هي مقاطعة تقع عند المصبّ السفليّ لنهر روند الذي يقطع خاصرة القارّة.
تمتلك سهولًا واسعة وخصبة، ومنابع مياه تنحدر من الجبال الواقعة داخل حدودها.
إضافة إلى ميزتها الجغرافية كمنطقة قريبة من المدن الساحلية.
كان من الطبيعيّ أن تكون مكانًا مأهولًا بالسكان.
بل إنّ قول ذلك وحده لا يفيها حقّها.
لا بدّ أنّها كانت مكانًا رائعًا للعيش.
‘إلى أن ظهرت الأرض الملعونة خلف الغابة مباشرة…’
“ألن تخرج الوحوش من هناك؟”
ارتجف ريڤان وهو ينظر إلى بقايا القرية التي تحوّلت إلى أنقاض.
نوافذ محطّمة، أسقف منهارة، وأسيجة مدمّرة… لم يبقَ الآن سوى آثار موحشة تدلّ على أنّ بشرًا عاشوا هنا يومًا.
أرض ميّتة.
لكن بالنسبة لهذا الرجل الذي يسير أمامي بكلّ سعادة، رايان، فهي المسكن المثاليّ.
بشر؟ لا يوجد.
حيواناتٌ برية؟ يُتوقّع أن توجد بكثرة.
وحوش سحرية؟ تظهر بشكل دوريّ.
‘لأنّها المكان الأنسب للاختباء وصقل القوى الخارقة.’
أكاد أجزم أنّ رايان، فور خروجه من السجن وتسلّمه هذه الأرض، كان يتذمّر في الظاهر بينما يصرخ فرحًا في داخله.
“وجدته! منزلنا السعيد!”
حينها، صاح رايان بابتهاج بعد أن عثر على قصر مكوّن من ثلاثة طوابق، بينما كان يتفحّص طرق القرية القديمة التي لم يعد فيها أثر حتّى للجرذان.
“…ستخرج منه الأشباح.”
كان هذا تعليق ريڤان البسيط.
وأنا أوافقه الرأي.
لا بدّ أنّه كان منزل شخص بمقام حاكم المقاطعة في زمن بعيد.
فرغم حالته، هو أفضل بكثير من بيوت السكّان ذات الطابق الواحد المحطّمة والمنهارة…
قاق- قاق-
تزامنت نظرتي إلى القصر مع صوت غراب مشؤوم ارتفع في توقيت مثاليّ.
‘قصر مسكون…؟’
الأبواب مخلوعة. نوافذ العليّة في القمّة اختفت تمامًا، والجدران الحجريّة التي تبدو في حاجة ماسّة للترميم كانت متصدّعة في أماكن متفرّقة ومغطّاة باللبلاب.
“ما رأيكِ؟ أليس رائعًا؟”
لكن يبدو أنّ رايان كان راضيًا تمامًا.
عندما دخلنا… لم يكن الداخل سيّئًا للغاية. باستثناء الأثاث القديم والأواني المهملة التي تراكم عليها الغبار، ممّا أعطى شعورًا بالقليل من الوحشة.
“لنبدأ بالتنظيف أوّلًا.”
قال ريڤان بجدّيّة وهو يخرج أدوات التنظيف.
* * *
كان الرجلان متمرّسين في الأعمال الشاقّة.
-تشاك، تشاك، تشاك!
“افتح النوافذ أوّلًا!”
بينما أحضر رايان دلوين ممتلئين بالماء، قام ريڤان بجمع كلّ ما يجب التخلص منه في كومة واحدة بالخارج.
وبعد تقسيم مناطق التنظيف، أمسك كلّ منهما بمنفضة غبار، وممسحة، ومكنسة.
لم تكن هناك أيّ ثغرة في تحرّكاتهما.
‘لقد أدركتُ ذلك منذ أن رأيتهما يرتّبان أغطية السفينة بدقّة…’
لقد كانا يتصرّفان كرجلين قضيا سنوات طويلة في السجن وتعلّما الانضباط.
وبينما كنتُ أشاهد القصر وهو ينظف ويصبح لامعًا، أدركتُ أخيرًا كم كنتُ محظوظة في حياتي السابقة، وكم تمتّعتُ بأشياء كثيرة دون عناء.
هذا هو الواقع.
المنزل سيبقى متّسخًا ما لم أنظّفه بيدي.
لا توجد خادمة لتغسلني، ولا طباخ ليعدّ الطعام.
وإن لم أكسب المال، فسأجوع.
كان أمرًا بديهيًّا للغاية، لكنّني لم أكن قد استوعبته تمامًا بعد.
“كيف تشعرين وقد تحوّلتِ من أميرة إلى خادمة بين ليلة وضحاها؟”
سأل رايان بتهكّم وهو يمسح الأرضية.
“ليس سيّئًا. رؤية المكان وهو يصبح نظيفًا تشعرني بالفخر.”
أجبتُ ببساطة بينما كنتُ أقف على سلّم صغير وأنفض الغبار عن النافذة.
“إذا انتهيتِ هناك فاستريحي. سأكمل أنا الباقي.”
قال رايان وهو يعصر الممسحة في الدلو.
‘هممم.’
رغم أنّه سقط في الهاوية بين ليلة وضحاها، إلّا أنّ رايان لا بدّ أنّه عاش أيامًا كالأمراء أيضًا.
ألم يكن يرغب في العودة؟
بامتلاكه تلك القدرة الخارقة المذهلة…
لا بدّ أنّه كان يعلم أنّه يستطيع العيش برفاهية لو غضّ الطرف وأصمّ أذنيه، لكنّه رجلٌ يضحي براحته الشخصية من أجل قضية كبرى.
‘من الغريب أن يخرج ابنٌ كهذا من تحت يد ذلك الأب.’
على أيّ حال، قرّرتُ في حياتي الثانية أن أعيش هكذا أيضًا.
لكنّني في الوقت نفسه، لا أريد التخلّي عن حياة الرغد (بمال والدي) والمنزل الفاخر (بمال والدي) وخدمة التابعين (التابعين لوالدي).
سأكونُ أميرةً هذه المرّة أيضًا.
لكن بجهدي الخاصّ.
ومن خلال نجاحٍ لا تشوبه شائبة.
لكن قبل ذلك…
“أبي، ألم يكن هناك شيء تمنيتَ فعله بمجرد خروجك؟”
“ماذا؟”
التفت رايان نحوي وهو يمسح إطار النافذة.
“بعيدًا عن الانتقام. لقد أصبحتَ الآن حرًّا. مكان تودّ زيارته، أو طعام تودّ تجربة مذاقه.”
في الحياة الأولى، من المؤكّد أنّ رايان لم يمنح نفسه قسطًا من الراحة حتّى بعد انتهاء سنوات سجنه الاثنتي عشرة، بل انشغل بالتحضير للانتقام.
والآن أيضًا، لا بدّ أنّ تفكيره منصبٌّ بالكامل على حرق شبابه في سبيل الثأر.
“أو ربما شيء تودّ امتلاكه؟ أخبرني بأيّ شيء ترغب في القيام به!”
أردتُ أن أفتح لرايان متنفّسًا. كي لا يقضي حياته غارقًا في الانتقام وحده…
“ممم.”
قطّب رايان حاجبيه وفكّر مليًّا في سؤالي المفاجئ.
ثمّ قال بعد لحظاتٍ من التفكير: “ربما الوقوع بالحبِّ و الارتباط بمرأة؟”
“…؟؟”
زَلّت قدمي.
“يا!”
كِدتُ أسقط لولا أنّ رايان أمسك بي بسرعة وخفّة.
“انظري إلى مهاراتكِ البدنيّة. ألا تستطيعين التوازن حتّى فوق هذا السلّم القصير؟”
التعليقات لهذا الفصل " 21"