خرج ريكس من الغرفة التي دخلها للحديث مع الدوق أسرع بكثير ممّا توقّعت.
“خرجتَ بسرعة.”
“نعم. تحدّثتُ معه عن المكتبة.”
“آه.عن ماذا أفعل في المكتبة؟
وعن أيّ كتب أقرأ؟”
“لا؟”
سألتُ سؤالًا بديهيًّا،
لكن ريكس مال برأسه باستغراب.
“لا؟”
سألتُ بإستغرابٍ.
“نعم. أخبرتُه أنّ حالة المكتبة ليست جيّدة،
وقلتُ له إنّ آيشا تزورها كثيرًا،
فطلبتُ منه الاهتمام بإدارتها.”
“آه.”
كنتُ أظنّ بطبيعة الحال أنّه سيخبره عمّا أفعله في المكتبة، وأيّ كتب أقرأ،
فارتبكتُ قليلًا ولم أفعل سوى أن رمشتُ بعيني.
‘أم أنّه يكذب عليّ؟
قال كلّ شيء، ثمّ ادّعى أنّه لم يقل سوى هذا؟’
لكنّه بدا صافيًا أكثر من اللازم.
يبدو أنّ ريكس شخصٌ تظهر مشاعره على ملامحه بوضوح،
ولذلك من الصعب اتّهام تصرّفاته بالكذب دون أن يؤنّبني ضميري.
شعرتُ وكأنني أسيء الظنّ بشخصٍ بلا سبب.
“إذًا، هل نذهب؟
سيكون السيّد الشاب والآنسة بانتظارنا.”
“آه…… نعم!”
أومأتُ برأسي بتوتّر وتبعته، لكن ريكس، الذي بدا وكأنّه سيتحرّك فورًا، توقّف فجأة وألقى نظرةً حوله،
ثمّ عقد ملامحه بانزعاجٍ واضح.
“هذا غريب حقًّا.”
“ما الغريب؟”
“عندما يتحرّك السيّد الشاب والآنسة،
يبدو أنّ عدد المراقبين أقلّ
مقارنةً بما يحدث حين تتحرّك آيشا وحدها.”
“يبدو أنّهم مهتمّون بي كثيرًا.”
ربّما هذا صحيح.
فبحسب طبع تلك المرأة…
لا، الدوقة الكبرى،
تظنّ أنّ التوأم يمكن التحكّم بهما كما تشاء،
لكنني لستُ كذلك.
“هل تظنّين ذلك…….”
“أظنّ أنّ الأمر كذلك.
لماذا؟ هل تشكّ في الدوقة الكبرى يا ريكس؟”
لكنّه لم يُجب.
كان مختلفًا تمامًا عن ابتسامته المعتادة،
وعن طريقته في مجاراتي في الحديث.
صمته المفاجئ بدا غريبًا،
ففتحتُ فمي مجددًا.
“أم أنّ السبب……
أنّك أنت أيضًا من طرفها؟”
“من طرفها؟”
“من طرف الدوقة الكبرى!
أليس لديها الكثير من الناس أصلًا؟”
“لا. أنا لستُ كذلك.
أنا من رجال الدوق.”
“سألتُ فقط لأنّك لم تُجب.”
عندها،
ابتسم ريكس ابتسامةً خفيفة،
ومدّ يده نحوي.
“كنتُ صامتًا لأنني استغربتُ أمرًا ما.
استغربتُ كيف خطر ببالك فورًا اسم الدوقة الكبرى
لمجرّد رؤية المراقبين.”
“لأنّه لو كات الدوق لما وضعهم بهذه العلنيّة؟”
أمسكتُ بيده ورفعتُ رأسي.
يبدو أنّه لم يتوقّع هذا الردّ،
فتردّد قليلًا.
“آه…….”
“لا بأس.حتى لو كنتَ مراقبًا.
ريكس، أنت تجعل الأمور مريحة.”
“آنسة آيشا، أنا…….”
فتح فمه وكأنّه يريد قول شيء،
لكنّه أغلقه سريعًا.
“لماذا؟”
“لا شيء.”
“حسنًا!”
لا داعي لإجبار شخصٍ لا يريد الكلام على الحديث،
لذا صرفتُ نظري دون أن أقول شيئًا.
“آه، بخصوص المكتبة التي تحدّثنا عنها.”
“نعم. ماذا قال سموّ الدوق؟”
“قال إنّه سيهتمّ بكلّ شيء.”
“بكلّ شيء؟”
سألتُه اختبارًا،
لكنّه ابتسم ابتسامةً عريضة.
“ماذا سيهتمّ به؟”
“سيُحسّن بيئة المكتبة كي تتمكّني من البقاء فيها براحة،
وسيخصّص لكِ مساحةً منفصلة،
وسيُوظّف أمين مكتبة.
قال إنّه لم يكن يعلم أنّ الوضع هناك سيّئ إلى هذا الحدّ،
وشكرني لأنني أخبرته بالحالة،
ووعد بأن يقدّم أقصى ما يستطيع من رعاية.”
كنتُ أتوقّع أنّ الدوق لم يكن يعلم،
لكن لم أتوقّع أن يصل اهتمامه إلى هذا الحدّ.
“أه…… فهمت.”
“لا تقلقي. أكّد لي أنّ تحسين البيئة
لا يعني فتح المكتبة للجميع.
فهي أصلًا لا تُفتح إلّا لمن لديهم إذن.
ولن يحدث أبدًا أن يختلّ هدوؤك بسبب ما قلتُ……
على الأرجح……
هكذا قال سموّ الدوق.”
كانت كلمات ريكس وتصرفاته حذرة للغاية،
وكأنّه يحاول مراعاة مشاعري.
“لا بأس.
أنا سأستعيرهُا لوقتٍ مؤقتْ.
أيّ وضعٍ سيكون مناسبًا لي.”
“أ، أهذا صحيح؟
آسف. يبدو أنّ تفكيري كان قصيرًا.”
“حقًّا لا بأس.
بل سيكون جميلًا لو أصبح المكان أكثر ازدحامًا.إن كان ممكنًا،
يمكنني إحضار لوهين ولاري أيضًا.بل إنّ هذا جيّد.
أصبح بإمكاني إحضار لاري.”
عندها فقط،
ابتسم ريكس بارتياح.
“هذا مطمئن.”
“إذًا فلنذهب.
لوهين ولاري ينتظران.”
“حسنًا.”
بعد ذلك،
لم نتبادل أيّ كلام.
كأنّ لدى كلٍّ منّا الكثير ليقوله،
لكننا أخترنا الصمت.
وهكذا وصلنا إلى الغرفة التي يوجد فيها التوأم.
“تأخّرتِ.”
كان لوهين واقفًا وذراعاه متشابكتان،
وعلى وجهه تعبير عدم رضا واضح.
“كنتَ مستيقظًا؟”
“نعم.
أين ذهبتِ حتّى تتأخّري هكذا؟”
“ذ-ذهبتُ إلى المكتبة.”
“كذب.”
قالها لوهين بحزم،
وفجأة شعرتُ وكأنني ارتكبتُ كذبةً كبيرة.
كان يمكنني قول الحقيقة،
فلماذا أشعر بالوخز في صدري كلّما وقفتُ أمام لوهين؟
“…… لماذا. لا، لا شيء.”
كان على وشك قول شيء،
لكنّه هزّ رأسه وأغلق فمه،
وكأنّ الحديث لا يستحقّ.
“إذًا، هل نقرأ كتابًا معًا قبل أن يستيقظ لاري؟”
“حسنًا. الكتاب الذي أحضرته سابقًا هناك.”
“نعم! آه…….”
عندها فقط،
فهمتُ سبب نظر لوهين إليّ بذلك الانزعاج.
الكتاب الذي أشار إليه، كان هنا.
كتاب شخصٍ قال إنّه عاد للتوّ من المكتبة.
كان يعلم، ومع ذلك سألني.
“لوهين.”
حملتُ كتابًا واقتربتُ منه.
شعرتُ وكأنني ارتكبتُ خطأً كبيرًا،
لكنّه لم ينظر إليّ حتى.
“لوهين؟”
“…….”
“لن تنظر إليّ؟”
“ماذا.”
لوهين،
الذي كان عادةً يردّ على أيّ كلمة أقولها،
كان الآن ينظر فقط إلى لاري دون أن ينبس بحرف.
“لوهين…….”
“…….”
“لن تتكلّم؟
آسفة لأنني كذبت.
ذهبتُ إلى المكتبة،
ثمّ استدعتني الدوقة الكبرى.
لم أُخبرك لأنني خشيتُ أن تقلق.”
نظر إليّ لوهين قليلًا،
ثمّ فتح الكتاب الذي أحضرته.
بالطبع، لم يكن يقرأ حقًّا،
لكنّه حرّك عينيه بسرعة وكأنّه يفعل.
“هل أقرأ لكَ؟”
“…….”
“سأقرأ.”
“…… لماذا في الآونة الأخيرة
تخرجين دائمًا دون أن تخبرينا؟”
“ماذا؟”
نبرة لوهين الهادئة بدت غريبة عليّ.
ما زال طفلًا،
لكنني شعرتُ وكأنّ لوهين البالغ في المستقبل
يقف أمامي.
“أليس كذلك؟ كأنّك تتجنّبيننا،
وتدورين دائمًا خارجًا فقط.”
“لا، ليس الأمر كذلك…….”
“ليس كذلك؟ حين أخبرتني الخادمات،
لم أصدّق. لكن يبدو أنّهنّ على حقّ.”
“عن ماذا تتحدّث؟”
وكأنّه يفرغ ما بداخله،
تحدّث لوهين بسرعة موجّهًا كلماته إليّ.
“الخادمات قلن إنّكِ تستعدّين للرحيل.
تخرجين كثيرًا،
وتقابلين الدوقة الكبرى والدوق بالتناوب.
كنتُ أؤمن أنّ هذا غير صحيح.
ظللتُ أؤمن……
لكنّكِ قلتِ أمامي
إنّه لا بأس إن خرجتِ من هنا.”
“قلتُ…… ذلك.”
“وكأنّكِ تثبتين كلامهنّ،ها أنتِ الآن……
حتى الآن، تخفين عنّي الأمور.
لماذا……
لماذا تجعلينني قلقًا؟
ولاري لم تستفق بعد،
فلماذا تفعلين هذا بي أنتِ أيضًا؟”
لماذا بدا صوت لوهين حزينًا إلى هذا الحدّ؟
تداخل مع صوته في ذاك الماضي،
حين كان يصرخ في لحظاته الأخيرة.
أنزلتُ رأسي أمامه.
“آسفة، لوهين.
آسفة حقًّا.”
ظننتُ أنّك بخير.
ظننتُ أنّك بخير لأنك تقف دائمًا بصمت.
وأنت طفلٌ صغير، طفلٌ بلا سند،
طفلٌ يحمل عبء حماية لاري،
ويُجبر نفسه على أن يكون قويًّا.
‘والآن فقط قد يبدأ يشعر بالطمأنينة.’
ربّما كنتُ متساهلة أكثر من اللازم
لأنني اعتبرتُ هذا بيت لوهين.
ظننتُ أنّني سأشرح كلّ شيء بعد أن ينتهي الأمر،
وأنّه سيفهم.
ظننتُ أنّه سيستوعبولأنني أفعل هذا من أجل مستقبله ومستقبل لاري.
لكنني كنتُ مخطئة.
كنتُ فقط أرهق الأطفال.
طلبتُ منهم أن يثقوا بي،
لكنني لم أمنحهم أيّ طمأنينة.
“لوهين……
أقصد، أقصد…….”
لم أعرف من أين أبدأ.
لحسن الحظ،
لم يكن أحدٌ غيرنا هنا.
ريكس والخادمات ابتعدوا جميعًا.
كان يمكنني أن أتكلّم، لكن الكلمات لم تخرج.
“أنا……
أنا فقط…….”
قول إنني أفعل هذا من أجلكم يبدو سخيفًا.
لوهين،
كنتُ أظنّ أنّني أفعل هذا من أجلكم.
لكن يبدو أنّني أفعل هذا من أجلي أنا.
لو كان حقًّا من أجلكم،
لما تعثّر لساني هكذا.
“لا بأس.”
“هـم……؟”
“كنتُ متوتّرًا أكثر من اللازم.
أعرف. أعرف أنّكِ تفعلين هذا من أجلنا
وأعرف أنّ عدم إخبارك لنا
لا يعني أنّ لديكِ نيّةً أخرى.
لكنني فقط……كنتُ حزينًا.
كنتُ خائفًا من أن ترحلي.”
رأيتُ يد لوهين،
التي تمسك بيد لاري ترتجفُ.
“خائفًا من أن أرحل؟”
“نعم……حتى لو لم تخبرينا،
حتى لو فعلتِ أشياء أخرى، لا بأس.
أعرف أنّكِ لن تؤذينا أبدًا.
وحتى لو فعلتِ، لا بأس.
لكن……
رحيلك مخيف جدًا.
يمكنكِ أن تستخدِمينا……
فقط، أرجوكِ ابقي إلى جانبنا.”
التعليقات لهذا الفصل " 65"