جعل صوتُ الدوقِ الأكبر الباردُ هواءَ الغرفة أكثرَ برودة.
“يبدو أنّني كنتُ هادئًا أكثرَ من اللازم.”
“الدوق الأكبر… جلالتكََ.”
“إمّا أنّ الإدراة لم تكن على ما يُرام، أو أنّ أحدًا أمركم بالتصرف هكذا. واحدٌ من الأمرين لا ثالث لهما.”
ليس غبيًّا إلى حدٍّ يجعله يجهل مَن يقف خلفهم.
“ظننتُ أنّ كلّ شيءٍ يسير على ما يُرام طوال هذه المدّة، لكن لم يكن كذلك. ولم أدرك ذلك إلّا الآن.”
كما لو أنّه أُعطي ماءً لسمكةٍ كانت بالكاد تتنفّس، عاد شيءٌ من الحيوية إلى عيني الدوق الأكبر.
أمورٌ لم يكن يفكّر فيها من قبل.
كان بيتُ الدوق الأكبر واقعًا أصلًا في قبضة الدوقة، وكلّ من يعمل هنا صاروا عيونَها وآذانَها.
دوقٌ دمية.
ظنّ أنّه يتحرّك بإرادته، لكنّه في الحقيقة كان كدميةٍ معصوبة العينين، تتحرّك تمامًا كما تريد هي.
لكن تلك الدمية التي ظُنّ أنّها بلا وعي، فتحت عينيها أخيرًا.
بدأ يفكّر، وبدأ يتحرّك.
‘لو كان الماضي، لكان اكتفى بالاستماع إلى كلام الدوقة.’
لم أفهم حقًّا لماذا، رغم كلّ هذا الاهتمام الذي يُظهره الدوق بالأطفال، كان سابقًا متحفّظًا وباردًا في علاقته بهم.
كنتُ أظنّ ببساطة أنّه لم يُحسن معاملتهم.
ولهذا بدت لي عنايته الزائدة بهم الآن غريبة إلى حدٍّ ما.
لكنّي بدأتُ أفهم الآن.
لم تتحسّن العلاقة بين الدوق وأطفاله لأنّه كان يفعل كلّ ما تأمره به الدوقة.
كانت تقول له إنّ الأطفال سيحبّون هذا، وإنّهم يشعرون بالحبّ إذا اشتُريت لهم أشياء ثمينة.
وبهذه الكلمات كانت تُغويه.
ما كان الأطفال يريدونه هو الزيارات المتكرّرة، والحديث معهم، وفتح القلوب ببطء.
لكنّه كان يعبّر عن مشاعره بتلك الأشياء فقط.
‘ظنًّا منه أنّهم سيحبّونه.’
لابدّ أنّه كان كذلك.
لكنّه الآن بدأ يفكّر.
بدأ يدرك أنّه كان يُستَغلّ، وأنّ هناك الكثير ممّا لا يعرفه.
“كلّ شيءٍ كان يدور من دوني. مع أنّني أنا سيّد هذا البيت. ولهذا تجرّأ أمثالهم على التمرّد عليّ.”
“تـ-تمرّد؟ ليس كذلك يا جلالتكَ. هذا مجرّد… سوء فهم….”
“هذا ما يُسمّى تمرّدًا. كان يكفيكم أن تسمعوا أمري وتنبطحوا. سوء فهم؟ سواء أسأتُ الفهم أم لا، لماذا يحاول أمثالكم تغيير رأيي؟”
“آه….”
إذًا كان من هذا النوع.
حين قابلته أوّل مرّة، حاولتُ استنتاج طباعه، لكنّه كان أسوأ بكثير ممّا توقّعت.
“أنتم أدنى من حجرٍ يُركَل عند القدم.”
“….”
لم يجرؤوا حتّى على الاعتذار، واكتفوا بخفض رؤوسهم.
“حفنةٌ من عديمي الفائدة. إن كان هذا ما تفعلونه مع ريكس الذي أرسلته، فكم أوضح كيف عاملتم آيشا وجعلتموها تشعر بذلك طوال الوقت.”
“جلالتكَ، ليس الأمر كذلك….”
“اصمتوا. ألستم بكمٌ قبل قليل؟ أم عقولكم مجرّد زينة؟”
“….”
“لا يصلح هذا. مجرّد وجود أمثالكم في هذه الغرفة يبعث على الاشمئزاز.”
نقر لسانه وتقدّم نحو الخادمات.
“اخرجوا.”
“نعم؟”
“قلتُ اخرجوا جميعًا من هذه الغرفة. وانقلوا إلى سيّدتكم، الدوقة، أنّني من الآن فصاعدًا سأختار وصيفات التوأم وأُشرف عليهنّ بنفسي.”
في تلك اللحظة، شحبَت وجوهُ الخادمات.
“آه… جلالتكََ، هذا….”
“سنقوم نحن بذلك.”
“هل كلامي مثير للسخرية؟”
“لا، ليس هذا… أعني… نعتذر يا جلالتكَ. ما فعلناه حتى الآن….”
هزّ الدوق رأسه نافيًا.
“هل أبدو مثيرًا للضحك إلى هذا الحدّ؟”
“لا، أبدًا، لكن… إن اختفينا فجأة، ألا يكون ذلك مُربكًا لهم….”
“لا تفعلون شيئًا أصلًا، ومع ذلك تتفوّهون بالهراء بلا تردّد. إن نطقتم بكلمةٍ أخرى، فالأفضل أن تختفوا فورًا. أم تودّون ألّا تطأوا أرض بيت الدوق مجدّدًا؟”
“….”
تبادل الخادمات نظراتٍ متردّدةٍ، ثمّ انسحبن بسرعة.
لم يكن أمامهنّ خيارٌ آخر.
“عديمات الفائدة، يفعلن كلّ ما يخطر على بالهنّ.”
“أعتذر. بسببي أزُعج الدوق….”
“ليس ذنبكِ. الذنب ذنب من سمح لأمثالهنّ بالتمادي.”
وقعت عيناه عليّ.
تردّد قليلًا، ثمّ ربّت على رأسي.
“آسف.”
“نعم؟”
“إن كان هناك من يتجاهلكِ، فأخبريني. فأنتِ ضيفة اجتازت اختباري لتكون هنا.”
“نعم! آه! ألن تدخل لتراهما؟ لوهين ولاري ينتظران.”
كانت يده كبيرة على نحوٍ لافت.
شعرتُ وكأنّ رأسي كلّه يغرق داخل كفّه.
كان إحساسًا مُدغدغًا.
لم أعتد تلقّي هذا النوع من الحنان.
‘كيف كنتُ أعيش في الماضي؟’
لا أتذكّر حقًّا.
عن نفسي.
هناك شعورٌ بأنّ الذكريات تتلاشى تدريجيًّا.
كنتُ أعيش في كوريا، أحبّ قراءة الروايات.
وهذا المكان… داخل رواية.
‘يبدو أنّ عليّ أن أدوّن أكثر.’
لسببٍ ما، تتلاشى ذاكرتي يومًا بعد يوم.
كأنّ وجودي نفسه يختفي.
كأنّني لا أنتمي إلّا إلى هذا المكان.
لم أتلقَّ حبًّا حقيقيًّا في الماضي.
كنتُ أحسد الأطفال الذين يتلقّون حبّ آبائهم في الروايات.
ولهذا بدا لمس الدوق لي غريبًا في قلبي.
“آه… هل الأطفال ينتظرونني فعلًا؟”
“حتى لو لم يقولوا ذلك، من الطبيعي أن يشتاقوا. أنتَ والدهم.”
لأنّهم أطفال، ولأنّهم مجروحون، فالتعبير لا يزال صعبًا عليهم.
“لا بأس إن لم تفعل شيئًا الآن. يكفي أن تزورهم كثيرًا.”
“همم….”
“هذا رأيي فقط. لو كان لي أب، لكنتُ سعيدة بمجرّد أن يزورني كثيرًا. أظنّ الأطفال يشعرون بالمثل، حتى إن لم يتكلّموا.”
ساد صمتٌ غريب.
كانت نظرات الدوق وريكس نحوي معقّدة.
“آه… أنا فقط… هذا رأيي… آسفة إن تدخّلت.”
“لا.”
تبادل الدوق وريكس نظرةً قصيرة، كأنّ حديثًا صامتًا دار بينهما.
ثمّ توجّه الدوق نحو غرفة النوم.
“إذًا… لندخل.”
دخل بخطواتٍ متردّدة، كأنّ الخوف يلازمه.
راقبتُه قليلًا، ثمّ أسقطتُ بخفّة كيسًا صغيرًا أمام ريكس.
لحسن الحظ، لم يلاحظ.
“آه! ريكس، أظنّ الخادمات تركن هذا! سأخرج لحظة!”
“سآتي معكِ….”
“سأعيده وأعود فورًا!”
هززتُ رأسي رافضة.
تردّد ريكس، ثمّ أومأ.
في الخارج، كان الخادمات متجمّعات، يعضضن أظافرهنّ ويتبادلن القلق.
تقدّمتُ نحوهنّ.
“…لماذا أنتِ هنا؟!”
“لديّ ما أقوله.”
“ماذا؟ بعد ما قلتِه سابقًا، أتيتِ لتسخري منّا؟”
أظهرت ماري غضبًا واضحًا.
ابتسمتُ وأنا أُخفي الكيس في صدري.
“هناك أناس، لمجرّد أنّهم يعملون في مكانٍ مليء بالأشياء الثمينة، يظنّون أنفسهم من مستواها، رغم أنّهم لا شيء.”
“…ما الذي تقولينه الآن؟”
“أقول لكم استفيقوا. أنتم في النهاية… مجرّد خادمات. مهما فعلتم، ستُستَخدمون وتُرمَون. فلا تبنوا آمالًا لا عند الدوق، ولا عند ‘تلك السيّدة’.”
ارتجفت شفاهُهنّ من الغضب.
“أنتِ… أنتِ الآن…!”
“لو كنتُ مكانكم، لأسرعتُ إلى سيّدتكم وأخبرتها أنّكم جلبتم غضب الدوق. هذا أولى.”
استدرتُ مغادرة.
‘أتمنّى أن تنقلوا احتقاري جيّدًا إلى الدوقة.’
كِدنَ يمسكن بي، لكنّي أسرعتُ إلى الداخل.
كان ريكس ينتظر بقلق.
“الآنسة آيشا.”
“نعم؟”
“بماذا تحدّثتِ مع الخادمات؟”
“آه، فقط لأنّ شيئًا سقط….”
هزّ رأسه نافيًا.
“الخادمات لا يحملن أكياسًا كهذه. هذا لكِ، أليس كذلك؟”
التعليقات لهذا الفصل " 69"