عدنا إلى المطعمِ. بَدَا وكأنَّ الأميرَ لم يأكلْ منذ أيامٍ، فقد كان يلتهمُ الطعامَ بجنونٍ.
“تشب تشب. واغو واغو.”
لولا وجههُ الوسيمُ، لما تمكنتُ أبدًا من التعرُّفِ عليه بسببِ هيئتِهِ المفتقرةِ للرقيِّ.
‘من أيّ زاويةٍ يُشبهُ هذا أميرًا؟’
ولكنّهُ أميرٌ حقًّا. هو الوريثُ الأخيرُ للمملكةِ التي فارنيري بجنوبِ الإمبراطورية الحالية، وهي واحدةٌ من الأراضي الملعونةِ الأربعةِ التي ظهرت قبل 600 عامٍ.
الأميرُ، أو بالأحرى الوحشُ راتان المختبئُ في جسدِ الأميرِ، هو كائنٌ مفيدٌ للغايةِ؛ لأنَّ بمقدورِهِ السيطرةَ على الوحوشِ الدنيا عديمةِ الذكاء.
حين اكتشفَ أخي الأكبرُ هذه الحقيقةَ، قام بإخضاعِ راتان واستغلالِه.
‘وبالطبعِ، كان ذلك بطريقةٍ شريرةٍ.’
لقد حرّكَ الوحوشَ الدنيا عبر راتان ليُثيرَ الفوضى عمدًا في أرجاءِ أراضي الإمبراطوريّةِ.
وفي كلِّ مرّةٍ، كانت العائلةُ الإمبراطوريّةُ تُضطرُّ لطلبِ المساعدةِ من أصحابِ القدراتِ الخارقةِ، فكانت عائلتُنا تستغلُّ الفرصةَ لتحقيقِ مكاسبَ ومصالحَ عديدةٍ مقابلَ قمعِ تلك الوحوشِ.
هل جُنُّوا حقًّا…؟
لم أعرف هذه الحقيقةَ إلا حين بلغتُ السادسةَ عشرةَ.
وبمجرَّدِ أن علمتُ، ذهبتُ إلى أخي الأكبرِ وتصدّيتُ له طالبةً منه التوقفَ، لكنني تلقيتُ صفعةً قويّةً جعلتني أرى النجومَ من شدّتها.
كانت تلك أوّلُ مرّةٍ يُمدُّ فيها أحدٌ يدَهُ عليَّ.
‘بالطبعِ، حين عَلِمَ والدي بذلك، هشّم رأسَ أخي الأكبرِ.’
وبطبيعةِ الحالِ، لم يكن فعلُهُ هذا نابعًا من معزّتي.
‘لقد كان مجرّدَ عرضٍ تمثيليٍّ لإرضائي.’
فوالدي كان خبيرًا في تدليلِ وترويضِ ابنتِهِ التي تملكُ قدرةً من رتبةٍ خاصّةٍ، حتى لا تُفكّرَ في أيِّ تمرّدٍ.
كان والدي يُخيفُني حين أتمرّدُ، لكنهُ حين يجدُني أبكي، يدخلُ غرفتي ويحتضنُني ويخبرُني بمدى حبِّهِ لي.
على أيِّ حالٍ… تلك الصفعةُ الأولى التي تلقيتُها من أخي الأكبرِ أصبحت صدمةً نفسيّةً لي.
ورغم معرفتي بأعمالِهِ الشريرةِ، لم أعد أتدخلُ فيما يفعلُه، خوفًا من أن أُضربَ مرّةً أخرى.
“فاني، هل تعلمينَ؟ ذاك الوحشُ الخاصُّ بأخي ديفيد… لقد مات. لهذا السببِ مِزاجُ أخي سيءٌ هذه الأيامُ.”
سمعتُ أخبارَ الوحشِ راتان مرّةً أخرى بعد عامٍ من ذلك الحينِ، من أختي غيرِ الشقيقةِ كريستا التي هي في نفسِ عمري.
“يقولونَ إن وعيَ المضيفِ بدأ يعود تدريجيًّا. يبدو أنه فقدَ عقلَهُ لأنه كان يقتلُ الناسَ بيديهِ كلَّ يومٍ. وعندما تحوّلَ إلى وحشٍ، قام بانتزاعِ عنقِهِ بنفسِهِ.”
كانت نهايةً مروّعةً للغايةِ، لكنني شعرتُ بالارتياحِ.
رغم كونهِ يثيرُ الشفقةَ، إلا أنني لم أرَ وجهَ المضيفِ قطُّ، فكان بالنسبةِ لي غريبًا.
وبما أن راتان قد مات، شعرتُ بالتشفي لأنَّ أخي الأكبرَ لن يتمكنَ من فعلِ الشرِّ بعد الآن.
‘ولكن حين رأيتُ وجهَهُ في الواقعِ… شعرتُ بالذنبِ لأنني لم أحزن عليه ولو لمرّةٍ واحدةٍ حينها.’
“كُلْ كثيرًا. ألا يوجدُ شيءٌ آخرُ ترغبُ في تناولِهِ؟”
“…….”
نظرَ إليَّ الأميرُ الذي امتلأت وجنتاهُ بالطعامِ حتى كادتا تنفجرانِ، ثم أشارَ بيدهِ ببطءٍ إلى طبقٍ فارغٍ.
كان الطبقُ نظيفًا جدًّا لدرجةِ أنني لم أعرف ماذا كان فيه…
“هل تملّكَهُ شيطانُ الجوعِ…؟”
تمتمَ رايان حينها.
نظرَ الأميرُ بطرفِ عينِهِ إلى رايان الجالسِ قبالتَهُ، ثم سعلَ “احم لحم” وابتلعَ الطعامَ الذي في فمِهِ.
العثورُ على الأميرِ في غينتز ثم الاتفاقُ معهُ سرًّا ← إخبارُ رايان بأنَّ هذا الشخصَ مسكينٌ للغايةِ وعلينا أن نأخذَهُ معنا ← الاعتذارُ والعودةُ للمنزلِ بحجّةِ أنَّ الوحشَ راتان لا يبدو موجودًا في غينتز!
‘لكنَّ الخطةَ فشلت.’
فقد تَبِعَني رايان حين ركضتُ فجأةً نحو المطعمِ، مما أفسدَ الترتيبَ.
“قدرتُها على التنفيذِ أو الطريقةُ التي تُشغّلُ بها عقلَها الماكرَ… هي أمورٌ مريبةٌ جدًّا بحيث لا يمكنُ اعتبارُها مجرّدَ طفلةٍ في الثانيةِ عشرةَ. بالإضافةِ إلى ذلك، لقد تأكّدتُ اليومَ أنها تملكُ قدرتينِ خارقتينِ، أليسَ كذلك؟”
قال رايان وهو ينظرُ بحذرٍ إلى بابِ غرفةِ فانيسا المغلقِ، بملامحَ يكسوها التوتُّرُ.
“… تاريخُ فاسنبيرغ لم يشهد صاحبَ قدراتٍ كهذا قطُّ. لذا أنا نفسي لا أعرفُ حدودَها. قد لا تكونُ القدرتانِ هما كلُّ ما تملكُه.”
عند سماعِ كلماتِهِ، تذكّرَ ريڤان الأمرَ كأنه وميضُ برقٍ.
‘قصيدةُ العودة.’
“إنها قدرة العودةِ بالزمن…!”
حينها أدركَ ريڤان ما كان رايان يرمي إليه.
“أجل. لقد ذكرت أنَّ هناك قدرةً لإعادةِ الزمنِ أيضًا. إذًا ما تعنيهِ يا أخي، هو أنَّ الطفلةَ قد تملكُ قدرةَ العودةِ من المستقبلِ.”
“هذا هو بالضبطِ. ليس أمرًا مؤكّدًا، لكنه مجرّدُ تخمينٍ.”
“لا، بل هو تخمينٌ منطقيٌّ.”
أومأ ريڤان برأسِهِ وفكّرَ لبرهةٍ، ثم ارتجفَ جسدُهُ خوفًا.
“لا نعرفُ ذلك. ولكنَّ الشيءَ المؤكّدَ هو أنها هي الأخرى تُريدُ سحقَ والدِنا بعد عودتِها.”
“ما الذي جعلكَ تعتقدُ ذلك؟”
“…….”
صمتَ رايان قليلًا وهو يتذكّرُ كلماتِ فانيسا.
–”أريدُ أن أُعرقِلَ الأعمالَ الشريرةَ لإخوتي وأخواتي قليلًا.”
ضحكَ رايان ضحكةً خفيفةً وقال: “أوّلًا، هناك احتمالٌ كبيرٌ أنها كانت تعلمُ منذ البدايةِ أنَّ قدرتي هي الموتُ الفوريُّ. فالقدرة التي أظهرتها لي أوّلًا حين طلبت منّي أخذَها كانت قدرة الشفاءِ لقد عرفت أنني بحاجةٍ ماسّةٍ إليها.”
“يا إلهي، لحظةً.”
قَطَبَ ريڤان حاجبيهِ.
“كونُ الطفلةِ العائدةِ بالزمنِ تعرفُ قدرتك يعني…”
“يعني أنه في المستقبلِ، إما أنني نجحتُ في انتقامي كما خططتُ، أو أنني فشلتُ وانكشفت قدرتي. واحدٌ من الاثنينِ.”
“تبًّا.”
شحبَ وجهُ ريڤان. لكنَّ رايان ابتسمَ.
“لا تخفْ. بل على العكسِ، إذا كانت هي من عادَ بالزمنِ، فيمكننا التأكّدُ أنها ليست في صفِّ والدي. لو كانت في صفِّهِ ورأت أنني أشكّلُ تهديدًا، لكانت هناك عشراتُ الطرقِ لقتلي حتى قبلَ خروجي من السجنِ. سواءٌ بإرسالِ قاتلٍ مأجورٍ أو وضعِ السمِّ في الطعامِ.”
“إذًا، قدومُها إليكَ بدلًا من قتلكَ…”
“يعني أنها خرجت من المنزلِ وهي عازمةٌ على أمرٍ ما. وبما أنَّ أهدافَنا مشتركةٌ، فقد اختارت البقاءَ معي. بالإضافةِ إلى ذلك، جسدُها لا يزالُ صغيرًا وهي فتاةٌ، أليسَ كذلك؟ مهما كانت تملكُ من قدراتٍ وحشيّةٍ، فلا بدَّ أنها كانت بحاجةٍ إلى حامٍ.”
“هممم، فَهِمتُ.”
قال ريڤان وهو يمسحُ ذقنَهُ مفكرًا: “قولُكَ إننا سنتحرّكُ بافتراضِ أنها تعيشُ حياتَها الثانيةَ، يعني أننا سنتبعُ قراراتِها كأولويّةٍ، صحيحةً كانت أم لا؟”
“أجل، بالضبطِ. حتى لو حاولت القيامَ بتصرّفاتٍ غيرِ مفهومةٍ… فلنتقبّلِ الأمرَ. سنتبعُها فحسبُ.”
لمعت عينا رايان.
“لكي ننجحَ، سيكونُ من الحكمةِ أن نثقَ بقراراتِ العائدة من المستقبلِ. خاصةً وأنَّ من المؤكّدِ أنها في صفِّنا.”
التعليقات لهذا الفصل " 43"