاسمِ! آه، لحظة… لقد بالغتُ في حماسي. لا يجبُ أن أتصرفَ هكذا…”
“…….”
هاينريش، الكاهنُ المتدربُ الصغيرُ الذي لا يعرفُ شيئًا بعدُ.
لم يسعني سوى الابتسامِ بمرارةٍ وأنا أسمعُ صوتَه المليءَ بالشغفِ.
‘أكادُ أبكي….’
لكن لا وقتَ للغرقِ في المشاعرِ.
“إذًا أيتها المؤمنةُ، ما هي الخطايا التي جئتِ للاعترافِ بها؟ سأصغي إليكِ بأذنيَّ المتواضعتينِ!”
“نعم.”
أجل.
لنعملْ على البقاءِ أحياءً هذه المرةَ، أيها الكاهنُ.
التعليقات لهذا الفصل " 51"