أمضي وقتي بالعمل في مكتبي بالعاصمة، وأعيش في طابق آخر من نفس المبنى.
بصراحة، في البداية، عندما وجدت نفسي وحيدة، كنتُ أخشى أن يأتي بنيامين ليختطفني مجددًا.
بل إن الأرق منعني من النوم لبعض الليالي.
لكن يبدو أن بنيامين ليس مجنونًا تمامًا، أو ربما استخلص العبرة من حادثة الاختطاف السابقة، إذ بقي هادئًا أكثر مما توقعت.
كل ما فعله هو إرسال بعض الهدايا الغامضة بين الحين والآخر.
كطعام للطيور الصغيرة، أو إكسسواراتٍ لها.
أظن أنه يتذكر كم كنتُ أعشق تلك الطيور الصغيرة خلال الفترة التي قضيناها معًا.
بالطبع، هناك أيضًا أسباب ظاهرية تمنع بنيامين من التصرف بحماقة.
أولاً، هناك داميان، الأمير الإمبراطوري، الذي يقف خلفي بكل قوة.
بل إن داميان خصّص حراسًا شخصيين ليحيطوا بي دائمًا، لضمان أمني حتى في غيابه.
أي حبيب هذا الذي وهبني إياه القدر!
والأمر المفاجئ الآخر هو أن أوليفيا تراقب بنيامين بدقة متناهية.
فبعد خروجي من القصر، ظلت أوليفيا تزور مكتبي باستمرار لتخبرني بما يحدث في الوسط.
فمثلاً… أخبرتني بمآلات أمر ارون ولامبرت.
“لقد تحول ارون ولامبرت إلى شخصين مثيرين للسخرية. الجميع يضحكون سرًا عند رؤيتهما تأثير تلك اللافتة كان هائلاً.”
هكذا أخبرتني بأخبارهما التالية.
فبعد تلك الفضيحة المدوية، توقفا عن إرسال أي هدايا تُذكر إليَّ.
من الواضح أن كبرياءهما جُرح بشدة، وهو ما كنت أصبو إليه، لذا لم أكن لأشفق عليهما قيد أنملة.
“وهل يضايقانك أنتِ أيضًا، آنسة أوليفيا؟”
“للأسف، يبدو أنهما لا يزالان يرغبان في رؤيتي كبديلة لديانا. لكنني أرفض بمهارة بالطبع.”
أنا نفسي أشعر بالفضول لمعرفة مصير أوليفيا.
فمن خلال ما رأيته في القصر، يبدو أن هناك احتمالًا لأن تتطور العلاقة بينها وبين بنيامين.
أتمنى من كل قلبي أن يحدث ذلك، فهذا سيزيل أكبر مصدر للقلق في حياتي.
“وماذا عن علاقتكِ بـبنيامين؟”
“ما زلتُ مهتمة به، لكن يبدو أن بنيامين يحتقرني بعض الشيء بسبب الأحداث الأخيرة. والمثير للسخرية أنه، ربما لأنه يراني امتدادًا لديانا أيضًا، فإنه يعاملني بلطف أحيانًا.”
عند سماع ذلك، بدا لي أن الأحداث تسير كما هو متوقع في الرواية الأصلية.
على أي حال، لنعد إلى ما كنا فيه.
السبب الأكبر الذي يمنع بنيامين من الاقتراب مني هو أمر آخر تمامًا.
حدقتُ في أرجاء المدينة من خلال نافذة مكتبي الكبيرة.
“يا له من وجه جميل أملك!”
ففي كل زاوية من المدينة، كانت تُعلَّق لافتات تحمل شعار: “شركة جيجينجو للنقل! ننقل لكم كل شيء”.
وكانت صورتي مرسومة بكل فخر على تلك اللافتات.
بعبارة أخرى، لم يعد هناك من لا يعرفني في العاصمة على الأقل.
لقد جعلت من نفسي مشهورة عن قصد، لمنع هؤلاء الثلاثة الأشرار من الإقدام على أي حماقة ضدي.
ما الذي يعنيني أن تنتشر صورتي؟!
فذلك أهون بكثير من أن أُختطف فجأة وأُبتز.
وبفضل جمالي الأخّاذ على ما يبدو، بدأ بعض المهتمين بي يتوافدون على شركتنا ويطلبون خدماتنا.
ارتفعت المبيعات، وازدادت المكانة.
لقد كان قرارًا تجاريًا موفقًا بكل المقاييس.
لكن المشكلة كانت في شيء آخر.
‘أنا أشتاق إلى داميان…’
ظننتُ أنه نظرًا لوقوع مبنانا بجوار مقر نقابة “البطاطا الساخنة” مباشرة، سأتمكن من رؤيته كثيرًا حتى بعد خروجي من القصر.
لكن داميان كان أكثر انشغالًا مما توقعت بكثير.
أخبرني أنه بفضلي وبفضل كين، انكسرت شوكة الإمبراطورة باتريشيا، لكنه سيظل مشغولًا بمراقبتها وعدم إغفالها لحين اعتلاء كين منصب الإمبراطور.
ولهذا بالكاد أرى وجه داميان.
وحتى عندما أراه، تكون لقاءاتنا قصيرة للغاية.
بل إني أشعر أنني أرى إيفانز، مدير المركز الجديد، أكثر مما أرى داميان نفسه!
‘ألا يمكن لكين أن يصبح إمبراطورًا بسرعة؟’
لكن ماذا لو انهار كين فجأة بسبب مرضه؟
هززت رأسي نافيًة تلك الأفكار المشؤومة.
لا داعي للتفكير في مثل هذه الأمور.
فكين بدا بصحة جيدة في القصر، لا تظهر عليه أي علامات مرض.
تنهدت بعمق ورفعت رأسي إلى السماء، فإذا بعربة طائر عملاقة فاخرة، يبدو أنها تقل ركابًا، تمرُّ أمام ناظريّ.
كانت الطيور العملاقة، التي أتقنت تكبير أحجامها، تجر العربات باقتدار.
‘أحسنتِ الأداء أيتها الطيور الصغيرة.’
كانت الطيور تعمل في شركتنا تحت قيادة زعيم القطيع بليس.
وفي مقابل ذلك، وفّرتُ لها مأوىً كبيرًا وواسعًا وغذاءً وافرًا.
كان ذلك المأوى هو المبنى المهجور الذي شاهدنا فيه الألعاب النارية مع داميان سابقًا.
بالطبع، قمنا بتجديد المبنى من الداخل ليكون صالحًا لسكن الطيور.
لقد أحبت الطيور ذلك المكان الفسيح كثيرًا.
وقد تتكاثر أعدادها هناك في المستقبل.
ظللتُ أنظر إلى العربة وهي تشق السماء حتى اختفت عن عينيّ.
كم كان منظره مريحًا!
يبدو أنني كنتُ منغمسة في مشاعري أكثر من اللازم، حتى فاتني إحساس باقتراب خطوات من خلفي.
عندما استدرت، كان هناك رداء ثقيل يهبط على كتفيّ.
“داميان؟”
“ما الذي كنتِ تحدقين فيه بكل هذا التركيز؟ ألم تكوني تشتاقين إليَّ؟”
قبّل جبهتي قبلة خفيفة كتحية.
“بالطبع اشتقتُ إليك. كنتُ أفكر فيك.”
“هل تريدين العودة إلى القصر الإمبراطوري؟ غرفتك ما زالت كما هي.”
“وماذا عن مشروعي إذاً؟”
“الاستمرار فيه من داخل القصر… قد يكون هناك بعض الصعوبات فيما يخص المسافة والتواصل، أليس كذلك؟”
“لكني أرغب في أن أراك يومًيا.”
“وأنا كذلك، ولهذا أعمل بجدية أكبر.”
“وماذا تفعل بالضبط؟”
“هذا سر في الوقت الحالي.”
نظرتُ إليه باستغراب.
“سر؟ أتريد أن تبدأ بإخفاء الأسرار عني الآن وقد تباعدنا قليلا”
لكن داميان تجاهل استغرابي وتظاهر بعدم الفهم.
“من قال أننا تباعدنا؟”
“…!”
“ها نحن قريبان هكذا.”
بل إنه ابتسم ابتسامة ماكرة وتقدّم خطوة أخرى نحوي.
وفجأة، أصبحنا قريبين جدًا من بعضنا بلا فراغ.
كان ينظر إليَّ بتلك العيون الجميلة نظرة تكاد تلتهمني.
مع أننا لسنا جديدين على هذا القرب، إلا أن تنفسي أصبح متعثرًا.
وكأن استغرابي قبل لحظات لم يكن له وجود، شعرت بوجهي يحترق.
دفعت صدره برفق.
“أنت… أنت قريب جدًا.”
“أتكرهين ذلك؟ إن كنتِ تكرهينه، فسأبتعد فورًا.”
“ليس لأني أكرهه… لكن، هل ستبقي السر طيَّ الكتمان؟”
“تمهلي قليلًا فقط. ستسمعين قريبًا أخبارًا ممتعة جدًا.”
أخبار ممتعة؟ ما هي؟
قبل أن أكمل التفكير، طبع شفتيه على شفتيّ كأنه يمنعني من المزيد من الأسئلة.
♦♦♦
بعد بضعة أيام، حضرتُ حفلةً أقامها القصر الإمبراطوري.
‘أتراها تلك الأخبار الممتعة تتعلق بهذه الحفلة؟’
خاب ظني.
منذ أن تحطمت أوهامي حول الحفلات، لم أعد أتوقع منها شيئًا.
فالتجول بين المحال التجارية المنتشرة في الأسواق كان أمتع لي بكثير من حضور حفلة والاصطدام بنبلاء مجهولين في صراعات نفسية.
وكان شراء أسياخ السمك المشوي من جزيرة فيليا أطعم وألذ!
عزمتُ على سؤال داميان عن سبب دعوته لي لهذه الحفلة بالذات.
وإذا به ينتظرني بنفسه عند المدخل.
ما إن فُتح باب العربة التي أقلتني إلى قاعة الاحتفالات، حتى قال داميان، الذي كان يرتدي حلة أنيقة:
“سيدتي، هل كان الطريق مريحًا؟”
كان تصرفه وكأنه رجل نبيل لا يشبهه على الإطلاق، مما بدا مضحكًا.
برمتُ شفتي بتذمر وأنا أمسك بيده الممدودة إليَّ.
“وماذا لو لم يكن مريحًا؟”
“يا للأسف! من الذي أزعجكِ؟ سأؤنبه حالًا.”
“أوه، صه! إذا كنتَ لا تستطيع الكلام فالأولى بك الصمت.”
شمختُ بأنفي وأنا أنزل من العربة.
“هل سأعرف الليلة سبب انشغالك طوال الفترة الماضية؟”
“بالتأكيد.”
“أنا متشوقة.”
وسرعان ما دخلنا القاعة، وكانت قد امتلأت بالفعل بالنبلاء.
بدا لي أن عدد الحاضرين يفوق عدد من حضر الحفلة السابقة.
في تلك اللحظة، توقف العزف الهادئ الذي كان يملأ المكان.
ثم ظهر على المنصة رجل أعرفه جيدًا.
‘…كين؟’
ولي العهد، الذي اسمه الحقيقي كينيث.
صعد إلى المنصة وفتح فمه قائلًا:
“أولًا، أتقدم بجزيل الشكر والامتنان لجميع الحضور على تلبية دعوة حفلتي.”
إذاً هذه الحفلة هي من تنظيم كين.
كان مخفيًا، كالعادة، كل أثر لمرضه، متخذًا هيئة الأخ الذي يثق به داميان ويعتمد عليه.
“سأبدأ فورًا في صلب الموضوع من أجل الحضور المتلهفين.”
ماذا عساه يقول؟
رفعت عينيَّ إلى داميان فرأيت الابتسامة تعلو وجهه.
بدا كمن يعرف مسبقًا ما سيقوله كين.
“أنا أنقل إليكم نيابةً عن جلالة الإمبراطور، الذي حافظ على الإمبراطورية طوال هذه السنوات الطويلة، كلمته.”
ما إن سمع الحضور كلمة “جلالة الإمبراطور” حتى بدأت الهمهمات تخيم على المكان.
“لقد عيَّنني جلالته وليًا للعهد التالي. وقد فوَّض إليَّ جميع المهام الرسمية المتعلقة بذلك.”
عند هذا التصريح الصادم، انفجر الحاضرون في صيحات الدهشة والفزع.
وكانت الإمبراطورة باتريشيا الأشد انفعالًا بين الجميع.
التعليقات لهذا الفصل " 152"