الفصل 41
أنسلّ صوتُ رجلٍ إلى أُذنيّ بنبرةٍ أرستقراطيّة.
وفوق ذلك، يقول بلسانه: “أنا أمير!”.
‘إنّه هو.’
سأكون حمقاءَ حقًّا إن لم أعرفه وهو يقدّمُ نفسَه هكذا على طبقٍ من ذهب.
‘أين ذهب؟!’
التفتُّ حولي، فرأيتُ حشدًا متشابكًا على بُعدِ مسافةٍ منّي. يبدو أنّ شجارًا قد نشبَ هناك. خمسةُ أشخاصٍ يطوّقونَ شخصًا واحدًا في المنتصف…
“هل نشبَ قتالٌ ما؟”
“دعكَ منهم. ليس هذا من شأننا.”
تركتُ رايان وريڤان اللّذينِ تحدّثا ببرود.
“فا-فاني؟”
“يا أنتِ! إلى أين تذهبين!”
ركضتُ نحو ذلك الاتّجاه دون تفكير.
“أيّها المجنون! ألم تملَّ من ادّعاءاتِكَ بأنّكَ أمير!”
“أيّها الشحاذُ القذر! إن كنتَ جائعًا فاعمل لتاكل! لماذا تتسوّلُ في قريتِنا منذ عدّةِ أيّام؟!”
لسببٍ ما، رشقَ رجلٌ غاضبٌ حجرًا بكلّ قوّتِه.
*طاخ.
قبلَ أن أتمكّنَ من منعِه، أصابَ الحجرُ رأسَ الرجلِ الذي نُعتَ بالشحاذ.
في تلك اللّحظة، تسمّرتُ في مكاني من الصدمةِ وغطّيتُ فمي بيدي.
‘… لقد فُضحنا.’
حافظتُ على مسافةٍ آمنةٍ لأنّ الأمرَ خطير، وتفحّصتُ مظهرَ الرجلِ الذي أُصيبَ بالحجرِ بسرعة.
كان يرتدي خِرَقًا باليةً لا يرتديها أحدٌ حتّى لو أُعطيت له مجانًا، وينتعلُ حذاءً مصنوعًا من القشّ المنسوج.
ومع ذلك…
رغم الغبارِ المتراكمِ عليه، كان شعرهُ الأشقرُ الباهتُ يشعُّ ضياءً.
عيناهُ زرقاوان. بشرتُه بيضاءُ توحي بأنّه نشأَ في دلال.
ووجهُه يبدو كمن دخلَ لتوِّه سنَّ الرشد.
والأهمُّ من ذلك كلّه…
“لا تفعلوا هذا! لن أطلبَ خبزًا، لذا توقّفوا! لا يجبُ أن تضربوني! ستموتونَ جميعًا!”
حتّى ذلك التصريح…
“ستحدثُ أشياءُ مرعبة!”
تيقّنتُ أنّ ذلك الرجلَ الأشقرَ هو راتان، فركضتُ نحوهُ مـادّةً يدي.
“انتظروا! توقّفوا!”
ربّما يمكنني منعُ الأمرِ الآن.
“لا ترشقوا الحجارةااا!!”
لكنّ رشقَ الحجارةِ من قبل القرويّين الجهلاءِ استمرَّ بلا رحمة.
-طاخ. طاخ.
كان الرجلُ يحاولُ حمايةَ جسدِه بذرّاعيه قدرَ الإمكان.
“قلتُ لكم توقّفوا!!”
صرختُ بأعلى صوتي.
التفتَ إليَّ الرجالُ الذينَ بدوا ساذجينَ رغْمَ رشقِهم لشخصٍ بالحجارة.
“سيّدي! هل أنتَ بخير؟”
رفعَ الرجلُ الأشقرُ رأسَه بصعوبةٍ ونظرَ إليّ.
-تريب.
نزفَ الدمُ من رأسِه المشقوق.
‘لا…’
صمت.
سكون.
سـالَ التوتّرُ كالعرق.
‘هل… هل هو بخير؟ لم يحدث شيءٌ بعد؟ هل جرحٌ كهذا لا يهمّ؟’
… وما إن فكّرتُ بذلك، حتّى مالت رقبةُ الرجلِ الأشقرِ الذي كان يحدّقُ فيّ بحدّةٍ نحو اليمينِ بزاويةِ 90 درجة.
طق.
طقطقة.
وبدأت… مفاصلُ جسدِه تلتوي بشكلٍ غريبٍ ومخيف.
“هاه، يا لها من حياة…”
التوقيتُ سيّئٌ حقًّا.
لو أنّني وصلتُ أبكرَ بقليل…
“مـ-ما هذا؟ ما خطبُ ذلك الرجل؟”
“مـ- مقزّز!”
صرختُ في وجوه الرجال الذين تسبّبوا في الكارثةِ وبدا عليهم الخوف.
“لقد أخبرتُكم ألّا ترشقوا الحجارة! لماذا تثيرونَ جلبةً وترشقونَ إنسانًا بالحجارة!”
ثمّ التفتُّ وهربتُ فورًا.
اتّسعت عينا رايان وريڤان اللّذينِ كانا خلفي… أو بالأحرى، كانا ينظرانِ إلى راتان الذي يقفُ وراءَ ظهري.
فُتحت أفواهُ الرجلينِ على مِصراعيها وهما ينظرانِ للأعلى نحو الوحشِ الذي تضخّمَ كثيرًا… كأنّ فكوكَهما ستسقط.
بعد أن احتميتُ بجانبهما، التفتُّ أنا أيضًا.
‘واو، يا للهول…’
إنّ جسدَ راتان المرعبَ لم يكن ليُختصرَ في ذلك الرسمِ البسيطِ على ملصقِ المطلوبين.
كان ضخمًا لدرجةِ أنّك تحتاجُ لإمالةِ رقبتِكَ كثيرًا لترى رأسَه، ويبدو طولُه 5 أمتارٍ على الأقل، وجسدُه مغطًّى بجلدٍ بنفسجيٍّ عضليّ.
أطرافُه غليظةٌ بقدرِ جذعِه، وتنتهي بمخالبَ حادّة…
وأخيرًا، وباستخدامِ تعبيرِ رايان المفضّل، إنّه ‘مرعبٌ جدًّا’.
حقًّا. انظروا إلى ذيْنِك القرنيْنِ الثقيليْنِ على رأسِه.
أجل، هذه هي هويّةُ راتان الحقيقيّة.
إنّه ‘شيطانُ استحواذ’ يختبئُ عادةً متطفّلًا داخلَ جسدِ المضيف، ويظهرُ عندما يُصابُ المضيفُ بجروحٍ تتجاوزُ حدًّا معيّنًا.
-أوه! لقد مرَّ وقتٌ طويلٌ منذُ أن كنتُ في الخارج. لقد جعتُ، وهناك أشياءٌ لذيذةٌ متجمّعةٌ هنا.
تحدّثَ راتان بصوتٍ يبعثُ القشعريرةَ كأنّه يحكُّ الأذنيْن، ثمّ اختطفَ أحدَ الرجالِ بيدهِ بلمحةِ بصر.
“آاااك! آاااك!”
عندما رأيتُ ذلك، أدركتُ أخيرًا.
لماذا ظهرَ راتان في غينتز وعاثَ فسادًا قبل العودةِ بالزمن.
‘لقد كان أولئك الرجالُ يجنونَ ثمارَ أفعالِهم…’
لعقَ راتان شفتيْه وسحبَ الرجلَ الذي كان يتخبّطُ بين يديهِ بالقربِ منه.
و…
فتحَ فكَّه الواسعَ كالفجوةِ…
‘أوه، لا يمكنني المشاهدة.’
أغمضتُ عينيَّ بقوّة.
<عين المرآة – قصيدة التراجع>
“لقد وُضعَ الطعام.”
مجدّدًا، في المطعمِ قبلَ تناولِ الطعام.
ومجدّدًا، معدتُي فارغة…
“توقّفوا!”
نظرَ إليَّ رايان وريڤان اللّذانِ أمسكا بأدواتِ المائدةِ لتوّهِما بحيرة.
تفحّصتُ الطاولةَ بسرعة، وأخذتُ رغيفَ خبزٍ طازجًا وهشًّا ونهضتُ فجأة.
“تـناولا طعامكما أوّلاً! سأخرجُ لبرهةٍ وأعود!”
ثمّ ركضتُ خارجَ المطعمِ أسرعَ من أيِّ شخصٍ آخر.
* * *
كان الأميرُ مارشين، البالغُ من العمرِ 17 عامًا، هو الوريثَ الشرعيَّ لمملكةِ فارنيري.
تقعُ مملكةُ فارنيري في أقصى جنوبِ القارّة، وكانت بلدًا مسالمًا يتمتّعُ بطقسٍ دافئٍ وأرضٍ خصبة.
تحتَ حكمِ زوجينِ ملكيّينِ صالحينِ وعادلين، كانت ضحكاتُ وفرحُ أهلِ المملكةِ لا تنقطع.
كان الأميرُ مارشين سعيدًا.
المملكةُ الجميلةُ التي سيحكمُها عمّا قريب، والداه الحنـونان، أختُه الصغرى الجميلة، وشعبُ المملكةِ الطيّبُ والمخلص…
ولكن في أحدِ الأيام.
حلّتِ البلوى بهذه المملكةِ المسالمةِ دونَ سابقِ إنذار.
-هاهاها! البشرُ ضعفاءُ بلا حدود!
جحيمٌ مطلق.
ظهرت وحوشٌ ذاتُ أشكالٍ مريعةٍ فجأةً من تحتِ الأرض.
تحتَ قيادةِ وحشٍ ذي قرونٍ وجلدٍ بنفسجيّ، بدأوا بإيذاءِ الناسِ وتحويلِ الأرضِ إلى رماد.
حاولَ مارشين الهرب مع والديهِ وأختِه الصغرى…
‘يجبُ أن أحميَ عائلتي.’
كانت تلك هي نهايةُ ذاكرتِه في ذلك اليوم.
* * *
عندما فتحَ عينيهِ مرّةً أخرى.
“……؟”
كان مارشين مستلقيًا في مكانٍ غريب.
“و- والداي! هل جلالةُ الملكِ والملكةُ بخير! أ- أختي! الأميرة!”
أمسكَ بالمارّةِ وسألهم دون تمييز.
ماذا عن فارنيري التي هاجمتها الوحوش؟
ماذا حدثَ لوالديَّ وأختي؟
“هل هو مجنون…”
“فارنيري؟ لماذا تبحثُ عن تلك الأرضِ الملعونةِ المشؤومة؟”
عُوملَ كأنّه مجنون. وبعد أن أمسكَ بعددٍ آخرَ من الناسِ وسألهم، أدركَ مارشين هذا الموقفَ الذي لا يُصدّق.
السنةُ 933 حسبَ التقويمِ الإمبراطوريّ…
لقد مرّت 600 عام.
بدا الأمرُ وكأنّ الجميعَ يخدعُه.
لا أحدَ يتذكّرُ مارشين، ومملكةُ فارنيري قد استُوعبت كأرضٍ إمبراطوريّةٍ تابعةٍ لفالنسييه، وأصبحت تُسمّى ‘الأرضَ الملعونة’.
وبالطبع، لم يستطع معرفةَ مصيرِ والديهِ وأختِه.
لا، إذا كان قد مرَّ 600 عامٍ حقًّا، فحتّى لو لم يقتلهم الهجومُ في ذلك اليوم، فلن يكونوا من أحياءَ الآن.
ولكنْ لماذا أنا على قيدِ الحياة؟
لماذا أنا الوحيدُ الحيّ؟
بعمرِ 17 عامًا. تمامًا كما كنتُ في ذلك اليوم…
لم يستطع مارشين اكتشافَ أيِّ شيءٍ من ذاكرتِه التي انقطعت فجأةً أثناءَ هروبِه.
سارَ دونَ هدى.
‘يجبُ أن أعودَ إلى فارنيري. أجل، الجميعُ يسخرُ منّي فقط. سأعودُ للمنزل… لأرى إن كان أهلي أحياء، وإن كان شعبُ المملكةِ بخير، بعينيَّ هاتين…’
‘لن أصدّقَ أبدًا… حتّى أتأكّد…’
كان العالمُ الذي قُذفَ فيه الأميرُ الذي نشأَ مكرّمًا طوالَ حياته، وحيدًا وبلا شيء، عالمًا مروعًا.
لم يعامل أحدٌ مارشين بتقديرٍ أو كرامة.
ومع ذلك، لم يفقد وقارَ ونبلَ العائلةِ المالكة. لم يتسوّل حتّى وهو جائع، ولم يطلبِ المساعدةَ من الأحصنة حتّى لو تورّمت قدماه.
شربَ مياهَ المطرِ وأكلَ العشبَ وثمارَ الأشجارِ وسارَ على قدميه.
إلى الجنوب، إلى الجنوب.
نحو فارنيري…
في أحدِ الأيامِ وبعدَ أن تاهَ في الجبالِ لمدّةِ شهرٍ تقريبًا، اكتشفَ قريةً وراءها.
“آخ!”
من فرطِ فرحتِه برؤيةِ أثرٍ للبشر، تعثّرت قدما مارشين.
تـدحرجَ جسدُه واصطدمَ هنا وهناك و شعرَ بكسورٍ في عظامِه.
وبوخزِ جذورِ الأشجارِ الحادّة. وبدا أنّ رأسَه الذي اصطدمَ بصخرةٍ قد انشقّ.
‘أنا… سأموت…’
في اللّحظةِ التي فقدَ فيها وعيَه.
فتحَ مارشين عينيْه.
كان في مكانٍ غريبٍ آخر. لم يمتلكْ أيَّ ذاكرة، وكان جسدُه الذي أُصيبَ بجروحٍ مميتةٍ سليمًا تمامًا.
لكنّه حلمَ حلمًا.
حلمًا مزعجًا للغاية.
في الحلم، أصبحَ مارشين وحشًا.
وقتلَ وافترسَ الناسَ في تلك القريةِ التي اكتشفَها قبلَ أن يفقدَ وعيه.
لقد كان حلمًا مروّعًا.
التعليقات لهذا الفصل " 41"