ثيو، الذي كان يتشبث بعنقي بشدة، تحدث بين شهقاته.
“هل لديك أي فكرة عن مدى بحثنا عنكِ؟ لا، لم نكن نحن فقط. القصر كله كان في فوضى عارمة للعثور عليكِ!”
“ماذا؟ ماذا تعني…؟”
مرتبكة من هذا الاخبار غير المتوقعة، سألت مرة أخرى. فأجاب الدكتور هيرمان
“إميليان أخبر جلالة الإمبراطور عن اختفائكِ. وبأمر من الإمبراطور، قام الحراس بتفتيش كل ركن في القصر بحثًا عنكِ.”
“جلالته…؟”
“لقد استدعوا حتى الكهنة. لقد كانت فوضى كاملة.”
إن كان ما قاله الفيكونت راسل صحيحًا، فالإمبراطور هو الشخص الذي أمر باختطافي. ومع ذلك الآن ذلك الامبراطور نفسه اصدر أوامر بالبحث عني.
‘هناك شيء في هذا لا يبدو منطقيًا.’
وبينما كنت أفكر، جاءني صوت ثيو المليء بالدموع من فوقي
“على أي حال، أشعر بالارتياح الشديد. كنت مرعوبًا من أننا قد لا نراكِ مرة أخرى.”
عانق عنقي بقوة أكبر، وكأنه غير راغب في تركي.
ربّتُ على ظهره برفق وقلت: “كنت قلقًا إلى هذه الدرجة؟”
“بالطبع! أنت أصغر عضو في مختبرنا!”
شهق ثيو وهو يتشبث بي بشده.عندها نقر الدكتور هيرمان بلسانه وتقدم نحونا.
“ثيو، ستخنقها بهذا الشكل. دعها وشأنها!”
“آه، دكتور! لم أحصل بعد على وقت كافٍ للاحتفال بلقائنا مجددًا!”
“تسك، تمهل. أنيس ما زالت بحاجة للراحة.”
وبينما يقول ذلكةأمسك الدكتور ثيو من ياقة عنقه وسحبه بعيدًا.
وبينما كان يتذمر، ابتعد ثيو على مضض، وتقدم الدكتور هيرمان نحوي.
كان شعره، الذي اعتاد أن يكون مرتبًا دائمًا، مبعثرًا. هل ظل ساهرًا في القصر منتظراً عودتي؟
ارتفعت غصّة في حلقي عند التفكير بذلك.
رفعت رأسي إليه وبدأت اتحدث
“دكتور، أنا آسفة لأنني أقلقتك—”
لكنني لم أتمكن من إكمال عبارتى لأن دكتور هيرمان جذبنى برفق فى عناق.
“شكرًا لعودتك سالمة، أنيس.”
كان صوته مليئًا بالعاطفة.
أمام قلقه الطاغي، غمرتني مشاعري أنا أيضًا.
لبعض الوقت، ظل الدكتور يعانقني فى صمت.
ثم بدأ ثيو، الذي كان واقفًا بجوارنا وذراعاه متشابكتان، بالتذمر
“دكتور، إلى متى تخطط ان تبقى هكذا؟”
“فقط قليلاً بعد.”
“لا، لا يمكنك. أنيس ما زالت بحاجة للتعافي!”
“أنت قاسٍ للغاية يا ثيو.”
“لا أظنك في وضع يسمح لك بقول ذلك، دكتور.”
“همف.”
وبينما كان ثيو يضيّق عينيه،تركنى الدكتور على مضض.
بعد وقت قصير، جلسنا متقابلين على طاولة.
قال الدكتور، وهو يكسر الصمت “لقد مررت بتجربة مرعبة حقًا.”
“مجرد التفكير بأنك اختُطفت على يد قطاع الطرق”
وأضاف أنه علم بكل التفاصيل من إميليان.
أومأ ثيو، الجالس بجوارنا، برأسه موافقاً بحماسة.
قال ثيو وهو يرتجف بشكل درامي من أجل التأثير “مجرد التفكير في أنكِ انتهيتِ في وكر عصابة شهيرة بالاتجار بالبشر… آه، من المخيف مجرد تخيله.”
وأضاف “بصراحة، لو لم يكن بسبب القلادة التي أعطاكِ إياها إميليان، من يعلم ما قد كان سيحدث؟”
أمالتُ رأسي بفضول عند سماع كلماته، وأدخلت يدي في قميصي وأخرجت العقد.
“أم، ماذا عن هذه القلادة؟”
“هاه؟ ألا تعرفين بعد؟”
حين هززت رأسي، شرح ثيو
“هذه القلادة مشبعه بالقوة المقدسة للكاهن الأعظم. كما تعلمين، السحر والقوة المقدسة لهما موجات مميزة. استخدم إميليان أداة تعقب ليحدد مكانك بناءً على ذلك.”
“آه…”
مع شرح ثيو، حُلّ اللغز أخيرًا، وغمرتني موجة من المشاعر.
في النهاية، العقد الذي أعطاني إياه إميليان كان هو الشيء الذي أنقذ حياتي. هذا الإدراك جعلني أشعر بالتأثر بشكل غريب.
‘لكن…’
أين كان إميليان الآن؟
منذ أن استيقظت، لم أره، وهذه جعلت قلبي غير مطمئن.
حين سألت عن مكانه، أجاب الدكتور هيرمان
“آه، لقد أعدته إلى غرفته.”
وأضاف “كان مغطى تمامًا بدماء قطاع الطرق ورفض التزحزح عن جانبك.”
“أوه…”
“أخبرته أنك ستنزعجين على الأرجح لو رأيته بهذا الحال، وكان ذلك الشيء الوحيد الذي جعله يتحرك.”
إذن، هذا ما حدث.
يبدو أنه كان هناك نوع من الصراع قد وقع أثناء مغادرتهم لوكر قطاع الطرق.
طمأنني كلاهما بأن إميليان لم يُصب بأذى، فتنهدت بارتياح.
انتهى الحديث عند هذا، على الرغم من ان الاثنين بقيا في غرفتي لبعض الوقت، ليتأكدا من أنني بخير.
وحين تأخر الوقت، استعدا أخيرًا للمغادرة.
“لا تأتي إلى المختبر غدًا. ارتاحي جيدًا، مفهوم؟”
“نعم، أنيس. حتى انني سأعمل بجد إضافي من أجلك، لذا فانت مدينه لي بمكافأة لاحقًا، حسنا؟”
“سأفعل.” أجبت بابتسامة على تعليق ثيو المرح.
مع ذلك دكتور هيرمان نقر بلسانه وأعطى ثيو ضربة خفيفة على مؤخرة رأسه.
وبعد أن ودعت الزوجين المتشاجرين دائما عند الباب، بدلت ملابسي إلى ثياب النوم وجلست على حافة السرير.
كان الوقت متأخرًا، و ربما يجب عليّ أن أنام، لكن…
وجدت نفسي أفكر في إميليان.
لم أستطع التوقف عن التفكير في حقيقة أنه بقي إلى جانبي بلا حراك حتى استيقظت.
بعد تردد قصير، وقفت.
‘ربما عليّ أن أطمئن عليه قليلاً.’
*****
سبلاش.
ملأ صوت منعش الأجواء بينما انسكب تيار من الماء على رأس الصبى.
كان إميليان قد ملأ حوضًا صغيرًا بالماء وسكبه على جسده، تاركًا التيار البارد يتدفق عليه.
انزلق الماء الشفاف من رأسه، يغسل الدم الذي التصق بعناد بجسده.
تجمعت برك حمراء على أرضية الحمام واختفت مرارًا.
حتى بعد أن غسل كل الدم، استمر إميليان في فرك جسده بصابون معطّر.
بدت رائحه الدم المعدنيه باقيه، رافضه ان تتلاشى تماما.
بينما كان الماء يتساقط عليه، عادت أفكاره إلى ما حدث في وكر قطاع الطرق.
“لماذا اختطفتم أنيس؟ ما السبب؟”
“السبب؟ لا أعلم… أحد النبلاء باع الفتاة بثمن باهظ. نحن فقط أخذناها من هناك…”
“نَبيل؟ من كان؟”
“لا أعلم. بغض النظر عن عدد المرات التي تسال فيها…”
كان إميليان قد استجوب زعيم قطاع الطرق، لكن الرجل مات قبل أن يفصح عن أي اجابات.
‘من قد يفعل هذا؟ ولأي غرض؟’
مرر يده في شعره المبلل للخلف ثم أطلق نفساً عميقاً.
كان عليه أن يسأل أنيس حين تستيقظ، لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا، أيا كان من دبّر لختطافها لن ينجو.
تألقت عيناه الحمراء ببرودة مخيفة.
وفقط بعدما اختفت رائحة الدم أخيرًا، أنهى حمامه وخرج.
وبينما كان يجفف نفسه بعناية بمنشفة، كان هناك طرق على الباب.
وبعد لحظة، تبعها صوت مألوف
“إميل، إنه أنا. إن كنت ما زلت مستيقظًا… هل يمكنني الدخول للحظة؟”
أنيس؟
هل كان من المناسب لها أن تتحرك بالفعل؟ حتى وإن عالج الطبيب جراحها، لم يكن من الممكن أن تتعافى تمامًا بعد.
ومع ذلك، فإن ترك شخص مريض واقفًا في الخارج لفترة طويلة لم يكن خيارًا
أسرع إميليان إلى الباب وفتحه—
ناسيًا تمامًا أنه لم يكن يرتدي قميصاً.
*****
أمامى كان مشهدا لبشره شاحبه.
‘إ-إميل؟’
اتسعت عيناي في صدمة مفزوعة من المنظر المفاجئ.
كان إميليان واقفًا عند الباب، ملفوفًا بمنشفة كبيرة حول خصره.
كانت قطرات الماء تتساقط من شعره الأسود، الخارج تواً من الحمام.
‘لِم… لِم هو عارى؟’
بلا وعي رفعت يديّ على الفور لأغطي عينيّ وتلعثمت
“إم، إميل… ملابسك؟”
“هم؟”
عند تعليقي، بدا أن إميليان قدأدرك شيئا ما، فأطلق همهمة قصيرة: “آه.”
ثم، بنبرة عادية تمامًا، قال،”ادخلي أولاً.”
وبينما كنت القي نظره من خلال اصابعي للتحقق من محيطي، ترددت لفتره وجيزه قبل ان اتبعه الى الداخل.
“هل يمكنك أن تديري وجهك قليلًا؟” سألني وهو يخرج ملابس من خزانته.
“ح-حسنًا.” أجبته بصوت محرج وانا أومئ براسي واستدرت، وانا اشعر بالاحراج فجأة.
بعد الانتظار على الأريكة لبرهة،سمعت صوته مرة أخرى
“آسف. هل أخفتك؟”
الآن مرتديًا ملابسه، ابتسم إميليان بلطف، وعيناه تنحنيان بدفء.
“ل-لا، لا بأس.” أجبت بسرعة.
إنه مجرد فتى، ما زال صغيرًا. لا يوجد ما يدعو للإحراج.
ومع ذلك، لسبب ما شعرت بحرارة في وجهي، وكان قلبي يخفق بعنف.
تلك البشرة الشاحبة النقيه، والتي بدت أكثر بياضًا بعد الاستحمام، تبادرت في ذهني.
‘لماذا أفكر بهذا مجددًا؟’
هززت رأسي محاوِلة طرد الصورة من ذهني.
ولحسن الحظ، قطع إميليان الصمت بكلامه
“هل تشعرين بتحسن؟ لا يوجد ألم، صحيح؟”
“آه، نعم.” أجبت وأنا أومئ بسرعه.
انتشرت رائحة الصابون العطرة من حوله وهو جالس أمامى يجفف شعره الرطب بمنشفة.
فجأة، قال “ظننت أنك تودين أن تعرفي—لا تقلقي بشأن من كانوا في السجن تحت الأرض. لقد هربوا بأمان.”
“أوه…”
إذن، لقد أوفى إميليان بوعده.
عند إدراكي لذلك، شعرت بارتياح عميق.
وبينما كنت غارقه في هذه الأفكار، واصل قائلاً:
“وأيضًا… بينما كنتِ نائمة، جاء جلالته لرؤيتك.”
“جلالته؟”
“نعم. بقي لبعض الوقت لكنه غادر لأنكِ لم تكوني مستيقظة.”
“أرى.”
جعلني ذكر الإمبراطور أغرق في دوامة من الأفكار.
“لكن أنيس”
قال إميليان بهدوء، بينما كنت أعبث بحافة تنورتي
“هل تتذكرين من اختطفك؟”
كنت أفكر فيما إذا كان علي أن أخبر إيميليان عن الفيكونت راسل.
لم أكن واثقة مما إذا كان الإمبراطور حقًا من أمر باختطافي، لذا امتنعت عن ذكر الامر في الوقت الحالي.
اشتدت حده نظرات إميليان مع استماعه لكلامي.
“الفيكونت راسل أعطاك نوع ما من المخدر؟”
“…نعم.” أجبت وأنا أومئ برأسي وسط الجو الثقيل.
قبض إميليان يديه بإحكام.
“ذلك الرجل… هو سكرتير جلالته،اليس كذلك؟”
كان صوته مشبعًا بحدّة منذره بالسوء، وعيناه مليئه بعزم قاتل.
“هل كان اختطافك شيئًا دبّره راسل وحده؟”
“ذلك…” ترددت، وخفضت رأسي.
لسبب ما، شعرت أنني لا يجب أن أذكر شيئًا عن الإمبراطور أمام إميليان.
وبينما بقيت صامتة، قال إميليان مجددًا
“أنيس، انظري إليّ.”
كان نبرته غريبة، شيئاً بين الإقناع والإلحاح.
وبعد لحظة من التردد، رفعت رأسي. لكن، ولكن خوفا من ان لقاء نظرات سيجعلني اسكب كل شيء، حوّلت بصري بعيدًا بسرعة.
“لا تتجنبى عينيّ.” قال إميليان بحزم.
“…”
“أخبِريني، أنيس.”
وحين التقت عيناي بعينيه أخيرًا، سأل
“هل أصدر الإمبراطور الأمر باختطافك؟”
╺──────╸⋆╺──────╸
ترجمة: Sally
التعليقات لهذا الفصل " 40"