في اليوم التالي، وما إن بدأت الشمس بالميلان نحو المغيب، حتى قصد لامبرت متجر البطاطس بالجملة.
بعد أن أخضع العمال الذين حاولوا منعه من الدخول بيدٍ واحدة، ولج إلى داخل المتجر حيث استقبلته عجوز.
“ما الذي جاء بك إلى هنا؟”
“أعلم أن هناك نقابة معلومات في الطابق السفلي. أريد الوصول إلى ذلك المكان.”
“قل كلمة المرور.”
“لا أعرف أي كلمة مرور لكنني ما زلت بحاجة للدخول.”
“بدون كلمة المرور، لا يمكنك الدخول.”
لم يستطع لامبرت أن يعامل العجوز كما عامل العمال، فما كان منه إلا أن أطلق هالةً من الترهيب تجاهها.
كان واثقًا بأن ثقلًا ساحقًا سينطبق على كتفيها، لكن وجه العجوز بقي هادئًا تمامًا.
“لا أريد استعمال القوة مع امرأة عجوز. دلّيني على الطريق وأنا أطلب ذلك بلطف.”
“ما زال الأمر مستحيلاً. هذه هي القاعدة. فإذا لم نلتزم بها، فما الفائدة من وجودها؟”
“لقد أعطيتك فرصة…”
أخيرًا، سل لامبرت أحد سيفيه.
وفور أن كاد طرف السيف يلمس العجوز، وإذ برجل قد اقترب دون أن يُصدر صوتًا يدفع سيفه جانبًا بشيء ما.
“العنف ممنوع هنا أيها الزبون.”
كان الرجل المقنّع تفوح منه ثقة.
ظن لامبرت أن السبب سلاحٌ ما مذهل، لكن الذي حدث كان مفاجئًا، فقد دفع الرجل سيفه بالجزء الخشبي من مكنسة!
أن يواجهه بخشبةٍ يُمكن تقطيعها بسهولة لو أنه استعمل قوته.
ارتسمت على وجه لامبرت علامات الذهول.
“هل أنت تابع للنقابة؟”
“أرجو المغادرة وأنا أطلب ذلك بلطف أيها الزبون.”
“لا بد أن أقابل رئيس هذه النقابة.”
“لا يمكنك مقابلته دون كلمة المرور حقًا، أنت تجعلني أكرر كلامي.”
“إذا كان موقفك هكذا، فلن يكون أمامي خيار سوى استعمال القوة.”
كان العودة إلى قصر الماركيز لمعرفة كلمة المرور ثم المجيء إلى هنا أمرًا شاقًا للغاية. أراد لامبرت أن يجد إجاباتٍ لأسئلته كلها الآن.
تشبّثت اليد التي كانت تمسك سيفه باسترخاء.
استقام طرف سيفه.
ولما رأى الرجل ذلك، تراجع خطوتين للوراء.
لا بد أنه خائف من سيفه رغم ثقته الزائفة التي أبداها قبل قليل.
يا له من مثير للشفقة.
لكن شفتي الرجل الظاهرتين كانتا مرتفعتين لأعلى.
“….ابتسامة؟”
في تلك اللحظة، دوّى صوت الرجل، وقد علته نبرة استمتاع، منخفضًا.
“حيز البطاطس.”
حيز… ماذا؟ قبل أن يستوعب لامبرت تلك الكلمات، تكلم الرجل مجددًا.
“استدعاء البطاطس!”
ما إن انتهت تلك الكلمات، حتى ظهرت البطاطس من العدم كالفيض، تندفع نحو كالموجة.
“……!”
دُفن لامبرت تحت كومة البطاطس وقُذف به إلى خارج متجر الجملة.
بعد أن هوى على مؤخرته دون مهابة، غمره شعورٌ بغيظ الإهانة.
رغم أنه حارب عددًا لا يُحصى من الوحوش حتى الآن، إلا أنه لم يسقط قط بهذه الطريقة المثيرة للسخرية.
أن يُجرف بواسطة البطاطس؟
“أيها…!”
قفز لامبرت على الفور وحاول الاندفاع مجددًا إلى داخل متجر البطاطس بالجملة.
لكنه لم يستطع عبور المدخل الواسع المفتوح.
وكأن جدارًا صلبًا غير مرئي قد ظهر!
ضربه عدة مرات بسيفه، لكن النتيجة كانت نفسها.
لم يستطع أن يخطو خطوة واحدة إلى داخل متجر البطاطس.
ثم اقترب منه الرجل صاحب المكنسة، الذي كان قد ألقى ذلك السحر العجيب عليه، ببطء.
“تهانينا! لقد تم اختيارك للقائمة السوداء لدينا. لن تتمكن من دخول هذا المكان مجددًا أبدًا.”
“أي خدعة استعملتها؟”
ابتسم الرجل ابتسامة عريضة وقال ما يريد قوله.
“الشعور بالعجز رغم امتلاكك القوة، أمر بغيض أليس كذلك؟ كان الأجدر بك أن تكون مهذبًا من البداية.”
“اخرس أيها الوغد المريض.”
“حسنًا، إذاً، أتمنى لك عودة آمنة.”
أغلق الرجل المدخل بعد أن ودّعه.
وقف لامبرت هناك مذهولًا، ثم زفر زفيرًا عميقًا.
يبدو أنه استهان بمهمة دخول النقابة.
“هل ذلك الرجل، هل هو مستبصر؟ هل هو تابع لمركز تشيلس؟”
كل المستبصرين الذين تظهر قدراتهم كانوا يُبلَغ عنهم ويُجنّدون من قبل القصر الإمبراطوري.
بالطبع، ليس كلهم يعملون في مركز تشيلسي، بل يُوزّعون على الأماكن المناسبة وفقًا لقدراتهم.
بين المستبصرين الذين يعرفهم لامبرت، لم يكن هناك من يمتلك تلك القدرة الغريبة التي شهدها للتو.
لكن في تلك اللحظة، تذكر فجأة شيئًا قاله والده منذ زمن بعيد.
“أحد العاملين في القصر استعمل قدرة غريبة.”
قال والده إنه شهد تلك القدرة بالصدفة أثناء زيارته للقصر.
ماذا أيضًا قال والده في ذلك الوقت؟
“لن تصدق أشياء تندفع من العدم، كان منظرًا مهولًا.”
يبدو أنها نفس القدرة التي أمطرت البطاطس من العدم.
ربما يعرف والده هوية ذلك الشخص في القصر الذي استعمل تلك القدرة.
بعد أن أنهى أفكاره، عاد لامبرت إلى قصر الماركيز. وكانت عيناه تغشاهما رغبة القتال.
وبعد عدة ساعات، بدأ شخصٌ آخر يحوم حول متجر البطاطس بالجملة.
تفوح منه رائحة عطر قوية لا تتناسب مع رائحة التراب المنبعثة من متجر البطاطس، إنه ارون.
وكما يليق بكونه الأكثر أناقة بين الرجال الثلاثة، كان حتى يرتدي نظارات أنيقة.
الرجل الذي طرد لامبرت، أي رئيس النقابة، راقب ارون بهدوء.
“هيلين، ما المميز في اليوم؟ لماذا يوجد زبائن بهذا العدد؟ هل أصبحنا مشهورين؟”
العجوز التي تدعى هيلين ضحكت.
“هوهو. الزبائن الأكثر دائمًا أفضل يا سيدي.”
“هذا صحيح، لكن زبائن اليوم ذوو نوعية رديئة. لا أريد حتى بيعهم معلومات.”
رئيس النقابة، بينما يفكر في كيفية طرد ارون، ظن أن الرجال الثلاثة لا بد أنهم لاحظوا وجود صلة ما بين نقابته وإيرينا.
إن لم يكن ذلك، فربما يريدون تقديم طلب يتعلق بإيرينا.
“كاحتمال أخير، ربما تبعوا الزبونة أوليفيا.”
على أي حال، يبدو من المؤكد أن النقابة قد اكتُشفت.
حسنًا، إن اكتشاف أمرها من قبل الناس ليس بالضرورة سيئًا لوسيط معلومات.
فحتى لو سأل الرجال الثلاثة عن إيرينا، لن يكون جوابه الوحيد سوى “إنها ميتة”، لذا فلا داعي للقلق كثيرًا.
المزعج فقط هو الاضطرار للتعامل مع كل واحد منهم.
لولا الحاجز الذي نصبه مستخدم قدرة الحاجز في النقابة، لاضطر للقتال مع لامبرت وقتًا طويلاً.
“سيدي، ماذا نفعل؟”
“ماذا أيضًا؟ دعهم يدخلون إن كانوا يعرفون كلمة المرور، واطردهم إن لم يعرفوها. اتبع قواعدنا.”
“أجل، سيدي.”
“آه، وأرسل فاتورة الأضرار التي سببها لامبرت سابقًا ونفقات علاج المصابين إلى قصر الماركيز هايدغر ضاعف المبلغ لأني منزعج.”
“أجل، سيدي.”
عندما دمروا المركز وهم يتقاتلون، كم كلّفه ذلك؟
لذا، هذه المرة، ينوي انتزاع مبلغ ضخم من لامبرت.
بعد قليل، ارون الذي دخل متجر الجملة، كان يعرف كلمة مرور النقابة بشكل مدهش.
من الواضح أنه حقق في أمر النقابة بدقة أكبر من لامبرت.
وهكذا، استطاع ارون أن يقتحم مكتب رئيس النقابة بكل وقار.
‘ليس سيئًا؟’
ابتسم رئيس النقابة بخفة وهو ينظر إلى ارون الجالس أمامه.
“إذاً أنت رئيس النقابة.”
تكلم ارون بصوت متعالٍ وحدّق في رئيس النقابة بعينين متغطرستين.
“مرحبًا بك في نقابة العسل والزبدة أيها الزبون. هل لديك طلبات لنقابتنا؟”
“لدي. وإلا لماذا سأتكبد عناء المجيء إلى هنا مع انشغالي الشديد؟”
“تفضل أخبرني آه، قبل ذلك، أرجو أن تكون على علم بأن رسوم طلبات نقابتنا باهظة الثمن.”
“تظن أنني، ارون، لا أستطيع تحمل هذا المبلغ؟”
“هاهاها…”
“لا تقلق بشأن المال، فقط تأكد من تنفيذ طلبي كما ينبغي.”
“هاهاهاها…”
“ما هذه الضحكة المزعجة؟”
انظر من الذي بدأ بالإزعاج أولاً.
فكر رئيس النقابة في طرد الرون حتى الآن.
لكن أولاً، لا بد من سماع طلب ارون.
“ما نوع الطلب الذي لديك؟”
“هناك مرشدة تدعى إيرينا أُبلغ عن موتها مؤخرًا. كانت تابعة لمركز تشيلس أعلم أنها قبل حادثتها، أتت إلى هنا عدة مرات.”
“…”
“أريد أن أعرف إن كانت إيرينا قد مرت بمتجر البطاطس بالجملة فحسب، أم أنها أتت إلى النقابة لتقديم أي طلبات.”
“…”
“بالطبع، حدسي الثاقب يوحي بأن إيرينا قد أتت بالفعل إلى هذه النقابة.”
كان طلبًا غير متوقع تمامًا.
فبدلًا من أن يسأل إن كانت إيرينا ميتة حقًا، أراد التحقيق في الأمر الذي كانت تبحث فيه.
بدا أنه يرى جانبًا جديدًا من ارون، الذي كان يظنه سطحيًا.
انحنى رئيس النقابة إلى الأمام، مستشعرًا أن هذه المحادثة قد تصبح مثيرة للاهتمام.
“أولًا، سأجيب على طلبك بخصوص ‘ما إذا كانت المرشدة إيرينا قد مرت بمتجر البطاطس بالجملة أم أتت إلى النقابة’.”
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 86"