الفصل 45
نهضتُ لأمسكَ بهِ، وإذ بـ…
-صرير.
فُتحَ بابٌ آخَرُ.
هذه المرّةِ كان بابَ غرفةِ رايان.
بام-!
“أغغغ!”
ارتبكتُ فرفعتُ القيدَ عنهُ فورًا، فسقطَ مارشين على وجهِهِ.
نظرَ رايان بتعبيرٍ مذهولٍ إلى مارشين الملقى أمامَهُ.
ثم… إليَّ أنا الواقفةِ خلفَهُ.
“أبي، ألم تنم؟”
“…….”
لم ينطق رايان بكلمةٍ.
لم تكن عيناهُ تدلانِ على أنه استيقظَ للتوِّ، بل كانتا يقظتينِ تمامًا.
في هذه الأثناءِ، نهضَ مارشين بارتباكٍ وحاولَ الهربَ، لكن…
“ا-…اتركني!”
أمسكَ رايان بتلابيبِ عُنُقِهِ على الفورِ.
“إلى أينَ أنتَ ذاهبٌ؟”
“…….”
“أأنتَ تهرب؟”
“هروب؟ أنا، أنا…”
نظرَ مارشين إليَّ، ثم عضَّ على شفتيهِ وقالَ بصوتٍ خافتٍ: “… يجبُ أن أذهبَ إلى المنزلِ. إلى منزلي.”
“آه، ظننتُكَ متشرّدًا. ألديكَ منزلٌ؟”
“أليسَ هذا بديهيًّا؟ ثم إنني لستُ متشرّدًا!”
“هششش. الجميعُ نائمونَ، تحدّث بصوتٍ منخفضٍ.”
أرخى رايان قبضتَهُ عن مارشين.
“بما أنَّ لديكَ منزلًا، فمن الطبيعيِّ أن تذهبَ إليهِ.”
“…؟ أجل، شكرًا لكَ.”
بدا مارشين مذهولًا من سهولةِ تركهِ، ثم استدارَ ليغادرَ.
“أبي! انتظر قليلًا…”
ولكن قبلَ أن أتمكنَ من قولِ أيِّ شيءٍ، أمسكَ رايان بمؤخرةِ عُنقِهِ مرّةً أخرى.
“لماذا تفعلُ هذا مجدّدًا!”
“لكن ادفع دينَكَ قبلَ أن ترحلَ.”
“ماذا؟”
“ما أكلتَهُ اليومَ في مطعمِ الطابقِ الأوّلِ من هذا النزلِ. الغداءُ والعشاءُ معًا يُكلفانِ 15 قطعةً ذهبيّةً. لم أكن أعرفُ أنَّ بشريًّا يمكنُهُ أن يلتهمَ كلَّ هذا الطعامِ وكأنه جروُ وحشٍ إلا اليومَ.”
“…….”
“وتكلفةُ إقامتِكَ في هذه الغرفةِ لليلةٍ واحدةٍ 5 قطعٍ ذهبيّةٍ. إذًا، أنتَ مدينٌ لي بإجمالي 20 قطعةً ذهبيّةً.”
اضطربت عينا مارشين، بينما واصلَ رايان حديثَهُ.
“أطعمناك وآويناكَ، وبدلًا من ردِّ الجميلِ، تحاولُ التسلُّلَ والهربَ في هذا الوقتِ المتأخرِ؟ أهكذا علمكَ والداكَ؟”
“مـ- ماذا! لا! والدايَ أحكمُ الناسِ، وقد علماني الصوابَ!”
“بما أنكَ تلقيتَ تربيةً جيدةً، فأنتَ تدركُ إذًا. كيف تعلمتَ أن تتصرفَ مع من أحسنَ إليكَ؟”
“…….”
“على الأقلِّ، لا أظنُّ أنَّ والديكَ علّماكَ الغدرَ والهربَ ليلًا، أليسَ كذلك؟”
“إذًا، ماذا…”
من المثيرِ للدهشةِ أنَّ كلماتِ رايان قد آتت أُكُلَها.
أرخى مارشين كتفيهِ وتمتمَ: “ماذا تُريدُ مني أن أفعلَ… أريدُ السدادَ، لكنني لا أملكُ شيئًا حاليًّا…”
“إذًا ستسددُ بالعملِ البدنيِّ.”
“ماذا؟”
“اذهب إلى منزلكَ. اذهب، لكن سدّد الـ 20 قطعةً ذهبيّةً أوّلًا. سددها بمجهودٍ بدنيٍّ يساوي قيمتها تمامًا. لا تقلق، لن أطلبَ منكَ فعلَ شيءٍ غريبٍ.”
فتحَ مارشين فمَهُ بذهولٍ.
نظرَ مليًّا إلى رايان الذي كان يبدو جادًّا في رغبتِهِ باستعادةِ مالِهِ فقط، وفكّرَ لبرهةٍ ثم…
“… حسنًا. اتفقتُ معكَ.”
أومأ برأسِهِ.
حينها أشارَ رايان بسبابتِهِ إلى خلفِهِ، نحو غرفةِ مارشين.
“إذًا، عُد إلى غرفتِكَ الآن.”
“…….”
فعلَ مارشين كما قيلَ له تمامًا.
مشى بخطواتٍ مترددةٍ، ونظرَ إليَّ نظرةً خاطفةً ثم دخلَ وأغلقَ البابَ.
‘هف…’
تنفستُ الصعداءَ بارتياحٍ.
ولكنني توترتُ مجدّدًا على الفورِ.
‘الآن…’
بقيتُ أنا ورايان وحدنا وجهًا لوجهٍ.
‘الآن حقًّا… أريدُ أن أعرفَ لماذا يفعلُ هذا.’
لقد تركَ كلَّ تصرفاتي المريبةِ تمرُّ دونَ أن ينطقَ بكلمةٍ، وكان يتصرّفُ وكأنهُ يحزرُ ما أريدُهُ دونَ أن أقولَهُ.
إنّه يساعدُني تمامًا كما أتمنى دونَ أن يسألَ عن شيءٍ.
ما السببُ يا تُرى؟
“أبي، لماذا تمسكُ بشخصٍ يريدُ الذهابَ لمنزلِهِ؟”
سألتُهُ ذلك.
إذا قالَ إنه أمسكَ بهِ لأنه ظنَّ أنني أريدُ الإمساكَ بهِ، فسأسألُهُ لِمَ ظنَّ ذلك…
“لقد أكلَ. ومن يأكل عليهِ أن يعملَ.”
“ماذا تقولُ؟”
“يا ابنتي، لا شيءَ مجانيٌّ في هذا العالمِ. أنا لستُ شخصًا طيبًا لدرجةِ التصدُّقِ بـ 20 قطعةً ذهبيّةً حتى على أكثرِ المتشرّدينِ إثارةً للشفقةِ.”
ضحكَ بخفةٍ ثم جلسَ على أرضيّةِ الرواقِ أمامَ غرفةِ مارشين. وأشارَ بذقنِهِ نحو غرفتي.
“يجبُ أن أراقبَ هذا المتشرّدَ حتى لا يهربَ مجدّدًا، لذا ادخلي ونامي أنتِ.”
“…….”
نظرتُ إليهِ بذهولٍ، فحثّني قائلًا: “بسرعةٍ.”
إنه لا ينوي إخباري أبدًا.
إلى أيِّ مدّةٍ سيظلُّ يشكُّ بي…
“… حسنًا. طابت ليلتُكَ يا أبي.”
“وليلتُكِ.”
تركتُهُ خلفي، وهو الذي سيسهرُ الليلَ بدلي بلا شكٍّ، ودخلتُ غرفتي.
* * *
في اليومِ التالي.
جلسَ مارشين بجانبي ولم يلمسِ الطعامَ الذي ملأ الطاولةَ.
“ألن تأكلَ؟”
سألَ رايان.
“لا أريدُ زيادةَ ديوني.”
أجابَ مارشين بفظاظةٍ.
“كُل. منذُ اليومِ، لن أحسبَ ثمنَ طعامِكَ وإقامتِكَ كدينٍ.”
“…حقًّا؟”
“هل عِشتَ حياتَكَ في خديعةٍ؟”
بدأ مارشين، الذي كان يراقبُ الأجواءَ بحذرٍ، في تناولِ الحساءِ بتمهُّلٍ.
“يا لبراءتِكَ.”
ضحكَ رايان بخبثٍ.
“ما- ماذا…!”
“أمزحُ، أمزحُ. كُل، فلن أحسبَ عليكَ ديونًا.”
سعلَ مارشين “احم احم” وعادَ لتناولِ طعامِهِ. تنهدَ ريڤان وهو يراقبُ حالتَهُ.
“لنخرج بعدَ الأكلِ لنشتريَ لهُ بعضَ الثيابِ. ملابسُ الأخِ الأكبرِ ستكونُ واسعةً جدًّا عليهِ.”
كان مارشين، الذي كان يرتدي خِرَقًا باليةً، قد بدَّل ملابسَهُ بملابسِ ريڤان… لكنها كانت صغيرةً قليلًا.
“لا، لا بأسَ. بالطبعِ أنا لستُ في مكانةٍ تسمحُ لي بالتجوُّلِ بهذه الهيئةِ الرثّةِ، وملابسُ العامةِ ضيقةٌ وبائسةٌ، ولكن…”
“يا للإزعاجِ.”
يبدو أنَّ مارشين لم يكن يُحني رأسَهُ رفضًا إلا لأنه لا يريدُ مزيدًا من الديونِ.
“ولكن ما هو العملُ الذي يجبُ أن أقومَ بهِ لأسدّدَ مالي؟”
“سأخبرُكَ بذلك لاحقًا بعدَ الأكلِ. ابنتي، اخرجي معي قليلًا.”
قال رايان لي.
أومأتُ برأسي، وتبعتُهُ وأنا أمسكُ بالخريطةِ التي أحضرتُها معي من الغرفةِ.
بمجردِ خروجِنا، قال: “يجبُ أن نصطادَ الوحشَ… أليسَ كذلك؟”
أجل، يبدو أنهُ يريدُ أن يستأذنَني في وجهتِنا التاليةِ.
هززتُ رأسي.
“آسفةٌ يا أبي. ظننتُ أنَّ هناك وحشًا في غينتز، لكن بعدَ وصولِنا، يبدو أنهُ غيرُ موجودٍ.”
“حقًّا؟”
“أجل. لنرحلْ من هنا بدلًا من إضاعةِ الوقتِ. فنحنُ أثرياءُ الآن بفضلِ بيعِ أحجارِ السحرِ حتى دونَ المكافأةِ.”
“هذا صحيحٌ. إذًا، هل نعودُ إلى بيلزر فورَ بيعِ الأحجارِ؟”
“لا.”
فتحتُ الخريطةَ.
وأشرتُ إلى مقاطعةٍ تقعُ على بُعدِ يومينِ بالعربةِ جنوبَ غربِ بيلزر.
‘روماير.’
“لنذهبْ إلى هنا.”
“… لماذا هنا؟”
“روماير هي المكانُ الذي يحكمُهُ أخونا الرابعُ.”
“أعرفُ ذلك.”
“ألا تُريدُ رؤيةَ وجهِهِ؟”
“أبدًا.”
ضحكتُ بخفةٍ لأنَّ تعبيرَ رايان المشمئزَّ كان مضحكًا.
“لكنني أُريدُ رؤيتَهُ.”
“ألم تَرَيهِ من قبلُ؟”
“كلا.”
بعدَ العودةِ بالزمنِ، لم أرَهُ…
“سمعتُ شائعاتٍ تقولُ إنه وسيمٌ جدًّا، كالملاكِ. ووجهُهُ يوحي بالطيبةِ الشديدةِ.”
“أوه، لا، ليس كذلك. هو فقط يملكُ هذا الوجهَ، لكنهُ ليس ملاكًا.”
“ومع ذلك أُريدُ رؤيتَهُ. لا أقولُ لنذهبَ ونقابلَهُ، ولا لنسلمَ عليهِ. فقط أريدُ رؤيتَهُ من بعيدٍ. أريدُ أن أعرفَ كيف يبدو شكلُهُ.”
لابدَّ أنَّ طلبي هذا يبدو متهوّرًا جدًّا.
ولن يكونَ مفهومًا بالنسبةِ لهُ.
ولكن كما توقّعتُ، أومأ رايان برأسِهِ.
“حسنًا. بما أنكِ ترغبينَ برؤيتِهِ لهذه الدرجةِ، فلنذهبْ.”
كما ظننتُ.
“شكرًا لكَ يا أبي.”
ضحكَ رايان بخفةٍ.
فابتسمتُ أنا أيضًا.
لقد قررتُ بالأمسِ كيف يجبُ أن أتعاملَ مع رايان.
يبدو أنهُ ينوي تصديقي واتباعي مهما قلتُ، وإذا كان الأمرُ كذلك، فلا داعي لإرهاقِ عقلي في اختراعِ أعذارٍ لكلِّ تحرُّكٍ.
‘لا أعرفُ متى بدأ رايان يشكُّ بي بالضبطِ…’
بصراحةٍ، فكرةُ خروجي من المنزلِ بتدبيرٍ محكمٍ وأنا في الثانيةِ عشرةَ هي أمرٌ مريبٌ بحدِّ ذاتِهِ، وأنا نفسي لم أكن حذرةً تمامًا أمامَهُ.
‘لابدَّ أنهُ كشفني في مكانٍ ما.’
في البدايةِ، فكّرتُ في إخبارِهِ بكلِّ شيءٍ بصدقٍ، فليس لديَّ ما أخفيهِ عنهُ حقًّا.
لكنني إذا تحدّثتُ أوّلًا، فسأضطرُّ للاعترافِ بكلِّ شيءٍ، حتى حقيقةِ أنني جعلتُ انتقامَه الذي نجح فيهِ بجهدٍ جبارٍ كأنه لم يكن…
لذا، طالما لم يسأل رايان أوّلًا، سأصمتُ وأتصرّفُ بوقاحةٍ.
“أبي، أرجو أن تدركَ أمرًا واحدًا. أنا في صفِّكَ، ولن أخونَكَ أبدًا حتى لو متُّ.”
“…….”
نظرَ إليَّ رايان لبرهةٍ، ثم ضحكَ وأومأ برأسِهِ.
“أعرفُ. وأنا أثقُ بكِ.”
“مهما فعلتُ، سأفعلُ فقط ما فيهِ مصلحتُكَ. لقد أخذتني معكَ حين خرجتُ من المنزلِ وحميتني ورعيتني، لذا سأردُّ لكَ هذا الدينَ بالتأكيدِ.”
“أيُّ دينٍ هذا؟ نحن عائلةٌ.”
ضحكَ رايان ووضعَ ذراعَهُ حولَ كتفي.
“شكرًا لكَ يا أبي.”
“أجل، وأنا أيضًا.”
أشعرُ براحةِ البالِ الآن.
آه… الخطّةُ الجديدة الذي رسمتُها لنفسي بعدَ تفكيرِ الأمسِ هو–
‘التصرُّفُ بناءً على افتراضِ أنَّ رايان يتصرَّفُ بناءً على افتراضِ أنني عائدةٌ بالزمنِ!’
هذا هو بالضبطِ ما سأفعله.
التعليقات لهذا الفصل "45"