همهمة.
صَفَّيتُ حلقي وبدأتُ أُعرِّفهم بشركة النقل الخاصة بنا.
“سيّدنا يمتلك قدرة غامضة، يمكنه التواصل مع بعض الوحوش الذكية. تعمل شركة النقل لدينا بالتعاون معهم.”
“تلك قدرة لم أسمع بها من قبل.”
ارتفع صوت الكونت سكوت لأول مرة بعد أن كان يتحدث طوال الوقت بكل هدوء.
أيقنتُ أن هذا التغيُّر كان إيجابيًا.
شَجَّعَني هذا الأمر، فظللتُ أُثني على إنجازات “البتيروس” حتى انقطعَ نَفَسي.
أخبرته كم هي بارعة في نقل المرشدين والمُتحكمين.
“…لو تلقينا مساعدةً من وحوش أو حيوانات تَعرف غابة باندورا جيدًا، لأمكننا بالتأكيد توفير البضائع بسرعة وبتكلفة زهيدة.”
“بالضبط!”
سبب وصول البضائع من العاصمة متأخرة إلى جزر فيليا لا يقتصر فقط على خطورة غابة باندورا، بل أيضاً لارتفاع تكاليف النقل.
فبسبب التكاليف الباهظة، لا يمكنهم النقل بشكل متكرر، وعند نقل عدة بضائع دفعة واحدة، تَنْفَد الأدوية أو بعض السلع أحيانًا.
“إذاً، هل لدى مُديرة الفرع أنيا حيوانات أو وحوش معينة في ذهنها؟”
“أجل، بالطبع! سمعت أن العديد من التجار في جزر فيليا يَتَصَدَّعون صداعًا من مشكلة القطط.”
“هذا صحيح.”
“القطط غالبًا ما تسرق السمك، لكني سمعت أنك تمنع إبادتها…”
سألني الكونت سكوت بنبرة تحقيق حادة.
“إذاً، هل تريدين انتقادي لأنني أمنع قتل أرواح بريئة؟”
“كلا. أردتُ أن أقترح أن نستفيد من تلك القطط.”
“القطط…؟”
“أجل، فبدلاً من أن تكون لصوصًا مزعجين يسرقون السمك، لنجعلها قططًا شريفة تحصل على السمك بعد أداء عمل مُوكَل إليها.”
“أرى أنك تقترحين استخدام القطط لجلب البضائع من العاصمة.”
“هذا صحيح. إنها سريعة، صغيرة الحجم، وذكية بما يكفي لتوصيل البضائع بشكل رائع مع أنها لن تستطيع نقل العناصر الضخمة، بالطبع.”
أطرق الكونت سكوت صامتًا، وهو يُفكر في اقتراحي.
عندما نظرتُ إلى كاين، الذي كان يُنصت بهدوء لحديثنا، وجدته يبتسم باستحسان.
لم يبدُ أن رأيه في اقتراحي كان سلبياً.
“أيها الكونت. أعتقد أن هذا ليس اقتراحًا سيئًا. أو ربما، ما رأيك في تجربته تجربةً أولية عدة مرات؟”
قال كاين هذا وهو يغمز لي، مُتجنبًا عيني الكونت.
بدا وكأنه يريد مساعدتي، لأنني ساعدته من قبل.
“أوافقك الرأي. مُديرة الفرع أنيا، ما رأيك في إجراء تشغيل تجريبي كما اقترح كاين؟”
“بالطبع هذا ممكن! شكرًا لكم على إعطائنا الفرصة!”
ألا أستطيع التعامل مع هذا الأمر بمفردي بهذه البراعة، دون الحاجة إلى رئيس النقابة؟
شعرت وكأن الأيام الجميلة فقط هي التي تَحلُّ عليَّ منذ وصولي إلى جزر فيليا.
على الرغم من نوبات سعاله الجاف، أصر كاين على مرافقتي إلى العربة.
“لا يمكنني، كح، كح، أن أترك سيدة تذهب وحدها، كح، في الليل.”
شخص يبدو مريضًا أكثر مني، ربما كان عليه أن يستريح…
لم أستطع قول ذلك، واكتفيت بالأمل أن لا يُصاب كاين بالإعياء في الطريق.
لحسن الحظ، استطاع كاين فتح باب العربة دون أن يفقد وعيه.
“أنيا، أرجو أن تعودي بسلام.”
“أجل! سأتصل بك مجددًا.”
“…آه. لكنني تذكرت شيئًا أشعر بالفضول حياله، هل لي أن أسأل؟”
“أجل. تفضل.”
“حتى لو كان المرء يستطيع التواصل مع الحيوانات، فأنا أتساءل إن كانت القطط ستتعاون.”
“هل من سبب؟”
“هناك قطط هنا أكثر شَرَسًا، تجيد الاقتحام والسرقة، أكثر من القطط الأليفة.”
“لا تقلق بشأن ذلك. شركتنا لديها سلاح سري.”
فَتَحَ كاين شفتيه على شكل دائرة، وبدا مندهشًا لأنني أخذت حتى هذه النقطة بعين الاعتبار.
“أنا متشوق جدًا لرؤيته.”
سواء في العالم الذي عشتُ فيه أو في عالم هذه الرواية، تبقى القطط في النهاية قططًا.
مع أنني لم أربِّ قططًا بنفسي، إلا أنني أعرف ما الذي يُجننها.
أظن أن ذلك كان بفضل مشاهدتي المتكررة لمقاطع الفيديو التي تعرض الحيوانات.
وَدَّعتُ كاين بابتسامة ماكرة.
“كاين! سأذهب الآن!”
“إلى اللقاء إذاً.”
***
في اليوم التالي، تَمشَّيْتُ في شوارع جزر فيليا وأنا أحمل “سلاحي السري”
بدون أن أفعل شيئًا، بدأت القطط المختبئة في أرجاء الشوارع تظهر الواحدة تلو الأخرى وتتبعني.
كالأطفال الذين يتبعون عازف المزمار.
القطط التي كانت تتبعني وكأنها مَسحورة، كانت جميعها في حيرة.
مواء؟
‘ما هذه الرائحة الرائعة؟’
لم تستطع التفكك عني، مفتونة بالرائحة التي تنبعث مني.
أخذ القرويون يُهمسون في دهشة وهم يشاهدون العشرات من القطط تتبعني.
“انظر إلى ذلك الشخص المُرْتَدي الرداء. إنه يقود كل القطط بعيدًا.”
“تُرى ما الذي يريده؟ ما خطته بكل هذه القطط التي تجمعت؟”
ما الذي أنا بصدد فعله؟
سأقنعها بلطف وأجعلها مفيدةً للجميع.
غادرت وسط المدينة وتوقفت في طريق هادئ خالٍ من الناس.
“لنرى، لنرى. حوالي عشرين قطًة إجمالاً.”
قطط بلون الجبن، مُنقطة، ثلاثية الألوان… قطط بألوان متنوعة كانت تَمْؤُ لي.
وبالترجمة، هذا يعني شيئًا مثل ‘ما هذه الرائحة التي تفوح منك؟ إنها تُجننني.’
“هل يمكنك أن تدلّني على مكان قطكم الرئيسي؟ عندها سأدعك تشم هذه الرائحة بقدر ما تريد.”
تسابقت القطط لتقودني إلى المكان الذي يوجد فيه قطهم الرئيسي.
تبعته بصمت، فالقطط قد سبقتني بالفعل.
أخيرًا، توقفت القطط أمام منزل مهجور.
عندما دخلت، رأيت قطًا ضخمًا يجلس على أريكة فردية بالية.
لابد أن هذا هو القط الرئيسي.
كان القط الرئيسي ضخمًا يكاد يصل إلى فخذي.
بدا وكأنه أضخم قط رأيته على الإطلاق.
فراؤه الشديدُ السواد كان يلمع ببريق لامع.
ولأن فراءه لم يكن متعقدًا، فقد أعطى انطباعًا بأنه قطة منزلية يعتني بها أحدهم، وليس قطًا ضالاً.
اتجهت نحوي عينا القط الذي كان يجلس باستكبار.
تلك العينا الكهرمانيتان الغامضتان اللتان تكادان تُنيران الظلام، كانتا جميلتين حقًا
لكن، مهما كان جميلاً، لم أستطع الاستهانة به.
فوجوده كان يُفِيضُ ضغطًا، والندبة الطويلة فوق عينه اليمنى جعلت هيبته أكثر إرهابًا
كان لدي شعور بأنه حتى سلاحي السري الذي يُجنن القطط، لن يؤثر فيه.
استمر التواصل البصري لبعض الوقت.
القط الرئيسي كان أول من تحرك.
وَضَعَ قدمًا على الأرض بضجة! ثم باقتضاب وبحركات خفيفة مدهشة، اقترب من قدمي في قفزة واحدة.
هل… هل سيعضني؟
انكمشت لا إراديًا قليلاً.
عن قرب، كان حجم القط الرئيسي مُفزعًا أكثر.
سرعان ما سمعت مواءه.
مواء.
‘اسمي نيرو.’
“ن-نعم، مرحبًا نيرو؟ أنا أنيا. جئتُ أبحث عنك لأن لدي أمرًا أريد مناقشته معك.”
القط الرئيسي، أي نيرو، لم يُجب، بل أحضر فأرًا صغيرًا من مكان ما.
ولم يكن هذا فقط ما أحضره.
سمكة، حذاء، قفازات، حتى جوارب…
بعد أن كَوَّمَ هذه الأغراض الغريبة عند قدمي، فتح نيرو فمه واسعًا.
كانت تعابير وجهه جادَّة للغاية.
مواء، مواء.
‘أيها الإنسان، هل تتزوجيني؟’
نيرو الذي تقدَّمَ لي، حَكَّ وجهه بساقي.
عندها، شعرت بتوترى الخفيف يزول تمامًا.
‘يا له من طلب زواج لطيف، لا يتناسب إطلاقًا مع هيبته المُخيفة.’
مع أنه تقدم لي على الأرجح لأنه كان مفتونًا بالرائحة التي كنت أُفوح بها.
رَبَّتَ على وجه نيرو بلطف.
ملمس الفراء، غير الناعم تمامًا بل الخشن قليلاً، كان مُمتعًا حقًا.
***
“… إذاً، ما هو مصدر تلك الرائحة بالضبط؟”
سأل ماركو الذي كان يستمع بهدوء لقصة تجنيدي للقطط.
كنتُ قد عدتُ لتوي إلى الفرع بعد لقائي بها.
“ما الذي يلعب به نيرو الآن هو سر هذه الرائحة. إنها…”
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 97"