“لا شيء.”
“لا شيء، إذن.”
كان تعبير وجهه غير راضٍ للغاية،
لكن لم يكن بالإمكان قول كلّ شيء.
بالنسبة له، لم تكن مديرة دار الأيتام أكثر من شخصٍ اعتدى على أطفاله…
ولا أقلّ من ذلك.
شخصٌ لو قُتل، لما وجد أحدٌ ما يقوله دفاعًا عنه.
“ألا يحقّ لي أن أشعر بالفضول؟”
“ليس الأمر أنّه لا يحقّ لك.”
نهض من مكانه،
ثمّ اقترب نحوي ببطء.
“لابدّ أنّ لديك أفكارك الخاصّة.”
“نعم.”
“لكن هذا غريب.
فالطفل العاديّ، غالبًا ما يتساءل عن الأطفال الذين نشأ معهم.
أم أنّ مديرة دار الأيتام كانت تعاملُك معاملةً خاصّة؟”
“كانت تعامل الجميع بالطريقة نفسها.”
عندها فقط أومأ الدوق الأكبر برأسه.
شخصٌ يعامل الجميع بالطريقة نفسها.
والمقصود بذلك،
أنّ ما كانت تفعله بالتوأم لم يكن مختلفًا كثيرًا عمّا كانت تفعله بالآخرين.
في هذه الحياة،
كانت معاملتها لي مماثلةً لمعاملتها للأطفال الآخرين.
صحيح أنّها كانت أقسى قليلًا مع التوأم،
لكن في النهاية…
الجميع تعرّض للإساءة بشكلٍ عادل.
لكن، على الأرجح…
في الحياة الماضية، لم يكن الأمر كذلك.
ماضٍ لا أتذكّره بالكامل.
وأحداثٌ وقعت هناك.
‘في تلك الحياة،
لا بدّ أنّني كنتُ مدلّلةً لدى مديرة دار الأيتام.
ربّما….’
كنتُ أعتقد أنّني لم أُغيّر مجرى حياتي الحالية كثيرًا عن مجرى الرواية.
لكنني كنتُ مخطئة.
منذ تلك اللحظة التي استعدتُ فيها ذكرياتي داخل دار الأيتام،
بدأتُ أتصرف بشكلٍ مختلف عن الماضي.
كرهتُ مديرة دار الأيتام،
وعرقلتُ أفعالها في كلّ مناسبة.
لم أكن مطيعة،
وكنتُ مشغولةً بمساعدة الأطفال.
ولو لم أفعل ذلك،
لربّما أحبّتني مديرة دار الأيتام كما في الماضي.
ولو حدث ذلك، فحينها…
‘لكانت الأمور قد سارت كما في السابق.
وكانت ستنشأ بيني وبينها علاقة.’
ارتسمت على وجهي ملامح أسف.
ولعلّه أساء فهم ذلك التعبير،
إذ زمّ شفتيه قليلًا.
“تقولين إنّها كانت متشابهة مع الجميع.”
“نعم.”
“ومع ذلك، لا أستطيع فهمه.
أنتِ لا تسألين عن الأصدقاء الذين نشأتِ معهم، ولا عن المعلّمين،
بل تتحدثين فقط عن مديرة دار الأيتام.”
“فقط….”
كيف يجب أن أشرح ذلك؟
لكن لم يخطر ببالي عذرٌ مناسب.
“حسنًا. لا بأس.
يبدو أنّني أنا أيضًا أصبح حساسًا كلّما ذُكرت تلك المرأة.”
“آه.”
“لو كنتُ قد قتلتها،
لما كنتُ على هذا القدر من التوتّر.”
“مستحيل…”
“لقد هربت.”
في تلك اللحظة،
شعرتُ وكأنّ رأسي يطنّ بقوّة.
كلمة “هربت” جعلتني أدرك أنّ هناك خطبًا ما.
“إنّها حقًّا إنسانة مذهلة.
أن تنجو من دار أيتامٍ تحترق. كنا نظنّ أنّها ماتت بالتأكيد، فتراخينا.
لكن أشخاصًا كانوا يبحثون عن بعض الوثائق هناك،
عثروا عليها مصادفة.”
“آه….”
“كانت في حالة لا يمكن وصفها على أنّها إنسان.
وكأنّها أنقذت بالقوة،
حيث كانت بالكاد متشبّثةً بالحياة.
وبعدها، أمرتُ بإحضارها.”
“ولم تتمكّنوا من إحضارها؟”
أومأ برأسه ببطء.
“أمرٌ غريب، أليس كذلك؟
شخصٌ كان من المستحيل أن يعيش، نجا،
بل وتمكّن من الهرب أيضًا.
لا بدّ أنّ أحدًا ساعدها.”
“الشخص الذي ساعدها….”
“لم يكن هناك أحدٌ يمكنه مساعدتها.
كنا قد أنهينا كلّ شيء في تلك المنطقة.”
ضغط على صدغيه وكأنّ رأسه يؤلمه.
“حقًّا…أن نفلت شيئًا كهذا. أمرتُ بالبحث عنها لاحقًا،
لكننا لم نعثر عليها.حتّى الآن.”
“آه….”
“بهذا الجسد،
إلى أين يمكن أن تكون قد هربت؟
أمرٌ غريب حقًّا.”
وهو ينقر بلسانه،
تذكّرتُ كلمات الكاهنة المساعدة.
قالت إنّ تغيير المستقبل أصعب ممّا يبدو.
لكنني كنتُ أظنّ أنّني أعرف المستقبل، وأنني أُغيّره تدريجيًّا،لذا لن يكون الأمر صعبًا.
كنتُ أظنّ أنّني قادرة. وأنّني مختلفة عنها.
ألم أغيّر مصير التوأم بالفعل؟
بما أنّني فعلتُ كلّ هذا،
فالباقي لن يكون صعبًا.
هكذا اعتقدتُ، لكن…
‘هروبها…
كونها ما زالت على قيد الحياة…
هذا مطابقٌ للماضي.’
في الماضي،وفي الرواية أيضًا،كانت ما تزال حيّة.
وفكرة أخرى خطرت ببالي.
‘وإن كان الأمر كذلك…
فمن المحتمل أن تتواصل مديرة دار الأيتام مع هذا المكان في النهاية.’
ربّما،ليس الوضع ميؤوسًا منه تمامًا.
في الحلم،
حاولت مديرة دار الأيتام إدخال نفسها إلى بيت الدوق الأكبر بأيّ طريقة.
كخادمة.
لكنني بالفعل هنا،
وقد نلتُ قدرًا لا بأس به من الثقة.
لا أعلم لماذا أرادت إرسالي إلى هنا، لكن إن كان لها غرض،
فستتواصل مجددًا.
“هكذا إذن….”
“برأيكِ، من قد يكون يحميها؟”
“ماذا؟”
“بهذا الجسد،وبحالة بالكاد تبقيها حيّة،
لا يمكنها أن تختبئ بهذا الإتقان.
حتى احتمالية موتها أخذناها بعين الاعتبار،
لكننا لم نعثر لا على شخصٍ كهذا،
ولا حتى على جثّة،
في أيّ قرية قريبة.”
أملتُ برأسي قليلًا.
هناك مكانٌ يخطر ببالي على نحوٍ مبهم.
لكنّه مكان رأيته في حلم،
ومشاهد متقطّعة لا تسمح لي بالجزم.
سقفٌ منخفض يكاد يلامس الرأس.
رائحة كريهة لا تُطاق.
كوخٌ متهالك.
هل كان هناك منظرٌ في الخارج؟
لا أتذكّر.
لم يكن يبدو كجبلٍ تمامًا…
كان هناك شيءٌ غريب،
لكن لا أستطيع تذكّره بوضوح.
“هل خطر ببالك مكانٌ ما؟”
“ماذا؟”
“رأيتكِ تعقدين ملامحك.”
“آه… أمم… لا أعلم.
لكنني أعرف أنّ مديرة دار الأيتام كانت ترشي بعض النبلاء بالمال.
ربّما…
أحدهم؟”
لكنّه هزّ رأسه نافيًا.
يبدو أنّهم حقّقوا في هذا الأمر بالفعل.
وماذا كنتُ أتوقّع؟
كلامي لن يفيد بشيء.
في الحقيقة،
أردتُ أن أقول إنّ الأمر قد يكون مرتبطًا بالدوقة الكبرى،
لكن لم أستطع.
لا دليل لديّ.
بل يجب أن أُظهر أنّ علاقتي بالدوقة الكبرى جيّدة.
يجب ألّا يبدو أنّ كلّ تصرّف أقوم به
يدفعها إلى الزاوية.
“ربّما.”
“إن تذكّرتُ شيئًا…سأخبرك.”
“حسنًا.”
“شكرًا لإخباري عن مديرة دار الأيتام.”
هزّ رأسه نافيًا.
“لا داعي للشكر.”
“مع ذلك. سأذهب الآن.”
بعد أن انتهى الحديث،
نهضتُ من مكاني.
“لكن،
لماذا تصرّفتِ بتلك الطريقة سابقًا؟
قلتِ إنّكِ تحاولين التظاهر بأنّنا مقرّبان.”
فوجئتُ بالسؤال،
فاستدرتُ،
ثمّ نظرتُ إليه مجددًا.
“آه. فقط…
أردتُ أن أُظهر أنّ سموّك يهتمّ بي إلى حدٍّ ما.
لذلك… فعلتُ ذلك.”
“آه.”
“آسفة. فاجأتُك، أليس كذلك؟”
أمال رأسه قليلًا.
“أردتِ إظهار أنّني أهتمّ بك.”
“نعم….”
“هل هناك من يضايقك؟”
“ماذا؟ آه، لا.
ليس الأمر كذلك.”
“إذًا… لا شيء.”
كان على وشك أن يسأل شيئًا آخر،
لكنّه أغلق فمه بإحكام.
وبدلًا من ذلك، توجّه نظره إلى ريكس الواقف خلفه.
لا بدّ أنّه ينوي سؤاله عمل حدثَ.
وبما أنّني توقّعتُ ذلك،
لم أُبدِ أيّ ردّ فعل.
“آه، سموّ الدوق.”
“نعم؟”
“هل يمكنني أن آتي مجددًا؟”
“……”
“لن أزعجك.”
على الأقل، يجب أن تشعر الدوقة الكبرى بعدم الارتياح.
حين تعلم أنّني أزور هذا المكان باستمرار،
ستصبح أكثر تسرّعًا.
“لا بأس. لن تخبريني بالسبب، أليس كذلك؟”
“إيمكن أن يكفكَ معرفةُ أني أردتُ ذلكَ فقط؟”
“حسنًا. افعلي ما يريحك.”
إن كان سابقًا كسيفٍ حادّ، فهو الآن أشبه بسيفٍ خشبيّ.
لا يزال قادرًا على التهديد وإلحاق الأذى،
لكن حدّته خفّت قليلًا.
“وأيضًا…”
“ماذا الآن؟”
“شكرًا. للسماح لي باستخدام المكتبة.”
“آه.”
وعندها أقتربَ منهُ ريكس.
“سموّ الدوق. لديّ أمر أودّ إخبارك به.
هل لديك بعض الوقت؟”
“نعم.”
‘إذًا، سأخرج الآن.’
بدا أنّ لديهما حديثًا خاصًّا،
فانسحبتُ بهدوء.
من الواضح أنّ ريكس سيخبره بأمورٍ عنّي.
كنتُ أتوقّع ذلك،
لذا لم أشعر بالانزعاج.
قفزتُ بخفّة وخرجت.
“سأنتظركَ هنا يا ريكس!”
“سآتي فورًا، يا آيشا.”
“حسنًا!”
أغلقتُ الباب بيدي.
وفجأة،
شعرتُ بهدوءٍ غير طبيعيّ يخيّم على المكان.
خدمٌ يقفون أمام الباب.
وباستثنائهم،
كان الممرّ صامتًا بشكلٍ غريب.
ولهذا،
كانت نظرات المراقبة أوضح.
نظراتٌ تعود، بلا شكّ إلى أتباع الدوقة الكبرى.
ماذا يراقبون؟
الدوق؟
أنا؟
أم الداخلين إلى غرفته؟
هل يتركهم الدوق رغم علمه بذلك؟
‘على أيّ حال،
ما فعلتُه اليوم
لا بدّ أنّ الدوقة الكبرى لاحظته.’
كنتُ قد تصرّفتُ عمدًا لأنّ هناك من يتبعني أنا وريكس،
لكن حتّى دون ذلك،
كان الخبر سيصل إلى أذنها.
هل ستتواصل غدًا؟
لتسأل عمّا تحدّثنا به؟
أم ستُرسل مراقبين آخرين،
أو تستجوبني عبر الخادمات؟
بينما كنتُ غارقةً في هذه الأفكار…
“انتظرتِ طويلًا، أليس كذلك؟”
التعليقات لهذا الفصل " 64"