أكان هذا حلماً؟ أم كنت أتوهم؟
أنيس، وهي بين ذراعي إميليان، حدّقت بفراغ في وجه الصبىّ.
لم تستطع أن تستوعب الموقف.
كيف يمكن ان يكون هنا؟
“إميل… أهذا أنت حقاً؟”
لم أصدّق عينيّ، وانزلقت الكلمات من فمي بلا وعي. أومأ إميليان، ووجهه يتلوى كأنّه على وشك البكاء.
لقد التهمه قلق جنوني في طريقه إلى هنا.
ماذا لو تأخر؟ ماذا لو كان قد وقع ما لا رجعة فيه؟
كان مرعوباً من فكرة أن يفقد هذا الدفء إلى الأبد.
قال بصوت خافت و هو يسحب أنيس أقرب بين ذراعيه:
“آسف، أنا متأخر.”
آسف لأنّي لم آتِ في وقت أبكر. آسف لأنّي لم أمنع هذا من الحدوث.
جلد نفسه بلا رحمة، وتسرّب العتاب الذاتي إلى نبرته.
هزّت أنيس رأسها برفق، ورفعت يدها لتمسّ وجهه.
“شكراً لانك اتيت.”
كما في ذلك الوقت في منشأة الأبحاث المتعالية، أنقذها إميليان مرة أخرى.
لم يكن ذلك أقل من معجزة. ما زالت لا تفهم كيف وجدها هنا.
لكن الأن السبب لم يعد يبدو مهماً.
كل ما أرادته هو أن تنغمس في حضنه وتتشبّث بدفئه.
دفنت أنيس وجهها عميقاً في صدر إميليان.
دامب_ دامب. دقّات قلبها المتسارعة أخذت تخف تدريجياً حتى عادت إلى إيقاعها الطبيعي.
زفر إميليان نفساً عميقاً وهو يراها تهدأ بين ذراعيه.
أثناء بحثه عنها، شعر وكأن يداً خفية تخنقه وتقطع أنفاسه.
لكن الآن.. كان الأمر بخير
كل شيء عاد إلى مكانه الصحيح.
ما دام بصره يصل إليها، فستبقى أنيس إلى جانبه — لأنه سيحرص على ذلك.
ومضت عاطفة عابرة لكنها حادة في عيون إميليان.
لكنّه -غريزيا- كبحها. ثم ناداها بلطف:
“أنيس، فلنعد إلى المنزل الآن.”
بدأت أنيس تومئ، لكن وجهاً ما برز فجأة في ذهنها.
تشبّثت بياقه إميليان.
“انتظر، إميل.”
مال إميليان برأسه يسألها بعينيه، فشرحت: «هناك أناس محتجزون في السجن تحت الارض.»
لقد كادت تنسى فى فرحة لقائهما. كانت قد وعدت بإنقاذ إيفلين.
“علينا إنقاذهم. وإلا سيقوم اللصوص ببيعهم كعبيد .”
ارتجفت نبرتها بالقلق، فعضّ إميليان شفته لاشعورياً.
خدّها المتورم والمليء بالكدمات، والدم الجاف على ذراعها المجروحة… اخبرته عن الاهوال التى عانتها في وكر اللصوص.
ورغم كل ذلك، ورغم إصاباتها وخوفها، ما زالت تفكّر في نجدة الآخرين.
لقد أنقذها بالفعل. لم يعد هناك سبب للبقاء هنا بعد الان.
كل ما أراده هو أن يعيدها حالاً إلى القصر.
لكن نظرتها المتوسلة سلبته القدرة على الرفض.
تنهد برفق، ومدّ يده ليمشط شعرها للخلف برفق قائلاً: “سننقذهم أيضاً. لا تقلقي.”
ارتسم الارتياح على ملامحها، وابتسمت ابتسامة باهتة.
“شكراً لك،إميل…”
ربما كان ذلك نتيجة ارتخاء الأعصاب بعد نجاتها من الموت، أو نتيجة انفلات التوتر بعد كل ما عانته.
إفجأة تراخى جسدها وغامت رؤيتها.
وما لبث وعي أنيس أن تلاشى.
التقطها إميليان وهي تنهار، ممسكاً بها بقوة بين ذراعيه.
وفيما كان يستعد للعودة إلى القصر بالفتاة بين ذراعيه، دوّى صوت صاخب شقّ سكون الليل.
قرع جرس الإنذار بصوت مدويّ.
رصد الحراس المتسلّل، وأطلقوا الإنذار.
ومن داخل المبنى المحصّن، تدفق اللصوص هع ضجيج خطواتهم الثقيلة و أسلحتهم المسلولة.
كان من بينهم زعيم عصابة “غراتس”، ضخم الجثة، يحمل فأساً هائلة على كتفه.
“أين المتسلّل؟” زمجر.
“هناك! في الأعلى!” صاح أحد أتباعه وهو يشير نحو السماء.
أدار الزعيم رأسه بالاتجاه المشار إليه.
و على خلفية سماء الليل، فتى بشَعر أسود حالك كان يطفو في الهواء.
عيناه الحمراء الدموية تتوهجان بغرابة وهو يحدق للأسفل فيهم ، وجوداً لا يشبه البشر.
صرّ زعيم اللصوص على اسنانه وزمجر: “ماذا تنتظرون؟ اهجموا!”
وبأمره، رفع اللصوص أقواسهم واطلقوا سيلاً من السهام خلال السماء المظلمه.
أحاط إميليان أنيس بدرع من السحر القرمزي القاتم، حامياً إياها من وابل الهجوم.
ولم تمضِ لحظات حتى اندفع تيار هائل من الطاقة القرمزية من كفّه.
لقد تجرؤوا على المساس بشخص لم يكن عليهم المساس به. والآن سيدفعون الثمن.
‘أنيس… سأدمّر كل من سبّب لكِ الألم.’
برقت عيناه الحمراوان وهو ينظر إلى اللصوص في الأسفل.
*****
اندفعت عربة عبر شوارع الليل المظلمة بسرعه فائقه.
بداخلها جلس الفيكونت راسل، ووجهه شاحب بلا لون.
وبيدين مرتجفتين، أخذ يفتش في معطفه بجنون عن سيجارة.
وحين أشعلها أخيرًا، كانت يداه ترتعشان بشدة لدرجة أن اللهب كان يهتز بلا سيطره.
كان قلبه يخفق بقلق لا يُحتمل، بسبب ما جرى في القصر الإمبراطوري منذ لحظات قليلة فقط.
بدون شك لقد سلّم تلك الفتاة، أنيس، إلى عصابة “غراتس”.
‘فكيف، بحق السماء…!’
كيف عادت إلى القصر — ومع المتسامي نفسه، فوق ذلك؟
في وقت سابق من تلك الليلة، بينما كان يستعد لمغادرة القصر، رأى بالصدفة مشهد المتسامي يدخل حاملًا أنيس بين ذراعيه.
كان المتسامي مغطى بالدماء، بينما الفتاة، رغم إنهاكها الشديد، بدت حية وسليمة.
عضّ الفيكونت راسل شفته بقلق.
‘لو تحدثت تلك الفتاة، فهلاكي محتوم.’
لو أخبرت المتسامي أنه كان الإمبراطور هو من أمر بخطفها…
سيؤكد المتسامي ذلك مع الإمبراطور.
وبما أن الإمبراطور لم يصدر أمرًا كهذا ابدا، فسيبدأ حتمًا باستجواب راسل — مستخدمًا التعذيب إذا لزم الأمر لانتزاع الحقيقة.
ومع تخيله لأسوأ السيناريوهات، انهمرت قطرات العرق البارد على جبين الفيكونت.
كان عليه أن يجد حلًا. فورًا.
قرر راسل أن يتوجه مباشرة إلى دوق فاريز.
وفى يأسه، طلب لقاءً عاجلًا مع الدوق.
ولم يَطِل الأمر حتى أُدخل إلى مكتب الدوق.
كان الدوق فاريز واقفًا عند النافذة، وظهره للفيكونت.
“سيدي”، نادى راسل بقلق، مما جعل الدوق يلتفت أخيرًا.
“آه، فيكونت. ما الذي أتى بك مسرعًا هكذا؟”
كان الدوق يبدو غير مبالٍ، كأنه لا يعرف شيئًا.
ابتلع راسل ريقه بصعوبة وقال:
“المتسامي عاد إلى القصر… ومعه تلك الفتاة.”
ظل تعبير الدوق هادئًا، وكأن الأمر لم يفاجئه.
“أعلم.” قال ببرود.
“أنت… تعلم بالفعل؟ إذًا لماذا—!”
لماذا لم يخبره الدوق بشيء عن ذلك؟
قبض راسل قبضته، وارتفع صوته بالإحباط.
“سيدي، لقد قلت لي إن اللصوص سيبيعون الفتاة في القارة الشرقية! وإن حتى المتسامي لن يستطيع العثور عليها!”
كان هذا هو الوعد — أن الفتاة لن تعود أبدًا إلى القصر، وبالتالي لن يكتشف اي احد ابداً من الذي هرّبها.
لقد صدّق تلك الكلمات وفعل ما طُلب منه.
والآن، ووجهه يتلوى يائسًا، صرخ:
“ما الذي عليّ أن أفعله الآن؟ لو تكلمت تلك الفتاة، فأنا هالك!”
قال الدوق بهدوء، نبرته ثابته:
“اخفض صوتك، يا فيكونت. أنا أيضًا لم أتوقع تدخل المتسامي.”
ان ينقذ المتسامي الفتاة لم يكن جزءًا من الخطة.
كانت الخطة منطقية فقط إذا ماتت الفتاة.
ومع ذلك، لم يكن الدوق فاريز من أولئك الذين يضيعون وقتهم في التحسر على ما فات.
بهدوء، طمأن الفيكونت المذعور:
“لا داعي للقلق. لقد أعددت حلًا بالفعل.”
تألقت بارقة أمل في عيني راسل. سأل بلهفة:
“ما الحل؟”
“أتريد أن تعرف؟”
أومأ راسل بسرعة.
رفع الدوق أصابعه ونقر بخفة.
أكانت تلك إشارة؟
لم يحدث شيء لوهلة.
ثم شعر راسل بقشعريرة تتسرب في عموده الفقري، فادار رأسه ببطء.
“…!”
في لحظة ما، ظهر خلفه رجال يرتدون ثياباً سوداء، جوههم مقنّعة.
وكل منهم يمسك بخنجر في يده.
مذعورًا، التفت راسل مرة أخرى نحو الدوق فاريز.
“سيدي… ما هذا؟”
بينما كان راسل ينظر إلى الدوق بخليط من الارتباك والخوف ابتسم الدوق ببرود، وهو يجيب:
“هذا هو جوابي.”
*****
حين استعدت وعيي، وجدت نفسي مستلقية على سرير ناعم.
فوقي ورق جدران عاجي دافئ، عليه بقعة صغيرة على شكل سحابة.
وبينما أدركت أن هذا هو السقف المألوف لغرفتي الخاصة، اجتاحني سيل من الارتياح.
‘لقد عدت حقًا.’
كنت أظن أنني سأموت في وكر اللصوص… جسدي ارتجف بلا وعي مع عودة ذكرى ذلك الخوف.
‘لكن إميليان جاء من أجلي.’
لقد كان دفؤه مريحًا جدًا، حتى أنه أذاب كل مخاوفي.
مجرد التفكير في إميليان جعل عقلي يهدأ تدريجيًا.
كنت أظن أن إميليان يعتمد عليّ، لكن… ربما كنت أنا أيضًا أعتمد عليه بالقدر نفسه.
ثم تذكرت خطتي الأصلية عندما جئتُ أول مرة إلى القصر الإمبراطوري.
كنت قد خططت لمغادرة القصر حالما تظهر بطلة القصة الأصلية.
وبينما كنت أعبث بلا وعي بطرف تنورتي، خطرت لي فكرة:
‘لكن ماذا لو لم أستطع المغادرة؟’
ماذا لو أردت البقاء إلى جانب إميليان؟
تلك الفكره، التى خطرت لى بلاوعي، جعلت قلبي يغرق بثقل.
ما الذي كنت أفكر فيه بحق السماء؟
إميليان يحتاج إلى البطلة.
فقط البطلة، بقوتها المقدسة القوية، تستطيع تطهير سحر التنين المتدفق في عروقه.
وبينما كنت أذكّر نفسي بهذه الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، انفتح الباب فجأة بصوت مرتفع.
‘من هناك؟’
أدرت رأسي، و رايت مشهدا لم أكن اتوقعه على الاطلاق.
‘الطبيب… وثيو!’
امتلأت عيناي بالفرح عند رؤية الوجوه المألوفة.
والعاطفة ذاتها انعكست في عيونهما.
“أنيس، أنت بخير!”
اندفع الدكتور هيرمان نحوي، ذراعيه ممدودتين وكأنه سيعانقني.
لكن قبل أن يتمكن، كان ثيو أسرع، فقد اندفع نحوي والدموع تتساقط من عينيه.
“آآآآآنيييس!!!”
تشبث بي بقوة، وهو يبكي بلا توقف
╺──────╸⋆╺──────╸
ترجمة: Sally
التعليقات لهذا الفصل " 39"