5
الفصل 5
عند النظر إلى القلعة عن قرب، كان الرخام الأسود يلمع بسطوعٍ أملس، فلم تبدو كئيبة كما كانت من بعيد.
نزل أوركا من العربة بخفة، وأمسك بالباب من أجلها.
“إيشا، انتبهي للدرج.هل أمسك بيدك؟”
“لا.أشعر بالقشعريرة.”
كنت أقطّب وجهي من شدّة الاستياء بسبب ما تعرّضت له قبل لحظات.
لكن أوركا، وكأن شيئًا أعجبه، زاد الأمر وهو يضحك ابتسامةً واسعة.
“إذًا، هل أحملك؟”
“ذ، ذلك أسوأ.ما بك؟”
“نحن زوجان، أليس كذلك؟علينا أن نتصرّف كزوجين.”
“أيّ زوجين!”
رفعتُ ذقني لأردّ عليه، لكنني في تلك اللحظة التقيتُ بنظرةٍ تراقبنا من إحدى نوافذ القلعة العالية.
كانت المسافة بعيدة فلا يمكن تمييز ملامحها بدقة، لكن من الشعر المائل إلى الشيب بدا واضحًا أنها امرأة مسنّة.
‘هل يمكن أن تكون… جدّة أوركا؟’
كانت العجوز تنظر إلينا، ثم استدارت فجأة واختفت من عند النافذة.
‘يبدو أنها غير راضية إطلاقًا.’
“إيشا، هيا.”
نظرتُ إلى وجه أوركا المشرق كوجه طفلٍ متحمّس، وتمتمتُ في داخلي.
‘أنا فقط أريد أن أستعير قليلًا من ثروة صديق الطفولة، أعيش براحة، ثم أقول وداعًا وأرحل، هذا كلّ ما في الأمر!’
بمساعدة أوركا نزلتُ من العربة، ووقفتُ أمام مدخل القلعة الضخم.
وعلى جانبي الباب الأسود، وُضعت تماثيل حجرية سوداء غريبة، كلّ واحدٍ منها يُصوّر حوتًا قاتلًا ينهش ساق كراكن.
“أوخ، مخيف.”
“الحوت القاتل هو رمز عائلتنا.أليس رائعًا؟”
تبًّا، لا يجوز إهانة عائلة صديق.مفترس البحر الأعلى كرمز للعائلة، هذا يناسب آل ريموند تمامًا.
“أفهم الآن.إنه مهيب فعلًا.”
قلتُ ذلك بصوتٍ عالٍ صادق.
فالتفت أوركا جانبًا وارتجف كتفاه.وحين رمقته بنظرة حادّة، سعل متصنّعًا واستقام في وقفته.
“إيشا، لم تجرّبي لحم الكراكن من قبل، أليس كذلك؟”[هو وحش بحري خرافي ضخم، يشبه رأسيات الأرجل (كالحبار والأخطبوط)، ويُقال إنه يسكن سواحل النرويج.]
“وهل يُؤكل أصلًا؟”
“طعمه لذيذ على غير المتوقع.إن وُضع على المائدة، اعتبريه أخطبوطًا وكليه.
إذا أردتِ أن تتركي انطباعًا حسنًا لدى الكبار، عليكِ أن تأكلي كلّ شيءٍ بشهية.”
“!”
أليس هناك فرق بين الأخطبوط والكراكن؟
مجرد التفكير جعل معدتي تنقلب.
ارتجفت زاوية فم أوركا.
“كنتُ أمزح هذه المرّة.”
“يا!”
ضحك أوركا بجنون،واندفع راكضًا إلى داخل المبنى.
أوه؟عاد إلى بيته فظنّ نفسه قد كبر كثيرًا.
اندفعتُ خلف أوركا الهارب، لكنني ما إن دخلت حتى توقّفت فجأة.
“مرحبًا بعودتك، سيدي الدوق الصغير!”
دوّى صوت التحية في أذني.اصطفّ عشرات الخدم ذوي البُنية الضخمة على الجانبين، وانحنوا بزاوية تسعين درجة.
“مرحبًا بك، آنسة!”
كان بينهم من يحمل ندوبًا على وجهه، ومن له عين واحدة، ومن كثّ اللحية،
ولم يبدو أيٌّ منهم كخادمٍ عادي.
تذكّرتُ ما ذُكر في العمل الأصلي من خدم في البحرية يصبح خادمًا أو خادمة في بيت ريموند،ومن كان قرصانًا ثم تاب، يعمل خادمًا أو خادمة.
ويبدو أن ذلك كان صحيحًا.
“انها عروسي.اعتنوا بها جيدًا.”
“أجل!بكل تأكيد!”
ارتفع الصوت الخشن كالرعد في أرجاء الردهة.
ابتلعتُ ريقي من التوتر، ونقلتُ بصري إلى داخل القلعة.
“واو.”
كان الداخل يتلألأ بذهبٍ ساطع.
السقف عالٍ إلى حدٍّ يلوّي الرقبة،وقد رُسمت عليه لوحات زيتية للحيتان وكائنات البحر،أما الجدران فبدت كأنها مطلية بذهبٍ مصهور، لما فيها من بريق.
حتى الزخارف المعلّقة على الجدران كانت كلّها ذهبية.
“إنه مبهر.”
كم قد يساوي لو اقتُلع وبِيع؟لا بدّ أنه ثمنٌ خرافي.
كان أرض الردهة مرصوفًا ببلاط ذي نقشةٍ متناوبة من الرخام الأبيض والأسود، كرقعة الشطرنج.
وأضفت المقاعد الوثيرة ذات اللون الكوبالتي، المشابه للون البحر، لمسةً جمالية،وزُيّن المكان بالزهور الطبيعية،
فبدت القلعة من الداخل مختلفة تمامًا عن مظهرها الخارجي القاتم.
وسط هذا الاحتفال الذهبي الذي يشبه جزيرة كنز،لم أستطع استعادة وعيي، وبقيت أحدّق بفمي المفتوح.
“إيشا، ستشاهدين هذا كلّ يوم من الآن فصاعدًا،كفى تحديقًا، ستؤذين رقبتك.”
قال أوركا وهو يشدّ خدي بإصبعيه كأنه عجينة أرز.
“أنتَ من يجب أن يتوقّف.هل هذه طريقةُ من يقلق؟”
“خدّك ناعم جدًا.يشعرني بالراحة.”
هذا الوغد!
“خدي يؤلمني.أفلتني.”
أتظنّني سأقف مكتوفة الأيدي؟مددتُ يدي بدوري، وشددتُ خدّ أوركا بقوة.
“أوه، مهلاً…”
ولِمَ لا؟اقتربتُ منه أكثر وتحدّثت.
“أوركا، هذا انتقام!”
وفجأة، ترك أوركا خدي.
فقدتُ توازني في اللحظة التالية، وسقطتُ مباشرةً في حضنه.
“…هاه؟”
“قلتُ لكِ إن هذا لا يجوز.”
ارتفع أحد جانبي فمه بابتسامةٍ ناعمة.
رمشتُ بدهشة.
‘ما الذي كان ذلك؟’
ربما فوجئتُ بتعبيرٍ لم أره منه من قبل.
وحين فتحتُ عيني مجددًا، كان أوركا ينظر إليّ بوجهه البريء المعتاد.
‘غريب.كنتُ متأكدة أنه ابتسم.’
حتى تلك الابتسامة التي رأيتها في العربة،
ظننتُها وهمًا من شدّة النعاس…
وبينما كنتُ أضيّق عينيّ وأتأمّله،
“سيدي الدوق الصغير.”
“آه، سيمون.”
تقدّم إلينا كبير الخدم الذي رافقنا من ويل إلى بلاك بيرل.
“تأمركما السيدة الكبرى بالتوجّه إلى قاعة الطعام.”
“حقًا؟”
اختفى التعبير الطفولي من وجه أوركا، وحلّ محلّه توتّرٌ خفيف.
“إيشا.يبدو أن جدّتي تريد اختبارك فورًا.”
“ماذا؟”
اختبار؟
كأنها تقول سأطردكِ حالًا.
لا يمكنني أن أُطرد منذ اليوم الأوّل.
حتى لو كنتُ أخطّط للطلاق لاحقًا،
لا أريد أن أحزم أمتعتي غدًا مباشرة.
“حسنًا.وأنا جائعة أيضًا.علينا أن نحيّي كبار العائلة كما ينبغي.”
“هل أنتِ واثقة؟قد يكون في الطعام سمّ.”
قالها أوركا بوجهٍ هادئ.
“سمّ؟”
يا له من تطوّرٍ يليق بعائلة تصطاد القراصنة.
لكن الأكثر غرابة، كان هدوء أوركا.
كيف ربّوا طفلًا في هذا البيت؟
“لا تقلقي.سأتذوّق الطعام قبلكِ.لقد درّبوني منذ الصغر على مقاومة السموم.”
“آه.”
لا بدّ أن نظرتي كانت مشفقة،فقد هزّ أوركا كتفيه كأن الأمر لا يعنيه.
“أتعاطاه بكمياتٍ صغيرة على مدى طويل،
لذا لا خطر على حياتي.لا بأس.”
“وأين اللابأس في ذلك؟”
عائلة ريموند مخيفة،يُطعمون الأطفال سمًّا لينشؤوا أقوياء.
“حقًا، لا بأس.”
نظر إليّ بعينين صافيتين لامعتين، فأُصبتُ بالعجز.
لذلك لم يكن أوركا متشبّثًا بهذا البيت،
وكان يعيش في قرية ويل النائية ويلهو معي.
هذا الفتى اللطيف،كم كان هذا البيت قاسيًا عليه حتى هرب؟
“أيها الأحمق،أنا لا أشكّ بك.حتى لو كانت لديك مقاومة، فالسمّ مضرّ للجسم.
عليك أن تحافظ على نفسك.”
“آه… إيشا.”
عجز أوركا عن الكلام،واهتزّت عيناه الزرقاوان بخفّة.
‘كم لا بدّ أنه كان خائفًا.’
منذ الصغر كان جبانًا،يبكي ويبحث عني إن غبتُ عنه.
حتى في ويل، كان يعود من مسقط رأسه ليبحث عني أوّلًا.
إن لم يرني، يقلق.
لا بدّ أنهم أخضعوه لتدريباتٍ قاسية في هذا البيت.
وليس السمّ وحده.
‘مسكين.’
أمسكتُ بيده.
ارتجف قليلًا، وكأن خوفه انتقل إليّ.
“لديّ خطّة.لذا لا تقلق.”
فقدرتي على التطهير تجعل السموم البشرية بلا أثر عليّ.
توقّعتُ أن يسألني عن المقصود،
لكنه اكتفى بهزّ رأسه.
وفجأة، شعرتُ بأن يده أكبر من يدي،
وأدفأ منها.
“يدك دافئة جدًا.كانوا يقولون إن اليد الدافئة دليل صحة.أنتَ بصحّة جيّدة، أليس كذلك؟”
“…هاه؟نعم.”
وهكذا دخلتُ قاعة طعام الدوقية مع أوركا،وقد احمرّ وجهه تمامًا.
كانت امرأةٌ مسنّة بشعرٍ أسود شابته خصلات بيضاء تجلس وحدها إلى طاولةٍ دائرية ضخمة.
‘كما توقّعت.إنها الجدة التي التقت عيناي بعينيها عند النافذة!’
رفعت نظرها نحونا بعد أن كانت ساكنة كتمثال.
“أوركا إياسي ريموند.”
كان صوتها يشبه زئير لبؤة.
عن قرب، بدت السيدة الكبرى أصغر ممّا توقّعت.
شعرها المرفوع بإحكام، كذيل حصانٍ بري،
لا بدّ أنه كان أسود كالأبنوس في شبابها.
لم يكن ظهرها منحنِيًا، بل كانت أكثر استقامة من الشباب،وترتدي بنطالًا جلديًا أسود مع بلوزة بيضاء،لا فستانًا تقليديًا لسيدات النبلاء.
‘بنطال جلدي مع بلوزة بيضاء…جدّة أنيقة حقًا.’
لكنها لم تكن ترتدي المعطف الأحمر الذي قيل في الرواية إن السيدة الكبرى تحبّه.
في تلك اللحظة،وجّهت إليّ نظرةً بعينين حمراوين كالغروب،ثم صرفت بصرها فورًا، والتفتت إلى أوركا.
“أهذه هي؟الفتاة التي تحدّثت عنها؟”
“نعم، جدّتي.عدنا.”
“قلتُ إنني سأتكفّل باختيار عروسك.”
“لا داعي لإتعاب نفسكِ.لقد جلبتُ بنفسي زوجةً تفوق التوقّعات.”
“إذًا قمتُ بعملٍ بلا فائدة.”
“أشكركِ لأنكِ قلتِ ما كنتُ أنوي قوله.”
عندها عبست السيدة الكبرى.
‘هذه أوّل مرّة أرى أوركا يتحدّث بسخرية.’
من الواضح أن علاقتهما لم تكن جيّدة.
الجوّ كان متجمّدًا.
‘ومع ذلك، لن أتراجع!لديّ سنوات من الخبرة في روايات الفانتازيا الرومانسية!’
استجمعتُ شجاعتي، وأمسكتُ بطرف فستاني، وانحنيتُ قليلًا.
“سيّدتي الكبرى، تشرفتُ بلقائك.اسمي إيشا.”
مرّت عيناها الحمراوان ببطء من رأسي حتى قدمي،ثم فتحت فمها المتجعّد أخيرًا.
“تبدين كحبلٍ يابسٍ ذابل.لو أصابكِ دوار البحر وسقطتِ من السفينة،لصرتِ طعامًا لسمك القرش في لحظة.”
ترجمة:لونا
التعليقات لهذا الفصل " 5"