كانتِ المرأةُ التي تمتطي ظهرَ ذلك الزاحفِ المجنحِ لَتكونُ “إيرينا حتمًا….”
أدركَ بنيامين، بالطبع، أنَّ هناكَ احتماليةً كبرى لأنْ يكونَ هذا التكهنُ خاطئًا.
ورغمَ ذلك، لمْ يستطعْ التخلصَ من ذلك الشعورِ الذي تملكهُ.
ربطَ بنيامين كلَّ الحقائقِ التي اكتشفَها حتى الآن.
دونكان على علاقاتٍ وثيقةٍ مع نقابةِ “البطاطا الساخنة”، وبالتالي استغلها لإخفاء إيرينا، ولا بدَّ أنَّ إيرينا مرتبطةٌ بشركة “جينجيجو” للنقل.
و”جينجيجو” للنقل افتتحتْ حديثًا أولَ فرعٍ لها في جزر فيليا.
“جزر فيليا”.
وجدَ بنيامين في جزر فيليا مكمنَ الريبةِ الشديدة.
أصبحَ على يقينٍ بأنَّ إيرينا تختبئُ هناكَ كالفأرِ.
بطبيعةِ الحال، لمْ يسبقْ لبنيامينَ زيارةُ جزر فيليا إذْ لا صلاتَ له هناك.
كانَ بعضُ النبلاءِ يزورونها كمصيفٍ، لكنَّ بنيامينَ لمْ تكنْ له مثلُ هذه النزعاتِ الرومانسيةِ.
مصيف؟ لقد كانَ يفضّلُ تكريمَ ديانا على الاستمتاعِ بمثلِ هذه الأمور.
حسبَ أنَّ ذلكَ أفضلُ.
لكنْ، ما إنْ خطرَ ببالهِ أنَّ إيرينا قدْ تكونُ مختبئةً هناك، حتى أصبحَ مهتمًا بجزر فيليا.
لمْ يكنْ يهمُّ إنْ لمْ تكنْ إيرينا هناك.
كلُّ ما أرادَهُ بنيامينُ هو التثبّتُ من تلك الحقائقِ المثيرةِ للشبهاتِ بنفسِه.
لتحقيقِ هذه الغاية، كبّلَ أولاً “دونكان” الذي كانَ يتدخلُ في شؤونِه في كلِّ منعطف.
اشترى وحوشًا من الدرجةِ “سي” من السوقِ السوداءِ وجعلَها تهاجمُ مركزَ “تشيلس”.
وعندما تركزَ اهتمامُ “دونكان” على مركزِ “تشيلس” المتضرر، خططَ للتوجّهِ إلى جزر فيليا.
استطاعَ بنيامينُ الوصولَ إلى جزر فيليا بسرعةٍ بقفزاتٍ قليلةٍ فحسب، دونَ حاجةٍ لامتطاءِ وحوشٍ بدائيةٍ كتلك الزواحفِ المجنحة.
متحمسًا لفكرةِ لقاءِ إيرينا المحتمل، استطاعَ القفزَ لمسافةٍ أبعدَ بكثيرٍ من المعتاد.
ومعَ أنهُ لمْ يقتلْ أيَّ وحشٍ، إلا أنَّ الضوءَ البنفسجِيَّ في عينيهِ لمْ يخفتْ.
ماذا سيفعلُ إنْ قابلها؟
أكانَ سيتأكدُ من أنها لنْ تؤديَّ مثلَ هذا التمثيلِ مرةً أخرى؟
أكانَ سيسجنُها في قصرِ الدوقِ مكبلةَ اليدينِ والقدمين؟
كم سيكونُ رائعًا إبقاؤها في قفصٍ جميلٍ وجعلُها مرشدةً لهُ وحده؟
مجردُ تخيلِ ذلكَ بدا كافيًا ليُروي العطشَ الذي كانَ يعتصرُه منذُ اختفاء إيرينا.
أسرعَ بنيامينُ في خطواتِه باتجاهِ جزر فيليا.
وبينما كانتِ السماءُ القاتمةُ تُشرقُ وينجلي العالم، انبسطَ أمامَ ناظريْ بنيامينَ بحرٌ بلونِ الكوبالت.
ها هي جزر فيليا أمامَه.
***
في تلك الأثناء
في النهاية، وحتى مع حلولِ الليل، لمْ يردْ أيُّ اتصالٍ من رئيسِ النقابة.
لمْ أستطعِ النومَ لأني كنتُ قلقةً عليه.
“تُرى، هل جرّتِ الإمبراطورةُ باتريشيا رئيسَ النقابةِ إلى القصرِ الإمبراطوري؟”
بدوتُ أكثرَ قلقًا لأني أعرفُ هويتَهُ الحقيقية.
هذا لنْ يفيدَ.
سأحاولُ الاتصالَ بهِ فورَ بزوغِ الفجرِ غدًا.
إنْ لمْ أتمكنْ من الوصولِ إليهِ بعدَ ذلك، خططتُ لإرسالِ رسالةٍ.
<هل أنتِ حزينةٌ لعدمِ تمكنكِ من الاتصالِ برئيسِ النقابة؟>
همسَ بليس بهدوءٍ في أذني بينما كنتُ مستلقيةً بفتورٍ على السرير.
“أجل. لا شيءَ سيئٌ قدْ حدث، صحيح؟”
ـكييووو!
<هذا الرجلُ يدبرُ كلَّ شيءٍ بشكلٍ جيد، فلا تقلقي!>
“هذا صحيح. إنهُ شخصٌ قديرٌ جدًا.”
لهذا أيضًا، لا يسعني إلا أنْ أحبه.
ظلَّ بليس يواسيني، مؤكدًا أنه لنْ يحدثَ شيء. في أوقاتٍ كهذه، كانَ أشبهَ بأخٍ أكبرَ منه بطائر.
لكنْ، حتى معَ اقترابِ الفجر، وحتى بعدَ أنْ غفا بليس الذي كانَ يواسيني، لمْ أستطعِ النوم.
أخيرًا، غادرتُ النزلَ بهدوءٍ.
كانَ الضوءُ يتلألأُ وراءَ أفقِ البحر، إيذانًا بقربِ بزوغِ الفجر.
لمْ يكنِ الجوُّ مظلمًا جدًا في الخارج، مما جعلَ المشيَ الخفيفَ مثالياً.
جلستُ على مقعدٍ قربَ الشاطئ، حيثُ كانَ الأفقُ واضحًا.
الهواءُ الرطبُ الدافئ، صوتُ تلاطمِ الأمواج، السماءُ التي تشرقُ تدريجيًا.
كانَ كلُّ شيءٍ مثالياً لدرجةِ أنني تمنيتُ لو يتوقفُ الزمنُ للحظة.
وبينما كنتُ أتأملُ هذا المشهدَ الجميل، أشرقتِ الشمسُ بالكاملِ في غمضةِ عين.
عندها فقطْ تثاءبتُ تثاؤبًا واسعًا.
شعرتُ أنني سأغفو لو أويتُ إلى الفراشِ الآن.
وبينما كنتُ على وشكِ النهوض، أمسحُ شعري الذي شعرتُ ببللهِ من ماءِ البحر، أحسستُ بنظرةٍ تقشعرُّ لها الأبدانُ قادمةٍ من مكانٍ ما.
كانتْ نظرةً حادةً لدرجةِ أنها سببتْ لي قشعريرةً في عمودي الفقري.
“……”
رفعتُ قلنسوتي غريزيًا وأخذتُ أتلفتُ ببطءٍ حولي.
لكنْ، باستثناءِ بضعةِ صيادينَ استيقظوا مبكرًا، لمْ أستطعْ رؤيةَ أيِّ أحدٍ آخرَ حولي.
لمْ يكنْ هناكَ سوى اثنينِ أو ثلاثةٍ من الصيادين.
لمْ أستطعْ رؤيةَ أيِّ شخصٍ قدْ يوجهُ لي تلكَ النظرةَ المقشعرَّة.
“ما كانَ ذلكَ؟ هل كنتُ أتخيل؟”
غادرتُ الشاطئَ بسرعةٍ معَ بقائي يقظةً تجاهَ محيطي.
لكنْ، حتى عندما عدتُ إلى النزل، لمْ أرَ أيَّ شخصٍ مريب.
وتلكَ النظرةُ المقشعرَّةُ لمْ أعدْ أشعرُ بها أيضًا.
“ربما أتخيلُ أشياءَ لأنني لمْ أنمْ.”
معَ ذلك، بدا من الحكمةِ أنْ أبقى حذرةً لفترةٍ من الوقت.
علقتُ الفستانَ الذي ارتديتُه إلى قصرِ الكونتِ عميقًا في الخزانة.
معَ أنَّ الأمرَ مؤسفٌ، إلا أنهُ يبدو أنني لنْ أتمكنَ من الخروجِ من ردائي ذي القلنسوةِ لبعضِ الوقت.
***
بعدَ عودتي، نمتُ حوالي ساعةٍ أو ساعتين.
استيقظتُ مذعورةً على اهتزازِ ساعةِ الاتصالِ التي وضعتُها بجانبِ سريري.
كانَ المتصلُ هو رئيسُ النقابةِ الذي أقلقني.
“أعتذرُ عن التأخيرِ في الاتصال. كنتُ مشغولاً بمعالجةِ أمرٍ طارئ لدرجةِ أنني نسيتُ حتى عزيزتي… لا بدَّ أنني مجنون.”
في أيِّ وقتٍ آخر، كنتُ سأردُّ بمزاحٍ، سائلةً إياهُ إنْ كانَ مجنونًا حقًا، لكني كنتُ قلقةً حقًا على رئيسِ النقابة.
“ليسَ شيئًا خطيرًا، صحيح؟ أنتَ لمْ تُصبْ بأذى في مكانٍ ما؟”
“لا. ليسَ شيئًا خطيرًا، وأنا لمْ أُصَب. لكنني لنْ أتمكنَ من القدومِ إلى جزر فيليا لبعضِ الوقت.”
“لماذا؟”
“المنزلُ تضررَ قليلاً.”
“…ماذا؟ كيفَ هذا ليسَ خطيرًا؟”
“أنا قلقٌ من تسربِ ريحِ الليلِ إلى الداخل، لكن لا بأس. أنا بصحةٍ جيدةٍ على كلِّ حال.”
أيُّ جوابٍ هذا؟
على كلِّ حال، لا بدَّ أنَّ هذه طريقتهُ في قولِ “لا تقلقي، فالأمرُ ليسَ خطيرًا”.
لو كنتُ أعيشُ في العاصمة، لكانَ بإمكاني مساعدةُ رئيسِ النقابة، وهذا أمرٌ مؤسف.
أدركتُ فجأةً كمْ كانَ بعيدًا عني.
إذا واجهَ صعوبةً أخرى، وإذا لمْ أستطعْ أنْ أكونَ إلى جانبهِ حينها أيضًا…
فكرتُ في أنني لا أستطيعُ أنْ أكونَ سندًا لهُ لأننا لسنا معًا.
متى سنتمكنُ من أنْ نكونَ معًا مرةً أخرى؟
“أنتِ في ورطةٍ أكبرَ مني. عزيزتي لا تستطيعُ العملَ بدوني.”
“لَا-لا يمكنُ! انظرْ كيفَ أتدبرُ أموري بنفسي جيدًا الآن.”
أخبرتُهُ عن زيارتي لقصرِ الكونت، لقاءِ القطط، وتوظيف بوني التي تعرفُ غابةَ باندورا جيدًا.
بعدَ أنْ استمعَ بهدوءٍ لقصتي، تحدثَ رئيسُ النقابةِ بصوتٍ منكمشٍ نوعًا ما.
“…كانَ يجبُ أنْ تشعري بكمْ أنا ثمين لا تصبحي قادرةً جدًا على فعلِ الأشياء.”
“لكنَّ العملَ لا يمكنُ أنْ يفشل، أليسَ كذلك؟”
“العملُ يجبُ أنْ ينجحَ، لكن يجبُ عليَّ دائمًا أنْ أتأكدَ من وجودِ مجالٍ لي لمساعدةِ عزيزتي…”
“ت-توقف! هذا الطلبُ صعبٌ جدًا.”
ودعني رئيسُ النقابةِ وهوَ يُصدرُ ضحكةً مكتومة.
“يجبُ أنْ أذهبَ الآن. حتى لو اشتقتِ لي، أرجوكِ تحملي لبضعةِ أيام.”
“أجل، سأتصلُ بكَ إنْ طرأَ شيء!”
“اتصلي بي حتى لو لمْ يطرأْ شيء. حتى لو لمْ أستطعِ الردَّ فورًا، سأردُّ بالتأكيدِ لاحقًا.”
“حسنًا. إذاً إلى اللقاء…”
ندمتُ على إنهاءِ الاتصالِ وأنا لا أزالُ نصفَ نائمة. شعرتُ بثقلِ كلمةِ “إلى اللقاء”.
لمْ أستطعْ رفعَ عينيَّ عن ساعةِ الاتصالِ حيثُ انقطعَ الاتصالُ لبعضِ الوقت.
***
كانَ اليومُ هو يومُ خروجِ بليس الرسمي.
لقدْ ذهبَ لمقابلةِ أصدقائِه في الغابة.
كانَ يخططُ للعودةِ قبلَ المساء.
ذاهبةً إلى العملِ وحدي لأولِ مرةٍ منذُ مدة، استقبلتُ ماركو وبوني اللذينِ كانا موجودينَ هناكَ بالفعل.
“مرحبًا، يا أحبابي!”
عندها، ردَّ كلٌّ من ماركو وبوني، وحتى نيرو الذي كانَ هناكَ منذُ ما قبلَ أنْ أدري.
“مرحبا، سيدتي!”
ـ”مياااااااو”
«نَعَــمْ.»
ما إنْ جلستُ على مكتبي حتى وضعتْ بوني المستنداتِ عليه.
“لقدْ وجدتُ الطريقَ الأمثلَ بناءً على ما ذكرتِهِ بالأمس.”
“أنهيتِ ذلكَ بالفعل؟!”
بالأمس، طلبتُ من بوني إيجادَ طريقٍ آمنٍ وسريعٍ من جزر فيليا إلى العاصمة.
معَ وعدٍ بدفعِ الأجرِ المناسبِ مقابلَ المعلومة.
ظننتُ أنَّ الأمرَ سيستغرقُ بضعةَ أيام، لكنها أنهتهُ بالفعل.
“أجل. كما أخبرتُكِ، أنا أعرفُ غابةَ “باندورا” أفضلَ من أيِّ أحدٍ آخر.”
“رائع. شكرًا جزيلاً!”
تفحصتُ المستنداتِ بسرعة.
كانَ الطريقُ الأمثلُ مُحددًا بالتفصيلِ على الخريطة. حتى القططُ ستستطيعُ فهمَها.
في تلكَ اللحظة، استخدمَ “نيرو” فخذي كسلمٍ ليتسلقَ على المكتب.
وبينما كنتُ أمسحُ على فراءِ “نيرو” الأسودِ الفاخر، شرحتُ للقططِ مهامَّها.
“ستستخدمونَ هذا الطريقَ للتنقلِ بسرعةٍ بينَ العاصمةِ وجزرِ فيليا، لتنقلوا الطلباتِ الصغيرةَ والأشياءَ التي تتطلبُ توصيلاً سريعًا. هل فهمتم؟”
لنبدأْ بتوظيفِ القططِ لتوصيلِ الطلباتِ الصغيرةِ أولاً.
إذا أدتِ القططُ عملَها بشكلٍ جيدٍ في هذه المهمةِ وارتفعتْ سمعةُ شركةِ “جينجيجو” للنقل، عندها لنْ يكونَ قدْ فاتَ الأوانُ للبحثِ عن حيواناتٍ أخرى لتوسيعِ العمل.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 99"