كان هناك الكثير من النقاط المشبوهة حول تصديق ادعاءات الفيكونت راسل بشكلٍ أعمى.
ومن ناحية أخرى، لم أستطع أن أجزم أن الإمبراطور لم يكن متورطًا أيضًا. لم يكن هناك دليل لإثبات أي من الطرفين.
بعد بعض التردد، تكلمت أخيرًا
“الفيكونت راسل قال إنه تصرّف بناءً على أوامر جلالته، ولكن…”
بدا تعبير إميليان يزداد برودة، فبادرت على عجل قائلة
“لكن لا أعتقد أن جلالته قد يُصدر أمرًا كهذا.”
“ما الذي يجعلكِ تظنين أن الإمبراطور غير متورط؟”
“لا يوجد… أي دليل.”
في الحقيقة، كان استدلالي الأساسي قائمًا على حقيقة أن الإمبراطور في القصة الأصلية كان أحد حلفاء إميليان—وليس الشرير.
لم أكن قد قرأت الرواية حتى نهايتها، لذلك لم أعرف من هو العقل المدبر الحقيقي، لكنني شككت في احتمال أن تكون هناك “حبكة مفاجئة” يظهر فيها أن الإمبراطور وراء كل شيء. لم تكن هناك أي تلميحات أو تمهيد لذلك في النص الأصلي.
‘وربما… كان هذا الحادث مدبرًا من العقل المدبر الحقيقي.’
لكن لم يكن هناك أي وسيلة لأشرح لإميليان سياق الرواية.
“لا أستطيع أن أقدّم لك شرحًا مفصلًا، لكنني متأكدة أن جلالته ليس مسؤولًا. أظن أن الجانى الحقيقي الذي أمر راسل هو شخص آخر تمامًا.”
“هذا… حدسُكِ؟”
“نعم.”
أومأت بإلحاح، زفر إميليان ببطء. مرّر يده على وجهه وقال
“في الوقت الحالي… غدًا سأذهب لمقابلة الفيكونت راسل.”
“وماذا ستفعل عندما تلتقي به؟”
“سأستجوبه وأتأكد إن كان صحيحًا أنه تصرّف بأوامر الإمبراطور.”
حين سمعت عزيمة إميليان—وإيحاءه بأنه سيُخرج الحقيقة من راسل ولو بالدم—تدخلت بحذر
“لكن… إنه سكرتير الإمبراطور. هل أنت متأكد أن هذا مناسب؟”
“أنيس.”
كنت قلقة من أن يتفاقم الوضع، مما يمنح فصيل النبلاء ذريعة لاستهداف إميليان.
فبينما كان كثير من النبلاء يسعون لاستمالة المتعالي إلى جانبهم، لم يكن للجميع نفس الموقف. ولو تجاوز إميليان القانون وتعامل مع راسل شخصيًا، فقد يستغلون الأمر ضده.
لكن إميليان تكلّم بصوت بارد
“إنني أمارس قدرًا كبيرًا من ضبط النفس بعدم قتلي للفيكونت راسل في الحال.”
كان صوته لاذعًا، ونظراته حادة كالسيف، تألقت في عينيه نية قتل بالكاد مكبوحة.
أخذ نفسًا عميقًا لتهدئة العاصفة التي تعصف بداخله، ثم قال
“الآن فقط ارتاحي يا أنيس…. لقد تأخر الوقت.”
“آه، حسنًا…”
لقد تجاوزت الساعة منتصف الليل بكثير، وكنت مُنهكة تمامًا بعد كل ما مررت به في مخبأ قطاع الطرق.
عرض إميليان أن يرافقني إلى غرفتي.
وحين تمددت على سريري، سحب الغطاء ليغطني . رفعت نظرى إليه وقلت
“لابد أنك متعب بسببي. اذهب أنت لتحصل على قسط من النوم أيضاً.”
“حسنًا.”
ومع ذلك، رغم كلماته، جلس إميليان بجانب السرير ولم يتحرك.
هل كان ينتظر ليتأكد أنني غفوت قبل أن يغادر؟
‘لم يعد عليك أن تقلق عليّ بعد الان…’
شعرت بالامتنان والذنب معًا. أردت أن أحثه على الذهاب، لكن جفوني ازدادت ثِقلاً. بدأت ملامحه تتلاشى أمامي.
مقاومةً النعاس، همست له
“إميل، مهما حدث، أنا أثق بجلالته.”
لذلك، آمل أن تتمكن أنت أيضًا من الوثوق به.
لم يُجب إميليان. أو ربما أجاب، لكنني كنت قد ابتعدتُ كثيراً لأسمعه.
ظل صوته يتردد خافتًا في أذني قبل أن يتلاشى كل شيء في الظلام.
*****
مرّر إميليان يده برفق عبر شعر أنيس وهي نائمة.
كانت الفتاة ساكنة، غارقة في نومٍ عميق.
جلس إميليان يراقبها بصمت، بينما يغمر وجهها ضوء القمر الشاحب.
قلتِ إنك تثقين بالإمبراطور…
‘لكنني لا أستطيع أن أثق بأحد. لا بالإمبراطور، ولا بفينسنت.’
في هذا القصر، الشخص الوحيد الذي أثق به هو أنتِ يا أنيس.
لذلك…
ظل إميليان إلى جوار أنيس طوال الليل، حتى بزغ الفجر وحلّ الصباح.
*****
كان قصر الفيكونت راسل يقع في الحي الشرقي للعاصمة.
توقف إميليان أمام البوابة الحديدية.
أضاءت كرة مراقبة قرب المدخل، لتسجل ملامح وجهه.
بعد انتظار قصير، خرج أحد الخدم لاستقباله.
كان الوقت مبكرًا، والزيارة غير معلنة، مما ترك الخادم في ارتباكٍ واضح، لكنه أسرع باصطحاب إميليان إلى الداخل.
‘من بين كل الناس، لماذا كان يجب أن يكون الضيف هو المتعالي الوحيد في الإمبراطورية…’
كان الخادم قد سمع أن إميليان يُعامل في القصر الإمبراطوري باحترام يضاهي أفراد العائلة المالكة.
إرجاع شخص بمثل هذه المكانة الرفيعة دون استقبالٍ لائق كان أمرًا لا يتم التفكير فيه.
بالطبع، تلك وجهة نظر الخادم؛ أما الفيكونت راسل فقد لا يُقدّر إدخال ضيف غير مدعو، وربما ينفجر غضبًا.
ومع ذلك، كان قرار الخادم صائبًا. فلو رفضوا دخوله لكان إميليان مستعدًا لاقتحام المكان بالقوة.
“من فضلك انتظر هنا قليلًا.” قال الخادم وهو يقود إميليان إلى قاعة الاستقبال. ثم توجه مباشرةً إلى غرفة نوم الفيكونت.
طَرق طَرق.
طرق الخادم الباب بخفة مرتين، لكن لم يأتِ رد.
تفحّص ساعه الجيب الخاصة به.
‘لابد أنه استيقظ بحلول هذا الوقت. فلماذا لا يجيب؟’
تنحنح الخادم وقال عبر الباب
“فيكونت، المتعالي إميليان جاء لأمر عاجل. هل آذن له بالدخول؟”
مازال، لم يأتِ أي رد.
هل يمكن أن الفيكونت الدقيق قد غلبه النوم؟
لو تأخر عن موعده في القصر، فاللوم سيقع بلا شك على الخادم.
بعد لحظة من التردد، قرر الخادم المجازفة بقلّة اللياقة وفتح الباب.
صدر صوت فتح القفل بخفوت.
في تلك اللحظة، دوّى صراخ مخيف سمعه إميليان، الذي كان جالسًا على الأريكة في قاعة الاستقبال.
“آآآآآآه!”
صرخة حادة مروعة، وكأن أحدهم رأى شيئًا مرعبًا.
قفز إميليان وخرج مسرعًامن قاعة الاستقبال، مندفعًا نحو مصدر الصرخة.
حين وصل، وجد الخادم منهارًا أمام الباب المفتوح على مصراعيه، يرتجف بلا توقف.
تجاوز إميليان الخادم ودخل الغرفة—ثم تجمد مكانه.
كان يتدلّى من الثريا الضخمة في منتصف السقف رجلٌ.
حبل سميك ملتف بإحكام حول عنقه.
اتسعت عينا إميليان حين تعرّف على الوجه الخالي من الحياة.
‘الفيكونت راسل!’
قبضت يداه بقوة بجانبيه.
أن يحدث هذا مباشرة بعد عودة أنيس إلى القصر…
هل يمكن أن يكون مجرد انتحار بسيط؟ لا، الأرجح—
‘لقد سبقهم شخص ما.’
عضّ إميليان شفته.
عندها لمح شيئًا أسفل قدمي الفيكونت.
قطعه ورق مطوية.
انحنى إميليان والتقطها.
وفور أن فعل، دوّت خطوات مسرعة خلفه—الخدم الذين اندفعوا بعد سماع الصرخة.
التعليقات لهذا الفصل " 41"