الفصل 48
بقي مارشين يرمش لبرهةٍ وهو يستوعب كلماتي، ثم انتفض فجأةً من شدة الذهول.
“ماذا تعنين بهذا الكلام!”
“آه.”
بدا مصدومًا حقًّا لدرجة أنّه أمسك بكتفيَّ وأخذ يهزُّني بقوةٍ ذهابًا وإيابًا.
“لا يمكن أن يحدث هذا! هذا مستحيلٌ!”
“لحظة واحدة. من فضلك اهدأ…”
قمتُ بتهدئة مارشين ثم تابعتُ قولي.
“قُلتَ إنّك في المرة الأولى سقطتَ من منحدرٍ، أليس كذلك؟ لو كان شخصًا عاديًّا لكانت إصابةً قاتلةً تودي بحياته. وفي المرة الثانية تعرضتَ للضرب، أليس كذلك؟ وبما أنّه من الصعب أن يُقتل شخصٌ بسبب الضرب عادةً، فإنّ إصابتك كانت أخفَّ من المرة الأولى. أما الأخيرة…”
استحضرتُ في ذهني أسلوب عمل أتباع أخي الثاني، إليوت.
“لم يكن لدى الخاطفين نية لقتلك. هدفهم هو بيعك حيًّا، لذا فهم عادةً يعملون على تشويه الجسد مع الحرص على عدم الموت؛ فهم يجهزون مساحيق التخدير والمواد القابضة للنزيف.”
“……؟”
… هل بدا كلامي وكأنّني شخصٌ يعرف الكثير عن هذه الأمور؟
نظر إليَّ مارشين بنظراتٍ يملؤها الخوفُ قليلاً.
“… على أي حالٍ، ومن خلال مراقبة سلسلة الأحداث هذه، أعتقد أنّ الحدَّ الأدنى اللازم للإصابة بدأ ينخفض.”
بدت علامات عدم الفهم على وجه مارشين، لكنّني كنتُ متأكدةً.
رغم أنّ مارشين لا يتذكر لأنّني أعدتُ الزمن إلى الوراء…
‘في الحقيقة، أنتَ لم تتحول إلى وحشٍ ثلاث مراتٍ بل أربع مراتٍ!’
نعم. لقد افتُعلت مشكلةٌ في غيينتزوضربك أحدهم بحجرٍ على رأسك، ثم تحولتَ إلى راتان.
في ذلك الوقت، لا أعرف إن كانت جمجمتك قد كُسرت أم لا، لكنّها بالتأكيد لم تكن إصابةً قاتلةً.
وأيضًا… ألا أعرف أنا ذلك؟
–”أخي ديفيد… جرحَ كتفَ ذلكَ الرجلِ قليلاً بالسيفِ… فتحولَ إلى وحشٍ.”
قيل إنّ أخي الأكبر استدعى راتان بمجرد إصابة مارشين بجرحٍ سطحيٍّ بسيطٍ.
ماذا يعني ذلك؟
عندما يتكرر التنقل بين حالتي البشر والوحش، يصبح جرحٌ صغيرٌ كافيًا لتحويله إلى راتان.
مارشين وراتان. راتان ومارشين.
لا شكّ أنّهما كانا يزدادان قوةً مع كل مرةٍ يتنقلان فيها بين الحالتين.
وكما تضخم وعي مارشين في النهاية حتى انتزع رأس الوحش بنفسه، فإنّ راتان أيضًا أصبح قادرًا على الخروج من أصغرِ الجروح.
“هوف. ليس الأمر سهلاً.”
تمتمتُ تلقائيًّا بعد أن رتبتُ أفكاري في رأسي.
“مـ- ماذا نفعلُ إذا كان الأمر كذلك؟ هل تعنين أنني إذا طُعنتُ أو جُرحتُ بالخطأ في مكانٍ ما… سأتحول إلى وحشٍ فورًا؟”
“ليس الأمر بهذا السوءِ بعد، ولكن مع استمرار تحولك، قد يحدث ذلك يومًا ما. لذا، من فضلك حافظ على سلامتك بأقصى قدرٍ ممكنٍ.”
“أليس هذا أمرًا لا يعتمدُ فقط على حذري؟”
“هذا صحيحٌ…”
حدّق مارشين بي طويلاً ثم تنهد.
“لقد كان هناك أمرٌ يثير فضولي بشدةٍ منذ البارحة.”
“نعم.”
“إذا تحولتُ أنا إلى وحشٍ، فماذا يمكنكِ أن تفعلي بحقِّ الجحيم؟”
“آه! اممم، في الواقع…”
فكرتُ بتمعنٍ وأنا أختار كلماتي.
في الحقيقة، لا توجد كلماتٌ معينةٌ لأختارها…
“… سأجعلُ ذلك الوحش يشعرُ بألمٍ شديدٍ لدرجة أنّه سيصبح مطيعًا، ثم سآمره بأن يعودَ ويدخلَ داخلك بهدوءٍ.”
“…….”
“…….
صمتنا ونحن ننظر لبعضنا البعض.
أعرفُ أنّ كلامي يبدو كالهراء.
“من الذي يمكنُه إيلامُ وحشٍ لدرجة تجعله يطيعُ الأوامر…؟”
“أنا.”
“ليس والدكِ؟”
بدا مارشين مستغربًا. من الواضح أنّه كان يظنُّ أنّ شخصًا بحجم رايان هو الوحيدُ القادرُ على إخضاع الوحش.
‘رايان… لا يجيد سوى القتل الفوري والنظيف…’
وعندها ستموتُ أنت أيضًا معه…
“دعنا نتوقف عند هذا الحدِّ الآن. ستعرفُ قريبًا يا سموَّ الأمير، لذا انتظر قليلاً.”
“أيها الأوغاد!”
في تلك اللحظة، صرخ رايان الذي خرج من المطعم، وبدا وكأنّه ينفث النار من فمه.
“ألم أقل لكما أن تعودا بعد عشر دقائق!”
“آه! لقد انتهينا، لنذهب!”
“عن ماذا كنتما تتحدثان!”
“لم نتحدث عن شيءٍ! لا تفهم الأمر خطأً مرةً أخرى!”
تجاوزنا رايان بسرعةٍ ودخلنا إلى المطعم.
* * *
ينبوع التطهير.
هي بركة هجومية وعلاجية من الدرجة الأولى، وحاملها الحالي هو الابن الرابع للعائلة، غابرييل فاسنبيرغ.
إنّ وجهتنا الحالية في جنوب الإمبراطورية روماير هي مقاطعته، والسبب في ذهابنا إلى هناك هو الحصول على ينبوع التطهير.
الجوهر الأساسي لهذه القدرة هو التطهير من السموم كما يوحي الاسم.
بالإضافة إلى ذلك، فهي قوةٌ مرعبةٌ تعالجُ حتى الإصابات الداخلية، حيث تُعامل الأعضاء الضعيفة أو المريضة داخل جسد الإنسان كأنّها حالةُ تسممٍ.
وفي المقابل، تصبح بركةً هجوميةً مرعبةً ضد الوحوش.
بما أنني لستُ وحشًا، فلا أعرف أين وكيف يكون الألمُ عند التعرض لينبوع التطهير، ولكن…
‘حتى الوحوش التي لا تملك وعيًا كانت ترتجفُ خوفًا بمجرد رؤية وجه أخي الرابع، كأنّها تعلمت الخوف بالفطرة.’
على أي حالٍ، ينبوع التطهير.
قدرةٌ تمنح الألم للوحوش والمعجزات للبشر.
هي قوةٌ تبدو وكأنّها لا تُستخدمُ إلا في الخير والجمال.
وفي الواقع، فإنّ أخي الرابع غابرييل يملك مظهرًا ملائكيًّا يليق بتلك القدرة.
“أبي، هل يمكنني أن أسألك سؤالاً؟”
داخل العربة التي انطلقت مجددًا بعد تناول الغداء.
كان ريڤان ومارشين قد غرقا في النوم منذ مدةٍ طويلةٍ في المقعد المقابل، فسألتُ رايان المستيقظ.
“ماذا؟”
“من هو المفضلُ لديك من بين إخوتك؟”
“…….”
نظر إليَّ رايان وكأنّه لا يصدق ما سمعه فغيرتُ سؤالي.
“اممم، مع مَن كنتَ… الأكثر قربًا؟”
“….؟”
أصبح تعبير وجهه أكثر غرابةً.
“يا ابنتي، لماذا تسألين سؤالاً يجعلني أشعرُ بالرغبة في التقيؤ بعد أن أكلتُ جيدًا؟”
“إذًا الأمرُ بهذا السوء….”
بالطبع جميعهم مجانين، لكنّني طرحتُ السؤال متوقعةً أن يقول رايان إنّ الرابع هو الأفضلُ بينهم.
“سأجيبكِ إذا سألتِني مَن هو الأكثرُ بشاعةً.”
“مَن هو الأكثرُ بشاعةً؟”
“أخونا الرابع.”
“أوه… حقًّا؟”
“نعم.”
قال رايان ذلك ثم “تؤتؤ” بلسانه وأدار رأسه بعيدًا.
“هذا غريبٌ بعض الشيء. ظننتُ أنّك ستكرهُ الأول أو الثاني أكثر.”
“كلهم كلابٌ بنفس القدر. لكن البقية يظهرون نباحهم بوضوح، أما غابرييل ذلك الوغد…”
بدا رايان وكأنّه يسترجع ذكرياته ثم قال: “… هو من النوع الذي لا تطيقُ التعامل معه.”
أوافق. أوافق تمامًا.
ولكن.
‘عندما رأى رايان غابرييل لآخر مرة، كان غابرييل في الرابعة عشرة من عمره فقط.’
لم أكن أعلم، يبدو أنّه كان إنسانًا ملتويًا منذ ذلك العمر الصغير.
“أيُّ نوعٍ من الأشخاص هو أخي الرابع؟”
“هل أنتِ فضولية؟”
“أجل. هل يجبُ أن أدفع خمس مئة قطعة ذهبية إذا أردتُ المعرفة؟”
“لا، سأخبركِ فقط. لأنني سأكون في مأزقٍ إذا ذهبتِ إلى روماير وانخدعتِ بمجرد رؤية وجهه.”
اممم. أنا التي أعرف غابرييل أكثر من أيِّ شخصٍ آخر لن يحدث لي ذلك أبدًا.
“اسمعي، ذلك المجنون…”
بدأ رايان يتحدثُ بتعبيراتٍ تظهرُ اشمئزازه.
* * *
رايان، في العاشرة من عمره.
حينها ضعف جسدُ والدته فجأةً ولم تعد قادرةً على النهوض من فراشها. والسببُ كان مجهولاً.
في ذلك الوقت، كان غابرييل، الابن الرابع الذي يملك قدرة العلاج الداخلي، يُرسلُ إلى والدته كثيرًا بأمرٍ من والده، لكن لسببٍ ما لم يظهر أيُّ تحسنٍ.
في ذلك اليوم أيضًا، التقى رايان بغابرييل وهو يخرجُ من غرفة والدته دون نتائج.
“أخي!”
“مرحبًا، رايان.”
“ذاك…”
أراد رايان أن يواسي غابرييل. لأنّه ظنّ أنّه يشعرُ بالألم لعجزه عن شفاء والدتهم وهو أكثرُ مَن يريدُ ذلك.
“هذا ليس خطأك يا أخي. بما أنّك تبذلُ جهدك، ستشفى والدتي قريبًا. لا تقلق كثيرًا.”
“آه؟”
مال غابرييل برأسه متسائلاً.
“أنا لا أستطيعُ علاجها.”
“هاه؟”
“والدتي لا تعاني من مرضٍ جسديٍّ. إنّه مرضٌ نفسي.”
مرضٌ نفسي.
سمع رايان هذه الكلمة من الخدم لمراتٍ لا تُحصى.
عندما كان يسأل الأخوة الكبار من الخدم و الخادمات لماذا لا يستطيعون علاج والدته، كان الخدم يقولون: ‘لأنّ مرض الدوقة النفسي عميقٌ’.
وعندما يسأل مجددًا عن كيف يمكن للنفس أن تمرض، كانوا يعجزون عن الإجابة ويتهربون.
ويقولون إنّ رايان لا يزالُ صغيرًا ولا يحتاجُ لمعرفة ذلك الآن…
“رايان؟”
في تلك اللحظة، لمعت عينا غابرييل كشخصٍ وجد شيئًا ممتعًا.
“ألا تعرف لماذا تتألم والدتنا؟”
“هاه؟ نعم…”
“واو، حقًّا!”
أمسك غابرييل بيد رايان فجأةً.
“سأخبرك. وبعد أن أخبرك، هل ستخبرني بما تشعرُ به؟”
“… ماذا تعني؟”
قال غابرييل لرايان الذي كان في حالةٍ من الذهول:
“مرضُ قلب والدتنا سببه والدنا.”
“والدي؟”
“نعم. لأنّ والدتنا لم تعد قادرةً على إنجاب أصحاب قدراتٍ، لذا ينوي والدنا الحصول على أطفالٍ من امرأةٍ أخرى!”
“…….”
التعليقات لهذا الفصل " 48"