الفصل 42
واصلَ مارشين السير.
ما الفائدةُ من كلِّ هذا إن ماتَ جوعًا قبلَ أن يصلَ إلى فارنيري؟
كتمَ خجلَه وحاولَ التسوّلَ لأوّلِ مرّة.
“أنا، لقد جعتُ منذُ وقتٍ طويلٍ فأعطوني شيئًا لآكله. إذا ساعدتُموني، فلن أنسى فضلَكم وسأردُّ الجميل…”
لكن بدلاً من الحصولِ على الطعام، بُصقَ عليه وطُردَ بعيدًا.
شعرَ بالغضب.
عندما بدأَ يصرخُ بأعلى صوتِه متسائلاً إن كانوا يعرفونَ مَن هو، تجمّعَ القرويّون جميعًا وأخذوا يشتمونه.
وعندما لم يستسلم وواجهَهم، رفعَ بعضُهم قبضاتِهم.
ضُربَ ضربًا مبرحًا. وتلقّى ضربةً قويةً على بطنِه جعلته يبصقُ الدم.
كان الألمُ شديدًا.
لدرجةِ أنّه فقدَ الوعي…
“هـاه!”
فتحَ مارشين عينيه.
مكانٌ غريب، وجسدُه الذي تعرّضَ للضربِ لم يكن به جرحٌ واحد.
وحلمَ مرّةً أخرى بأنّه أصبحَ وحشًا.
أصبحَ وحشًا، وقتلَ كلَّ القرويّين الذين اعتدَوا عليه…
“آه.”
شعرَ مارشين بالخوفِ من فرضيةٍ خطرت بباله فجأة. فكّرَ في العودةِ إلى تلك القرية، لكنّه لم يستطع.
لأنّه كان خائفًا.
خائفًا من أن يتأكّدَ، ولو بنسبةٍ ضئيلة، من أنّ ذلك لم يكن حلمًا.
واصلَ السير.
لحسنِ الحظ، كان هناك بعضُ الناسِ اللّطفاء.
ملأَ معدتَه الخاويةَ بما حصلَ عليه من طعام، وركبَ عربةً لأوّلِ مرّةٍ منذُ مدّةٍ طويلةٍ لأنّ المسافرينَ في نفسِ طريقِه عرضوا عليه دفعَ الأجرة.
“رغم أنّه مجنون، إلا أنّنا لم نرَ شخصًا بهذا الجمالِ منذُ مدّة، أليس كذلك؟”
“السيّد إليوت شديدُ الحساسيّةِ مؤخّرًا لعدمِ وجودِ سلعٍ جيّدةٍ في المزاد، سيسعدُ كثيرًا بهذه السلعةِ النادرة.”
(إليوت ابن الدوق الثاني الي كان يبي يدخل مخدرات ونايكي منع ذا)
تعلّمَ مارشين في ذلك اليوم. أنّ عليكَ الحذرَ دائمًا من اللُّطفِ غيرِ المبرّر.
“إلى، إلى أين تأخذونني! توقّفوا! توقّفوا!”
“يا لكَ من مزعج. اقطعوا لسانَه. يمكننا الاستغناءُ عنه.”
“ا- اسمعوا! لا تفعلوا ذلك!”
هل دخلَ السكّينُ إلى فمي؟
لم يَعُد يتذكّر.
دخلَ مجدّدًا، في الحلم…
لكن هذه المرّةَ كان الأمرُ مختلفًا.
حتّى الآن، كان يكتفي بمراقبةِ المجازرِ التي يرتكبُها في حلمِه وكأنّها شأنٌ يخصُّ شخصًا آخر.
‘لا. لا تقتله.’
يدُ الوحشِ الممتدّةُ نحو طفلٍ صغير… لا، يدُه هو وقد صارَ وحشًا…
أمسكَ مارشين يدهِ اليمنى بيدهِ اليسرى. ولحسنِ الحظ، تمكّنَ الطفلُ المذعورُ من الهرب.
-أوه؟ …هاهاها! أنتَ مذهلٌ حقًّا. كيف استطعتَ إظهارَ وعيِك؟
تحدّثَ الوحشُ حينها بذهول.
لا، مارشين هو مَن تكلّم.
لا، الوحشُ هو مَن تكلّم.
لا…
‘مَن أنت؟ ما أنت؟’
-ألا تتذكّرني؟
قهقهَ الوحشُ وركضَ نحو الجدولِ ليرى صورتَه.
وحشٌ ذو جلدٍ بنفسجيٍّ وقرون.
كان مارشين يعرفُ ذلك الوحش.
الوحشُ الذي دمّرَ فارنيري، والمملكةَ المسالمة، وموطنه… ودمّرَ كلَّ شيء…
مرّت عدّةُ أشهرٍ وهو يهيمُ على وجهه هكذا.
تغيّرَ العامُ مرّة، لكنّ مارشين لم يصل بعدُ إلى فارنيري.
في النهاية وصل هنا وسطُ الإمبراطورية، في منطقة غينتز.
شعرَ بالرثاءِ لحالِه لأنّه لم يحقّقْ شيئًا رغم مرورِ وقتٍ طويلٍ على استيقاظِه… لكن كان هناك تغييرٌ بسيط.
الآن، لا يتردّدُ مارشين في التسوّلِ إذا جاع. فقد كسرَ كبرياءَ العائلةِ المالكةِ منذُ زمنٍ طويلٍ ليتمكّنَ من العيشِ وفعلِ أيِّ شيء.
وأصبحَ يعرفُ كيف يحذرُ من الذين يُظهرون لُطفًا مبالغًا فيه.
“يا صاحبَةَ البيت، أيتها السيّدةُ الشابّة. إن كان الأمرُ ممكنًا، فهل يمكنكِ إعطائي قطعةَ خبزٍ واحدة.”
بالطبع، حتّى في التسوّل، يفعلُ ذلك بوقار.
“هوهوهو! لقد جاءَ الأميرُ المجنونُ مرّةً أخرى. لا أعرفُ لماذا يتجوّلُ رجلٌ وسيمٌ مثلكَ هكذا بدلاً من العمل~”
حتّى لو عُوملَ كمجنون، كان مارشين يسألُ في كلِّ قريةٍ يمرُّ بها.
يخبرُهم بأنّه الوريثُ الأخيرُ لمملكةِ فارنيري، وأنّ 600 عامٍ مرّت في لمحِ البصر، ويسألُ إن كان أحدٌ يعرفُ السبب.
متمنيًا، من كلِّ قلبه، أن يجدَ ولو شخصًا واحدًا يعرفُ حقيقةَ هذا الموقفِ الذي لا يُصدّق.
“انتظر قليلاً~”
دخلتِ المرأةُ التي طُلبَ منها الطعامُ إلى منزلها.
خلالَ رحلةِ تسوّلِه، لاحظَ مارشين أنّ معظمَ النساءِ كُنَّ ودوداتٍ معه. ويبدو أنّ السببَ هو مظهرُه.
لذلك، كان مارشين يحرصُ على غسلِ وجهِه وتنظيفِه.
ورغمَ شعورِه بالخزي من استغلالِ وجهِه للتسوّل، إلا أنّه لم يملكْ خيارًا آخر.
“ذلك الشحاذُ القذر! كما توقّعتُ، لم يرحل بعدُ ولا يزالُ هنا!”
بالطبع… كان الرجالُ على العكسِ تمامًا.
رغم أنّه لم يطلب منهم خبزًا قط، إلا أنهم كانوا يأتونَ لاستفزازِه ولا يتردّدون في استخدامِ قبضاتِهم.
عندما تجمّعَ خمسةٌ من رجالِ القرية، توتّرَ مارشين.
وازدادَ توتّرُه عندما رأى الحجارةَ في أيديهم، وكأنّهم جاؤوا مصمّمينَ على أذيتِه.
“لا، لا تقتربوا.”
حاولَ مارشين تهدئتَهم وهو يتراجعُ للخلف.
هو لا يخشى الحجارة. لكنّه يخشى الوحشَ الذي سيخرجُ من جسدِه إذا جُرحَ وسالَ دمُه.
لا يزالُ يجهلُ هويّةَ الوحشِ القابعِ داخلَه…
لكنّه تعلّمَ من تجاربِه السابقةِ أنّه ‘لا يجبُ أن يُصابَ بجروحٍ بليغة’.
“لا تفعلوا هذا… لنـتحدّث…”
“اليومَ سننهي هذا الأمر. ارحل عن قريتِنا فورًا!”
“أنا لن أدعَه يرحلُ ببساطة! لقد أغوى زوجتي بالأمسِ أيضًا!”
“لا، ليس كذلك! أغواء… لم أفعل ذلك قط! أنا لا أقومُ بمثلِ هذه الأفعالِ الدنيئة! الأمرُ هو…”
“لا، لا تفعلوا ذلك~! توقّفوا!!”
في تلك اللّحظة. ركضت فتاةٌ ذاتُ شعرٍ ورديٍّ من بعيدٍ بأقصى سرعةٍ لديها.
دفعَتِ الفتاةُ الرجالَ ووقفت أمامَ مارشين وكأنّها تحميه.
ثمّ استجمعت أنفاسَها وصرخت: “إذا كنتُم ستلقونَ الحجارة، فألقوها عليّ!”
قالتِ الفتاةُ ذلك بثقةٍ ثمّ ارتعشت قليلاً، وأشارت فورًا إلى ما وراءِ الرجال.
“بالطبع، إذا فعلتُم ذلك حقًّا، فإنّ أبي الذي يتبعُني لن يصمت.”
التفتَ الرجالُ للخلف. كان هناك رجلٌ يقفُ على بُعدِ بضعِ خطوات، وقد وُصفَ بأنّه والدُ الفتاة.
“هـاه؟ آه، أجل. صحيح. أووه…”
رجلٌ ذو شعرٍ ذهبيّ.
رغم أنّ رجالَ القريةِ لم يفهموا الموقف، إلا أنّهم ارتبكوا بمجرّدِ رؤيته.
والدُ الفتاة… بدت بنيتُه الجسديّةُ غيرَ عادية…
“يا هذا، لا تطلقِ الحجارةَ على ابنتي. وإلا فإنّ قبضتي ستعطيكَ مذاقًا حارقًا.”
بدا والدُ الفتاةِ مرتبكًا قليلاً، لكنّه قامَ بتهديدِ رجالِ القريةِ ببراعة.
“مـ- مَن أنتَ فجأة…!”
“أوه، تَبًّا! قبضتي توشكُ على الانفجارِ من التوق~”
“……”
“……”
بملامحَ غيرِ مباليةٍ وكأنّ كثرةَ عددهم لا تهمُّه، بدأَ والدُ الفتاةِ بتحريكِ كتفيه ببطءٍ والاقترابِ منهم…
“قبضتي سـتعدُّ إلى ثلاثة. بعدخا أريد انصرافًا جماعيًّا، ثلاثة…”
لم يكن هناك داعٍ للوصولِ إلى اثنين.
فقدَ رجالُ القريةِ رغبتَهم في القتال، وألقَوْا الحجارةَ التي كانوا يحملونَها وتبعثروا في لحظة.
بدَوْا كأسرابِ سمكٍ كانت مجتمعةً ثمّ فرّت هربًا.
‘ماذا يحدث؟’
شعرَ مارشين بالارتباك.
هذا الأبُ وابنتُه اللّذانِ ظهرا فجأةً وساعداه…
حينها، التفتتِ الفتاةُ نحو مارشين وهمست بهدوء:
“أنت أميرُ فارنيري. صحيح؟”
“……!”
في تلك اللّحظة، اتّسعت عينا مارشين.
أُصيبَ بصدمةٍ جعلته يعجزُ عن التنفس.
هل هذا حقيقي؟
هناك شخصٌ يعرفُني؟
“أ- أنتِ تعرفينني؟ مَن أنتِ…”
“اششش، اششش. أنتَ جائع، أليس كذلك؟”
ابتسمتِ الفتاةُ بوضوحٍ ووضعتِ الخبزَ الذي كانت تحملُه في يدِ مارشين.
“لنأكل أوّلاً ثمّ نتحدّث!”
التعليقات لهذا الفصل " 42"